الاثنين، 4 ديسمبر 2017

رسالة "السي آي أي " و تمنع سليماني ... هل اعترفت أمريكا بالفشل في المنطقة ؟



تظهر الإحداثيات الأولى لرسالة يناير من وكالة الاستخبارات الأمريكية لقائد فيلق القدس التفوق الذي تملكه إيران تفوق الأخيرة على حساب على حساب الولايات المتحدة ، في الشرق الأوسط و خاصة في المنطقة الخطيرة نسبيا على مئات الجنود الأمريكيين ، فالرسالة التي بعثت إلى القائد الإيراني الذي كان وقتها في (البوكمال السورية) و لم يكن في مكتبه بطهران ، كما أن وكالة الاستخبارات تدرك أن الرجل يعتبر أمريكيا الأكثر إرهابا بعد أسامة بن لادن ، كما لا يمكن نسيان متغير العلاقات الخليجية الإيرانية التي تدخل منحنا خطيرا باعتبار ما يوصف بالتقارب الأمريكي السعودي و الانفجار المخيف في البيت الخليجي .
دون حديث عن التفاصيل التي سيكنها الشيطان عادة و تكون عرضة للتأويل و التحليل فان مجرد تأكيد بومبيو رأس CIA على بعث رسالة لقائد ميداني يعكس مدى التخبط الذي وصلت إليه الولايات المتحدة في العراق و سورية (الشرق الأوسط بشكل عام)  ، و مع أن "السي آي أي" تقول إنها بعثت بتحذير إلى قاسم سليماني بعدم المساس أو تعريض  الجنود الأمريكيين في العراق للخطر  ، فان الوقائع تقول إن الرسالة لم تكن استجداء لسليماني - الذي استطاع بسط سيطرة كبيرة لإيران في معارك الشرق الأوسط التي تأبى الانتهاء - بل هي اقرب إلى الرجاء و خاصة أنها بعثت إلى سليماني نفسه و بشكل شخصي كما أنها بعثت خطيا ، و هو ما يعني أن المسألة لم تتعلق بفتح خط تنسيق بين البلدين بل خدمة مباشرة من قائد الجناح الخارجي للحرس الثوري الإيراني.
إعلان رفض سليماني استقبال رسالة بومبيو و طلبه الحديث مع المركز في طهران ، لا يعكس فقط التنظيم الهرمي الدقيق لإدارة الإيرانية و إنما أيضا تناسق مختلف هذه المفاصل التي تسعى إلى فرض تسوية جيدة في برنامجها النووي ، مع استمرار تذمر ترامب من الاتفاق المبرم في هذا الشأن ، و ردة فعل سليماني هذه تعني وضع إدارة ترامب تحت الضغط الخارجي و هي التي تضيق عليها الدائرة المحلية بسبب اعترافات مايكل افلين  و قرب سقوط جاريد كوشنير مستشار الرئيس في الشرق الأوسط ، و ما يمكن تلخيصه بالفشل الخارجي الكبير الإدارة الأمريكية في عهد ترامب .
رسالة وكالات الاستخبارات الأمريكية لم تأت حتما من فراغ ، فالوكالة التي تعد مهمتها الأولى جمع المعلومات عن كل كبيرة و صغيرة في العالم ، لن تخاطب الرجل الذي تحمله الولايات المتحدة كل جريمة قتل تقريبا تحدث في لبنان و سورية و العراق منذ العام 2004 إلى الآن ، و تعتبره التهديد الأكبر للكيان الصهيوني ، فان مخاطبة رجل من هذا النوع و بشكل خاص و مباشر يعني أن الوكالة لديها مخاوف حقيقية من الدور الذي يلعبه سليماني نفسه و اعتراف أيضا بتأثيره في المجال حيث يبعد عنه الجنود الأمريكيون بضعة كيلومترات .
ليس من المتوقع أن وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت تريد من رجل كسليماني عميلا لها أو شخصا يبيعها المعلومات ، و من غير المحتمل أن لا يكون سليماني قرأ الرسالة قبل رفضها ، و لكن وجوده الرسالة وحده كان فعلا كافيا للسؤال عن مدى قدرة الولايا المتحدة الأمريكية الخروج من مستنقع الدماء في العراق و سوريا حتى بعد القضاء على تنظيم و الدولة ، في ظل بوادر استمرار الصراع السني الشيعي في المنطقة و استمرار مسلسل كيد الإخوة في الخليج .

الإخوان المسلمون في موريتانيا بين الحالة المحلية و المرجعية العالمية



لا يخفى على المتابع للمشهد السياسي و الاجتماعي الموريتاني الصعود الكبير لحركة الإخوان المسلمين ، التي أخذت لنفسها مكانة معتبرة في المجالات السياسية و الاجتماعية خاصة من خلال قدرتها التنظيمية هذا مع الانكماش الذي تشهده التيارات الراديكالية البعثية و القومية وحتى اليسارية ، إضافة إلى حالة السأم السياسي التي يمر بها الشباب الموريتاني ، هذه الظروف تفرض على حركة الإخوان المسلمين في موريتانيا رفع التحدي و ان تعمل خارج الصندوق و لا تكتفي بالتفكير فقط من خارج نطاق الخزانات الانتخابية ، و ترشيحات المحسوبية ، و أن تعمل على ملئ الفراغ الناتج عن كومبرادورية الدولة و ضعف المشاريع السياسية القائمة حاليا في الساحة الموريتانية .
على مستوى المرجعية
تتأثر كثيرا الحركة الإسلامية في موريتانيا بفكرة الحركة الأم في مصر و غيرها إلا أن الإخوان في موريتانيا باتوا مطالبين بصياغة مشروعهم بعيدا عن المرجعية الاخوانية العالمية ، خاصة أن حسن البنا و سيد قطب لم يعودا بتلك الجاذبية بسبب التشويه الإعلامي الكبير الذي لحق لصورة الرجلين و الحركة بشكل عام و الربط بينها و كثير من الحركات الجهادية الأخرى ، التي و ان كانت قد احتكت بها  في مرحلة ما (صاحب كتاب الفريضة الغائبة الذي كان مسجونا مع قطب ، صاحب جماعة الهجرة و التكفير ...) و غيرهما من الأشخاص و الحركات التي جمعها في وقت ما طريق كره النظام القائم في مصر و غيره ، فكما فعلت التجربة التركية التي بنت أنموذجا تركيا اقرب الى العلمانية الإسلامية (إن صح التعبير) ، و حركة التحديث التي بدأت في ماليزيا و المغرب و النهضة و حماس مؤخرا ، على الإخوان في موريتانيا التعامل مع مشروع محلي بالاعتماد على المبدأ السياسي (التنظير بشكل عالمي و التصرف بشكل محلي ) ، فالظروف القائمة الآن اثبت أن المشروع الاخواني الموحد لم يعد قادرا على الاستمرار خاصة بعد ما وضع تحت الاختبار و الذي اثبت سطحية الفهم لمقولة "الإسلام هو الحل " فتجارب الإخوان القصيرة  نسبيا في الحكم عربيا  لم تستطع تقديم إجابات علمية حلو طبيعة الدولة التي يريدون مدنية أم دينية و أي مدى يأملون للشريعة هل يتعاملون معها في كليتها أم جانب الحدود و الأحكام ؟.
على الحركة الإسلامية في موريتانيا الاستثمار في مشاريع موريتانية و مرجعية ذات طابع محلي خاصة لأنها أكثر جاذبية محلية و حتى عالمية ، و بالرغم من التقارب  في الرؤى بل التماهي بين الإخوان المسلمون و الشيخ محمد الحسن ولد الددو و الشيخ محفوظ ولد الوالد (المفتي السابق للقاعدة) فإن الحركة الاسبلامية مجبرة على تكييف مشروعها ليشمل مدرسة الشيخ عبد الله  بن  بيه بالرغم من الاختلاف الكبير بين المسارين و لكن الإخوان في موريتانيا لديهم القدرة أن يكونوا أول جناح للإخوان المسلمين يتفاعل بشكل مباشر مع محور السعودية و الإمارات  ، و هو ما يجعل مشروع الإخوان الموريتانيين أكثر قدرة على الصمود خاصة في بلد بقيت ديمقراطيته مزاجية جدا و متقلبة إلى حد كبير .
على المستوى السياسي
الإخوان المسلمون في موريتانيا و من خلال حزب التواصل مجبرون على التفكير خارج الصندوق السياسي الموريتاني الذي ملئ تكرارا و تقليدا إما أحزاب في السلطة تتغير أسماؤها دون أن يعني ذلك تغييرا في الأشخاص و الوسائل و الأسلوب و معارضة راديكالية استبدت بها موضة المقاطعة و الممانعة في السنوات الأخيرة ، إضافة إلى حراك شبابي لم يجد بعد النصير السياسي و الاجتماعي المطلوب ، في سياق كهذا على الإخوان المسلمين أن يتجنبوا موضة المقاطعة السياسية و المشاركة إلى حد كبير في أي فرصة انتخابية  ، و لكن الأهم انه عليهم الابتعاد عن الترشيح على طريقة الشيخ و المريد ، فالحركات التي تحمل مشاريع تسعى للاستدامة عليها الابتعاد عن أسلوب الخزانات السياسية الذي عادة ما تنتهجه الأحزاب الحاكمة في البلاد ، فعلى الإخوان أن يتيحوا الفرص كاملة أمام الشباب و غيرهم مع العلم أن الحركة الإسلامية كانت أول مشروع سياسي ينفتح بشكل مباشر على لكور (ساكني الحضر ) و هو ما يعني أنهم مجبرون على تشكيل حزب بالمعنى التنظيمي و ليس جماعة دينية ، بأمير و رعية و هو الخطأ الذي حرك الثورة المضادة في مصر تحت  شعار "أخونة الدولة " .
على المستوى الاجتماعي
[قبل أن تقنعني أنني لست قمحا اقنع الديك أولا  أنني لست كذلك].
على الإخوان المسلمين العمل على إقناع الموريتانيين أنهم ليسوا القاعدة و لا داعش و أنهم حركة مختلفة تماما فهذا الخلط يؤثر كثيرا على القاعدة الشعبية للإخوان ليس في موريتانيا وحسب ، حيث كثرا ما ربط بين الإخوان و الحركات المسلحة الأخرى في المخيال المجتمعي الغير قادر على التمييز كثيرا في غبار الريات السود و الخضر .
و  إن تميزت الحركات الإسلامية في العالم العربي بقدرتها التنظيمية الكبيرة و لكن التدبير السياسي يختلف كثيرا عن التنظير الديني الدعوي ، و هو ما يعني أن الإخوان الذين يستثمرون كثيرا في التنظيمات الاجتماعية كواجهة لنشاطاتهم ، عليهم أن تدركوا أن الشباب ليس مستعدا أن يبقى فاعلا خيريا إلى الأبد ، و إن كان من المعلوم أن التنظيمات المجتمعية و الدينية للحركات الإسلامية هي الطريق إلى التنظيمات السياسية ، فان المسؤولية المجتمعية التي تحملها الإخوان في موريتانيا كبيرة جدا ، خاصة إذا علمنا أن سد الفجوة حيث فشلت الدولة و عجز المجتمع في بلد كموريتانيا يبد أمرا متعذرا ، لكن الفخ الحقيقي أن الذين يتلقون هذا الدعم ليس من المحتوم أن يكونوا مصوتين للمشروع الاخواني في أول انتخابات لان الميكانيزم المجتمعي في موريتانيا أقوى بكثير من الإرادة السياسية ، و حتى بطاقة التصويت كإرادة فردية حرة  لا قيمة لها في مواجهة الضغط الجينالوجي و القبلي .
سيحظى الإخوان حتما بدعم من القوى الشبابية المعارضة  و اليسارية في موريتانيا و حتى المعارضة التقليدية في حال دخلوا في مواجهة سياسية مع الحكومة القائمة ، ولكن الواقع يقول إن الإجماع السياسي متعذر إلى حد كبير خاصة في بلد مازال ينظر إلى السياسية كممارسة يتوخى من المبادئ و المواقف الثابتة في زمن الواقعي القول فيه أن سياسته المثلى إما أن تكون ميكيافلي على طريقة (ترامب ) أو استدراري على طريقة جميع دول العالم الثالث و إما أن تبقى متمسكا بمشروع صمم على مقاس لن يخدم جميع المجتمعات حتما عندها يمكن التساؤل أينهم ابرز قادة الحركة الإسلامية في مصر الذين أقدموا على هذه الخطوة في زمن وجب فيه التجديد و الاستماع إلى جميع الفاعلين الواقعي منهم و الافتراضي  .

الخميس، 30 نوفمبر 2017

شباب الحراطين و ضرورة بناء مشروع أمة


استهلال 
تركت نخب الحراطين إرثا كبيرا بالرغم من اختلاف مشاريعها و توجهاتها و حتى طبيعة تعاملها مع ميراث القضية و حتى نوعية التحالفات التي عقدتها لاحقا.
شباب الحراطين الذي اعنيه ليس ضرورة المنحدر جينالوجيا من الحراطين بل المؤمنون و الداعمون لهذه القضية قد يختلف معي البعض ولكن الاتفاق ليس ضرورة "ولكن هذا لا ينسينا أن القضايا لا يهتم بها إلا أصحابها ".
--- 
بالرغم من اختلافي الكبير مع الميراث الذي تركته نخب الحراطين إلا أنها تركت فعلا سندا حقيقيا لبداية جديدة لعمل جاد من اجل تغيير واقع شريحة الحراطين في موريتانيا ، و هو ما يفرض على الشباب الآن العمل بشكل جاد على صياغة مشروع جديد في نضال الحراطين و تقديم رؤية أكثر نضجا و وضوحا ، من الحكمة القول إن هذا هو الوقت المناسب لهذا التحول و انه حان وقت تحرك جميع المؤمنين بهذه القضية ، سؤاء كان هذا المشروع يستلهم من تجارب سابقة كما هو حال المصالحة في إفريقيا أو مشاريع أكثر دينامية أو خصوصية سواء من خلال مؤتمر للشباب أو منتديات عصف ذهني ... إلخ من فرص العمل الجمعي المشترك ، فانه على شباب الحراطين العمل بشكل جاد على صياغة مشروع شامل لمشاكل شريحة الحراطين و مختلف تشعباتها و طموحاتها ، و بعدها رمي كرة اللهب هذه في حضن الدولة التي تشغل نفسها في مشاريع وطنية شاملة و هو ما يفرض على أصحاب المشاريع الخاصة (الحراطين ، لمعلمين ... الخ) الاهتمام بمشاريعهم و تقديمها جاهزة للدولة التي عليها التعامل مع هذه المشاريع بجدية ، إذ من غير المتوقع أن تترك الدولة كرة النار هذه تحترق ، له من المعلوم أنها لن تحترق لوحدها بل ستحرق معها أشياء أخرى ، - آخر ما أفكر فيه أن أكون منظرا لثورة خاصة مع نتائج الربيع العربي - ، هذا دون نسيان أن الدولة لم تكن في يوم من الأيام موفقة في صياغة مشاريع وطنية بتلك النجاعة أي أن الاعتماد عليها أو انتظار ردة فعها في ظل مشاكل عامة تعاني منها منذ قيامها . سيضيع الكثير من الوقت في سبيل حل جذري للمشاكل التي تعاني شريحة الحراطين و غيرها .
العمل المطلوب اليوم من شباب شريحة الحراطين هو صياغة مشروع واعي أشمل و أكثر تفصيلا بل ومتجاوزا لميثاق الحقوق السياسية و الاجتماعية للحراطين و أكثر دقة من إيرا و أجرا من مشروع الحر نجدة العبيد و أكثر واقعية و شمولية من مشروع هيئة الساحل ، و لكن المهم في هذا المشروع أن يستقي من جميع المصادر و المرجعيات و التوجهات ، و يكون النواة الأولى لليافطة التي تجتمع فيها كل القوى النضالية التي ترى أن قضية الحراطين مسألة وجب حلها بشكل سريع و شامل .
مع العلم أن هذا الدمج على مستوى الأفراد سيكون صعبا بل مستحيلا بالمنطق السياسي ، و لكن الجمع بين هذه المشاريع كرؤية عملية سهلة و سلسلة ، و فوق كل ذلك ضرورية لبناء مشروع يرى الجميع فيه نفسه .
مثل هذه المهمة على شباب الحراطين التصدي لها و القيام بها معا و التنظير و التنظيم لها على أعلى المستويات لان صياغة مشروع كبير و شامل ، يعني حتما وضع الحكومة في حرج التجاوب الفعال مع هذا المشروع و دمجه في خططها القريبة ، أو يدرك القائمون عليه أن المسالة الآن باتت تتعلق بفعل ممنهج ومقصود "وقد أثبت التاريخ البعيد منه و القريب أن جميع أنواع الدول قابلة للاستمرار إلا دولة الظلم و الحيف و الإقصاء ".
الكرة الآن ما زالت في ملعب شباب الحراطين و هم المسؤولون عن تحديد حاجاتهم وسقف مطالبهم بأنفسهم و تأسيس كتلتهم الحرجة بأنفسهم ، و صياغة مشروعهم المتكامل و بحضور الجميع من فاعلين و مهتمين و شركاء في الوطن و الوضعية ...إلخ دون أن ينسوا توفير ما استطاعوا وسائل الجمع الضرورية لبناء مشروع أمة موريتانية و الذي ينطلق حتما من مشاريع ذات رؤية و مستقبلية و تشاركية و فوق كل ذلك مؤمنة كل الإيمان بالحق في دولة المواطنة .

الخميس، 23 نوفمبر 2017

إني أتحدث عن إيكيون كوظيفة اجتماعية


طالعت مقالا للزميل و الصديق أحمد سالم عابدين ، وقد كان المقال رائعا بما تعنيه الكلمة من معنى سواء من حيث زاوية المعالجة أو الاطلاع على حيث النقاش التي تقيد بكل أسس الموضوعية ، السطور التي اكتبها اليوم ليست ردا على مقال صديقي بل هي محاولة ليكون النصف الثاني للمقال الذي كتبه أحمد سالم عابدين ، مع أن كتابات هاو مثلي لن تصل بأي حال مستوى كتابات الأستاذ ولد عابدين و بالرغم من هذا الاعتراف فاني مصر على المحاولة .
*******
[إهاب أشرع لخلي الركبة ] مثل حساني .
تكرس التقسيمة الاجتماعية المبنية على ما يعرف في علم الاجتماع بالدور الاجتماعي ، (و هو الوظيفة التي يوكلها المجتمع لمختلف عناصره كل على حدة خدمة للنسق الاجتماعي العام) ، يكرس هذا التقسيم تراتبية اجتماعية في المجتمع الحساني (نسبة إلى للهجة الحسانية) ، حيث يوجد في القبيلة أو الجهة تقسيم شبه نمطي من قبيلة إلى أخرى و من جهة إلى أخرى ، فإلى جانب الزاوي الذي كان يقوم بالعملية التربوية و العربي الذي كان يتولى العملية الأمنية و الحرطاني الذي كان يهتم بالعملية الاقتصادية وجد إيكيو كفاعل في هذا المجتمع ولم يكن دوره مجرد تنفيس ثقل الحياة عن البقية الأخرى بقدر ما كان مخلدا للتاريخ و جزء من ماضي هذا المجتمع و حاضره ، و مع ما يسميه أوغيست كونت عمليات الإبدال في النسق الاجتماعي للعناصر التي لم تعد قادرة على القيام بدورها الاجتماعي بشكل صحيح فان هذا الإبدال طال عدة أدوار ، فلم يعد (أستعريب) اليوم غاية في حد ذاته (بوجود مؤسسة عسكرية ومن المفارقة أن قائدها وقت كتابة هذه السطور زاوي من الطريقة القظفية ) ، كما أن (أستزوي) هو الآخر بات ينحصر بشكل كبير (باعتبار وجود المدارس كإبدال له ) بل حتى تغير المفهوم إلى مجموعة من الممارسات الطقوسية و التابوهات أكثر من كونها شيئا على ارض الواقع ، فيما أصبح دور لمعلم كجهة صانعة مهددا بسبب (ماركة صنع في الصين) و التي كانت الإبدال الخارجي الذي فرض نفسيه على موريتانيا الدولة .
في هذا المجتمع بقيت مكانة إيكاون بعيدا عن الجدل الديني و لم تكن هذه المكانة مثارا للنقاش فقد بقي الفنانون بمفهومهم الموسيقي على الأقل ضمن التركيبة الاجتماعية ، فاعتقد أن ليس في موريتانيا احد لم يسمع (توبي من ذ الفن عذبت لحرار هذ النحية من موجبات النار ) ، و يعرف القائل و لمن قيلت له أيضا ، فعدى عن التهجم الواضع على المادة الفنية فان هذا القول يضع حدودا غابت في بعض الخطابات الدينية بين الفعل و الفاعل ، هذا دون نسيان أقوال و إن كانت من خارج المالكية ترى أن الموسيقى (حلالها حلال )، وهنا معروف ما الذي غناه ايكاون في موريتانيا ، و نوع المجالس التي يحضرون و دورهم الاجتماعي الراسخ ، و هو ما يفسر عدم اندماجهم في سوق الفيديو أكليب و شركات البيع و الشراء الموسيقي الذي أمها عدد من غير المنحدرين من سلالة ايكاون في مفارقة واضحة "أن الأسر الفنية الموريتانية لا تمارس فنها من أجل المال و إنما وظيفة اجتماعية) على ما يحيط النظام الاجتماعي به هذه الوظائف فكما هو شائن على الزاوي أن يكون فنانا فإن (أستعريب) كذلك كان في عيون الآخرين مجرد بطش و حرابة و هكذا ... .
إن إيكيو  الموريتاني اليوم ( سليل الأسر الفنية المعروفة) ينظر إليه كجزء من ذلك التاريخ الرمزي للظواهر الاجتماعية  لهذا البلد و تزداد قيمته تاريخيا مع امتداد عمرها ، لأنه كمعلم ثقافي لا يختلف بشيء عن ذاك التاريخ الذي يثر جدلا في مختلف الحضارات فكما المزارات و المتاحف و الخيام و المدن التاريخية يجب احترام "إيكاون" ليس كقيمة تاريخية ذات بعد إنساني و وليس كردة فعل لتلبية حاجة اجتماعية في وقت ما و إنما كقيمة أخلاقية أيضا ،" فلا فضل لعربي على عجمي الا بالتقوى " و توزيع صكوك الغفران عدى انه ليس فعلا في إطار المنظومة الإسلامية ، فانه كذلك ليس لعبد من سبيل على عبد آخر .

الاثنين، 20 نوفمبر 2017

قضية الحراطين بين النضال و منزلقات الضلال



أسالت مجموعة الحراطين في موريتانيا الكثير من الحبر على مستويات عدة خاصة في يتعلق بمخلفات الرق و انعكاساته على هذا المكون المجتمعي المحوري في التركيبة الاجتماعية بموريتانيا ، و مع قيام الدولة الحديثة بإصدار عدة تعميمات و قوانين و فتاوى حرمت مسألة العبودية ، فان الشكل الذي جاءت فيه هذه التحريمات تطرح من الأسئلة و الاستشكالات أكثر مما تقدم من الإجابات ، في ظل سعي تحرري دب في جسم الشريحة بكاملها (في حالة وعي بذاتها على لغة كارل ماركس ) . وقد تكون بعض الأسئلة الاستفزازية من الضروري أن تطرح دون أن يعني ذلك تقديم إجابات لها ضرورة ، فهل يعيش كل الحراطين (العبيد سابقا) نفس الوضع و لديهم نفس الخلفية أو على الأقل خلفيات متشابهة ؟؟ و ما مدى صدقية وجود نسق ثقافي يجعل هذه المجموعة تتسم بصفات مشتركة ليطلق عليها نفس الحكم و تعمم عليها نفس الوضعية ؟ أي دلالة لحجم الاختلاف الثقافي داخل شريحة –إن لم نقل شرائح -  الحراطين أنفسهم ؟ أي فاعلية لنضالهم قديمه جديده ما لم ينجح في توحيد الغالبية حول مشروع واحد ؟ (هذا المشروع الذي مازال غائبا أيضا هو الآخر ) و أي دور للنخب في هذا النضال؟
تجاوزت المسألة التشميت لعطاس تكرر كثيرا في السنوات الأخيرة و بات مطية شهرة للبعض و عذاب للبعض الأخر ، ففي ما يتعلق بالحراطين كمجموعة عرقية فان مخلفات الرق بالرغم من ضعف عمل الدولة على حل المسألة بشكل جذري ، قد انتهى عمرها المنطقي ، وركوب موجة المخلفات بات عملية متجاوزة إلى حد كبير ، فحالات العبودية المسجلة لا تقارب مهما تفاءلنا عشرة في المئة من نسبة الشريحة في المجتمع ، و هو ما يجعل عملية لبس عباءة المخلفات فيه الكثير من الردم على المشكل الحقيقي ، الذي يعانيه المجتمع بشكل عام ، و هو ضعف التعاطي الرسمي مع قضايا كالتعليم  و الصحة و الإسكان و توزيع الثروة ... الخ من أساسيات بناء دولة المواطنة ، و مع ذلك لا يمكن تجاهل أن ثمة نخبة من الحراطين استطاعت الوصول إلى بناء رأسمال و تجاوز هذه المخلفات في وقت لم تجد غالبية الشريحة أي طريق للتنمية ، و هو ما يحيلنا إلى السؤال حول الفوارق السوسيواقتصادية في الشريحة السوداء الناطقة بالحسانية ، التي تبد أكثر تلاؤما ثقافيا على الأقل في محيطها الثقافي الذي توجد فيه ، فلعب الدبوس كتقليد خاص بالحراطين أكثر تجذرا في غرب البلاد منه في شرقها ، ونفس الشيء على ما يعرف ب(الخالفة الخظرة ) ، فغياب هذين العنصرين و غيرها كثير عن نفس المجموعة في مناطق شرق البلاد ، يدفع بالسؤال إلى أعمق مما هو ظاهر فما مدى شرعية العبودية كفعل مرفوض دينيا ؟-حسب بعض الفتاوى الحديثة- و من الذي كان له الحق في التقرير من هو العبد والسيد ؟ ، و مع ذلك يمكن الوقوف على تقاطعات مهمة تشمل جميع مكونات الشريحة كالمديح النبوي – الذي لم يأخذ حقه في تدوين المقدس إذا ما قورن بمتون أخرى – و الذي إن كان عنصرا جامعا فقد تمايز في طرق الإنشاد حتى بات معروف كل لحن على حدة وما هي الجهة التي قدم منها .
يبد الإشكال الجينالوجي في الحراطين لكثر تعقيدا من سابقه ، فيحاول البعض التأصيل للحراطين كمجموعة و عرق ممتد ، فيرد البعض الحراطين إلى المصطلح الأمازيغي [إيحراطن] و الذي يعني الخلساء أو المولدون من بين الأحباش و البربر ، و يعتمد البعض الآخر مرجع [الحراثين] و هي كلمة تطلق على ممارسي الزراعة في المغرب و الثاء أبدل طاء بسبب النطق ، و بالتالي الحديث عن امتداد مجالي للشريحة . فيما يبد ثمة رأي آخر و خاصة في الجنوب يؤصل للشريحة على أنها من أصل زنجي و هي متشكلة نتيجة الاتجار بالبشر بين تجار الملح (البيظان) من الشمال و تجار الحبوب من الجنوب (السواد الإفريقي) ،و بالتالي هم يتكلمون الحسانية بالتعود و ليس بالأصل .
و دونما نسيان للتقسيم الوظيفي الذي عرفه مجتمع هذا المجال (أعرب ، امعلمين ، إيقاون ، أزواية ، حراطين ...) فان هذا الترتيب الوظيفي تحول مع الوقت إلى تقسيم اجتماعي و أدوار تحولت مع الوقت إلى هوية ، و لم تعمل الدولة على تخطيه بشكل فعال و هو ما تجسد في شكل مطالب نزلت مع الوقت شيئا فشيئا إلى الشارع . النزول إلى الشارع الذي يتطلب شعارات أكثر سهولة جعل كلمات [حر طاري] (الشخص الذي حصل على حريته حديثا) و جامبور (الخارج على العبودية ) كلها شعارات ضرورية لعملية الحشد للميدان لتغيير واقع الحراطين في حالة اعتماد ظاهرة على التغير من الخارج و ليس من الداخل. 
إن مسالة الجمع بين مجتمع الحراطين كشريحة عانت من ظروف متشابهة هي عملية لها الكثير من المنطقية من خلال وجود الكثير من المعلومات حول هجرة غالبية سكان ، كما أن فعل العبودية (المشين ) الذي عانى منه مكون في هذا المجتمع يجعل من هؤلاء ملاك للأرض أكثر من غيرهم ، و إن كانت عوامل تفتيت الرؤى السابقة كلها تعيد مركز الأزمة و هي البنية القبلية في موريتانيا التي تتأسس على أسطورة جينالوجية يستحيل الوقوف عليها ، خاصة إذا عرفنا أن القبيلة الواحدة تضم مختلف الشرائح الوطنية و من المضحك القول أن جميع هؤلاء يتوقفون عند الجد الثاني عشر نفسه .
بعيدا عن الجدل التاريخي الذي يتحكم فيه أموات بوصفهم من أتاحت لهم الظروف كتابة التاريخ ، فان الحكومات الموريتانية استطاعت دائما أن تؤجل الحديث الجاد حول ملف الحراطين ، إلا أن السنوات الأخيرة أفرزت حراكا أكثر أندفا و حسما  تمثل في بروز حركة إيرا التي كسرت العديد من الحواجز في سنوات ظهورها الأولى ،  حتى أصبحت بداية حقبة جدية كتجاوز لأدباي كرمز نضالي و تجمعات جامبور و حركة الحر لا حقا و أخوك الحرطاني و غيرها من الحركات التي لم تسعفها الظروف في أن تجد صداها المأمول ، فإيرا كانت محظوظة بشكل كبير بوجودها في زمن ثورة رقمية كبيرة خاصة في منصات التواصل الاجتماعي ، الجدل الذي أثاره الرئيس الموريتاني الثامن محمد ولد عبد العزيز حول حبس اثنين من ابرز وجوه النضال في قضية الحراطين بعد قضية الملكية العقارية ، و إطلاق سراحهما بعد أزيد من سنة - بتعليق سوء تقدير من المحكمة - ، نفس الرئيس دفع بيرام الرجل الصاعد وقتها في نضال شريحة الحراطين إلى أن يكون مرشحا رئاسيا ، خاصة بعد حادثة المحرقة التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بين ماضي و حاضر نضال شريحة الحراطين.
مسألة نضال الحراطين الآن هي مسالة نخبة و مرهون بمدى قدرة النخبة على تجنب الضلال عن الطريق الذين تم التمهيد له منذ أدباي و ما لحقه ، فهذه النخبة التي يتبجح البعض منهم بالتضحيات التي قدموا لشريحة الحراطين مع انه لم يطلب منهم أحد التضحية فإنهم استطاعوا تحويل هذه التضحيات إلى رأسمال مادي ورمزي ، دون أن ينعكس ذلك على وضع الشريحة ضرورة ، هي النخبة نفسها التي اختارت اليوم مشاريع شتى من اجل خدمة ما يلخصه النشطاء الشباب بالقضية ، فهذه المشاريع المختلفة عدى عن صعوبة الأرضيات التي تقام عليها فإنها تبقى المحك الحقيقي لمدى جدية النضال في بسبيل تحقيق مبدأ المشاركة النشطة في الحياة الوطنية و الحصول على مكانة في طابور الحقوق لعشرات الآلاف من الحراطين الذين يزدادون نسيانا كلما زاد بريق بعض نخبهم ، و إن صح القول إن التحول إلى نخبة مسألة معقدة فالمشكلة التي تعاني منها نخب الحراطين تتفق مع ما قدمه ابن خلدون أن "المغلوب مولع بتقليد الغالب " فنخب الحراطين غالبا ما يتحلون إلى نخب على نمط النخب البيظانية أول ما يصلون إلى مركب القوة المالية و الاجتماعية و بعض السلطة ، ومع ذلك تبقى الطاقات الشابة في هذه الشريحة و المتحمسة جدا للوصول إلى حقوقها غير منقوصة و الآن العامل المهم في المرحلة القادمة ، مهما كانت طريقة كتابة التاريخ و حقيقة تشكل هذه الشريحة و فاعلية ادوار الدولة أو التزام النخب بقضية الحقوق حتى ولو ضرب ذلك بمصالحهم الشخصية حائط المصالح الذي تحدده الحكومات المتعاقبة في سبيل بقائها. 

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

السعودية في عهد آل سلمان : أي مصير لملكها غير المتوج


محمد بن سلمان تحرك كثيرا في ظل أحداث اقليمية مؤثرة فقد أزال ولي العهد في ظل أزمة قطر ، و حبس أمراء في ظل أزمة اليمن و لبنان فما الحدث الذي يليق بتوليه العرش ؟
*** *** *** *** ***
 منذ تولي الملك سلمان بن عبد العزيز ال سعود كان واضحا انه سيكون آخر الاخوة في العرش من خلال اتباعه سياسة الفصل الكاملة مع ماضي المملكة التي حرصت على وصية الوالد بتوريث الاخوة بدل الابناء ، و لكن ولي ولي العهد الذي تحول سريعا إلى ولي للعهد يبد مستعجلا للوصول إلى سدة الحكم ، إلا أن هذا الاستعجال لم يقتصر فقط على  تصدره المشهد في اللملكة وخارجها حيث بات الامر الناهي بين عشية وضحاها ، و خرج سريعا من الظل إلى واجهة الاحداث بمؤازرة من أحد اكثر الشخصيات نفوذا دبلوماسيا في المنطقة محمد بن زايد الذي يملك اذرعا قد يكون  اضعفها محمد دحلان الذي تحول من مارق على القضية الفلسطينية إلى واجهة لبن زايد في العديد من الملفات الشائكة .
محمد بن سلمان تزامن استعداده لاعتلاء العرش مع أحداث كبيرة ، فالولايات المتحدة الامريكية التي نعرفها تغيرت رأسا على عقب بعد حكم دونالد ترامب الذي لا يبحث عن اصدقاء لأمريكا و إنما يبحث عن استثمارات و تجسد ذلك من خلال حساب نتائج زياراته بعدد المليارات التي يعود بها من لكل زيارة ، و للمتابع لحسابه على تويتر معرفة ردة فعله على زيارته للرياض التي شهدت الكثير من الاحداث التي كانت من بوادر التحول المنظور في المملكة في عهد آل سلمان ، فأيام بعد زيارة ترامب تم قطع العلاقات مع قطر في حدت قضى على وحدة البيت الخليجي ، و بوقت وجيز قبل ذاك كان الملك سلمان يدخل في مخاطرة تتحمل السعودية الان كل سيئاتها و هي الحرب على اليمن التي بدت في شكل تحالف عربي إسلامي و لكن الواقع يقول انها حرب سعودية على اليمن كان الامير الشاب هو عرابها الاول ، و ان جنى امير أبوظبي ذو النفوذ الواسع نتائجها الابرز ، على الاقل هذا ما تقوله السيطرة على الارض و الانتشار العسكري ، في وقت دفعت السعودية إلى مواجهة حرب حقيقية كان اخرها صاروخ الرياض  والذي سبقته مخططات احرى ضد امن المملكة التي تعد اليمن خاصرتها الحرجة ، و هو ما جعل أي غبار قادم من اليمن تشم فيه السعودية رائحة العدو الجغرافي و الازلي الجمهورية الاسلامية الايرانية .
فيما يستمر الامير الشاب بتثبيت قدميه بالإعلان عن ما سمي رؤية المملكة 2030 في انقلاب اقتصادي على وضعية الدولة النفطية كان اول ضحاياه رافعة الاقتصاد الاكبر عربيا "أرامكو" ، هذا عدى عن المشاريع الطموحة في البحر الميت و تيران و صنافير و ، كان المشروع الذي شغل به ولي العهد الجديد الناس هو التوجه الديني الذي اعلن و بالحرف الواحد القضاء على التطرف ،  والعمل على تجديد الفهم و الخط التديني للملكة ، و كان من بوادر ذلك حبس المئات من  الائمة و رجال الدين - و بين و قوسين الموقف الذي كان مثار تهكم ضد المملكة-  السماح للمراة بقيادة السيارة ، هذا التوجه الديني الجديد مثل انقلابا بحد ذاته على عقيدة المللكة التي قال اخر من ملوكها انه الكتاب  و السنة هم دستورها ، و هو ما يطرح اشكالات حقيقية عن طبيعة التحول الذي يسعى اليه الامير الشاب في مشروعه الديني الجديد الذي لم يتضح منه سوى السعي الى التخلص من سلطة النص الديني لصالح سلط اخرى لم يتم بلورتها بعد ، هذا مع الاعلان الصريح من الامير محمد بن سلمان للحرب على الاسرة الحاكمة فإزالة ولي العهد السابق كانت البداية فقط ، ففي يوم واحد من الاعلان عن لجنة لمكافحة الفساد تم اعتقال ابرز وجوه الاسرة الحاكمة و اقوى رجال المال في المملكة من وزراء و امراء تتبع لهم مؤسسات كبيرة مالية و اعلامية ، بل حتى تم تسجيل اموال الجميع في عهدة الدولة السعودية ، و هو ما فسر ان الامير دخل المرحلة الاخيرة من عملية تحييد الخصوم و الاعداء في سبيل للكرسي الملكي .
و مع أن الوضع الداخلي للملكة بقي دائما ورقة فاشلة للضغط على ملوك السعودية التي لم تعرف ما قد يوصف بالانفراجة السياسية و الحرياتية على الاطلاق ، و ذلك بسبب علاقات المصالح التي تربطها بالقوى العظمى و المبنية بشكل كبير على مصالح اقتصادية و استراتيجية (النفط و المواجهة مع ايران النووية ) ، فان الوضع الاقليمي يقود السعودية إلى  الزاوية الحرجة ، حيث ان الحرب على اليمن تزداد تعقيدا و تطول مدتها و بالتالي تثقل أعباؤها المالية على كاهل المملكة ، فيما يمثل صمود امارة قطر في وجه الحصار ضغطا على الرياض التي تقود أيضا جبهة ثانية ضد جارتها بتهم ابرزها الارهاب ، الذي تحاكم به المملكة نفسها في محاكم الولايات المتحدة ، و تستعد لمواجهة مساءلة حول جرائم حرب في اليمن الذي دمرته عاصفة الحزم و سلاح الحوثيين ، كما أن الحليف الاول لمشروع أل سلمان الجديد و هو الامارات يعيش تحت ضغط الهجوم الاعلامي المتواصل من قناة الجزيرة القطرية و هو ما يدفع بالإمارات إلى الحرص على ستر عورتها بدل العمل على دعم حليفها السعودي ، خاصة أن البلد الخليجي اصبح مضطرا للإجابة عن اسئلة حرجة حول العلاقة مع اسرائيل ووضع حقوق الانسان في الدولة و الدور الذي تلعبه في الصراعات  التي تشهدها المنطقة .
بن سلمان الامير الشاب لا يسعى  إلى الحكم فحسب بل و يريد خلق تغير قد يكون منافيا للجغرافيا و التاريخ في عاصمة الاسلام التي باتت فيها هيئة الترفيه بديلا حقيقيا عن هيئة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر-ذات السمعة المخيفة- التي اصبحت مؤسسة هامشية في العهد الجيد ، هذا دون نسيان ان السعودية الجدية دفعت بنفسها إلى برميل البارود اللبناني الذي يعد الحالة  الدينية و الاجتماعية الاكثر تركيبا و تعقيدا في المنطقة ، فالدولة مسلحة و الشيعة مسلحون و السنة في طور العمل على جيشهم الخاص ايضا ، إلا ان دفع الحريري إلى خطاب مطابق لخطاب المملكة و مضاد لحليفه حزب الله يعد وجها للحرب بالوكالة الدائرة بين السعودية و ايران في عدة ساحات اخرها لبنا و قبلها اليمن و فلسطين ... ، فالاستقالة المريبة زمكانيا للحريري ، تعني ان السعودية نصبت نفسها فاعلا رئيسيا في دول يشكل الصراع جزء من تاريخها ، فمصر التي عاشت ما سمي من محور الاخوان -الحكام السابقين -الثورة المضادة ، تعتبر اليوم حليفا رئيسيا للمشروع السعودي الجديد ولكن مصر التي عرفها العالم أيام السادات ومنتصف عهد مبارك ليست هي مصر التي نعرفها اليوم في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
محمد بن سلما حتما اذا كتب له الله العمر سيصل سدة الحكم ، و ينصب ملكا و لكن على الملك الجديد  الوفاء بعهود ثقيلة جدا أولها كسب الاحترام للعائلة المالكة التي ظهرت بسبب الاعتقالات الاخيرة في شكل حطم صورتها الذهنية لدى المواطن السعودي ، كما عليه اثبات ان مشروعه قابل للتحقيق و التطبيق ، ثم ان عليه الخروج من اليمن بأقل الاضرار و التي ستكون حتما الاعتراف بالهزيمة عسكريا و محاولة العودة إلى الحل السياسي الذي سيكون انصار الله (حلفاء ايران) جزء لا يتجزأ منه ، كما عليه الحرص أن يكون رئيس الوزراء اللبناني القادم في حلفه مما يضمن له مكانا في الحرب الاقليمية المفترضة ضد إيران –التي يحاول ترامب التملص من الاتفاق النووي معها ، ثم ان المشكلة الاكبر التي على الامير الشاب ان ينجح فيها هي ان يحافظ على الامارات و ان يخرج من الازمة القطرية بإعادة مجلس التعاون الخليجي ، الذي يعيش الان موتا سريريا ، خاصمة ان محمد بن زايد أذا وصل الحكم سيكون له شؤون اخرى غير ارشاد محمد بن سلمان كيف يدير مملكة اجداده .


السبت، 28 أكتوبر 2017

الفضاء الجيوسياسي لموريتانيا [أحجية النفعية] ..الشيخ الحسن البمباري


تعرف موريتانيا انتعاشا دبلوماسيا كبيرا في الفترة الأخيرة خاصة مع إعلان اعتماد سفير المملكة المغربية الجديد بنواكشوط –و العكس-  في الأثناء كان رئيس الدبلوماسية السنغالية يُستقبل بالعاصمة ذاتها، فيما كان وفد وزير الخارجية الجزائري يفرغ من لقاء رئيس البلاد محمد ولد عبد العزيز ، هذا الحراك الذي تفسر الجهات الموريتانية ظاهره بأنها زيارات جيرة و صداقة ، لا يعكس حقيقة العكر الذي يسود فضاء شمال إفريقيا ، فالجزائر التي تعلن إغلاق حدودها مع المغرب هي نفسها التي تسعى لاتفاق فتح معبر حدودي مع  موريتانيا، إضافة سعيها الحثيث للحصول على موقف موريتاني جديد من قضية الصحراء، فيما المغرب الذي أصبح فاعلا قويا في الفضاء الإفريقي ما فتئ يعول على علاقاته التاريخية مع الشناقطة  للحفاظ على موقف البلاد من القضية الصحراوية،  في الوقت الذي  يبد الجهد السنغالي للحفاظ على موريتانيا مصالح اقتصادية ليس آخرها بحر الغاز المكتشف و عشرات رؤوس الأضاحي إضافة إلى فتح الشواطئ الموريتانية .
 في حين تُبْد موريتانيا أكثر واقعية في مطالبها حيث تسعى إلى شُل حركة رجل الأعمال ولد بوعماتو إضافة إلى عرقلة نشاط حركة إيرا التي تتخذ من السنغال مقرا لها ،  و إن  بقيت هواجس الإرهاب و النفط أكثر مؤشرات الاتفاق الموريتاني الجزائري الذي وصل حد إنشاء مجلس وزاري بين البلدين .
ما الذي يريده جيران موريتانيا ؟
تبدو الطموحات مختلفة من جيران الشمال إلى الجنوب ، فمع الدور الفرنسي الكبير في المجال الإفريقي ، فان السنغال ليس لديه الكثير من المطالَب التي تثير اهتمام حكام موريتانيا أو تضغط عليهم مع ضعف الدور الإفريقي للدولة الغرب إفريقية ، و التي تزداد انكماشا بسبب توسع التهديد الإرهابي و مع ذُلك شكل اكتشاف الغاز عامل قوة للسنغال ، و إن كانت هذه المساومة مساوية لحاجة السنغال إلى الصيد في المياه الموريتانية الملف الذي كثيرا ما مثل وسيلة ضغط على السنغال مع كل تحول سياسي في موريتانيا و اجبر السنغال على الاعتراف مبكرا بمختلف الانقلابات و الحكومات في جارها الشمالي. هذا إضافة إلى ملفات جانبية كتقسيم مياه نهر السنغال و الأضاحي التي تصدرها موريتانيا إلى السنغال و المبعدين بين الجانبين مع أزمات أخرى تراجع تأثيرها تدريجيا مع التفاؤل المستمر بمخزونات الغاز التي يملكها البلدين أو من المتوقع أن يملكها في الفترة القادمة .
و بالرغم من بقاء  المغرب خارج القارة لفترة طويلة على الأقل تنظيميا و مؤسساتيا ، فإنها علمت دائما على كسب العديد من الأصدقاء و الحلفاء في القارة السمراء خاصة من خلال أبعاد إسلامية و اقتصادية حيث توسع الاستثمار المغربي في القارة بشكل كبير جدا ،  كما حافظت على  علاقتها  الخاصة بموريتانيا منذ أيام ما يشبه الإقليم الواحد و وصولا إلى دولة المرابطين التي  تحتفظ موريتانيا بجزء من تاريخها القيمي فيما تحتفظ المغرب بقاياها  المادية التاريخية ، ولكن التداخل بين الجمهورية و المملكة يتخطى ذلك بكثير حيث وصل الجيش الملكي إلى مدينة ازويرات عاصمة الشمال الموريتاني للحرب ضد للبوليساريو ، للبوليساريو بالذات التي بقيت محور العلاقة بين البلدين حيث مثل هذا التحالف محور مصالح و مركز قوة العلاقات بين البلدين ، ومع أي تغيير في موقف موريتانيا من القضية الصحراوية تتغير بشكل جذري علاقاتها بالمغرب باتجاه مؤشر ذالك التغير . حساسية العلاقة بين موريتانيا و الصحراء التي أدخلت موريتانيا في حرب ضد قوات البوليساريو قصد استرجاع ما تعتبره جزاء منها ، مما دفع  بالصحراء إلى الجزائر -الداعم الرئيس للاستقلال الإقليم – ومع ذلك فان مسالة الصحراء بقيت دائما هي مركز التحالف الكبير بين البلدين حتى موقف موريتانيا الذي سمته (الحياد الإيجابي )  ظل مهما دائما للمغرب الذي حرص على ود موريتانيا في مجموعة من الأمور عَل أكبرها الموقف من الصحراء فيما بقيت قضايا مكافحة الإرهاب و التهريب -خاصة مع اعتبار البلدين احد الممرات الدولية للمخدرات إلى أوروبا- إضافة إلى الأمن المشترك و المشروع المتمثل في الاتحاد المغاربي كل هذه المشاريع بقيت ثانوية بالمقارنة مع أهمية قضية دعم موريتانيا للموقف المغربي من القضية الصحراوية بل و محكومة  هذه العلاقات بمدى انحياز موريتانيا لما هو مغربي بشأن الصحراء الغربية .
مع أن الجزائر أثناء و بعد العشرية السوداء اختلفت كثيرا عن الجزائر قبل ذلك ، فإنها عملت دائما على الصداقة الموريتانية من اجل القضية الصحراوية التي حولت العلاقات مع جارها المغاربي إلى جحيم و مع محاولات  موريتانيا البقاء دائما قريبة جدا من الموقف المغربي فان علاقتها تحسنت كثيرا مع الجار الجزائري خاصة مع إنشاء مجلس استشاري و تبني نهج شبه محايد من القضية الصحراوية إضافة إلى توتر العلاقات بين الجزائر و المحتل السابق (فرنسا) في قضايا معروفة للكل .
هذا مع ملفات إقليمية أخرى كالإرهاب الذي يؤرق كل من الجزائر و موريتانيا بسبب حدودهما المفتوحة على الشمال المالي و الصحراء الكبرى التي حولت الدول الثلاث إلى اكبر ممر للمخدرات العالمية و مركز مختلف الجماعات المسلحة في المنطقة ، و هو ما فرض مستوى كبير من التنسيق الأمني و الحفاظ على مستوى من التواصل دون أن يؤثر  وجود  موريتانيا بشكل ايجابي  في العلاقة بين الجزائر والمغرب الذين وصل التوتر بينهما حد إغلاق الحدود.

كان حديث الرئيس الفرنسي سهوا عن موريتانيا في لقاء مسجل و استغرابه من مواقفها الإقليمية إشارة إلى أن البلاد تعيش حالة تحول مصالحي مع جوارها الإقليمي و هو ما يعني عمليا مروقا إقليميا لموريتانيا ، و إن كان تحمس فرنسا لمنظمة دول الساحل و الوجود الأوروبي و الأمريكي المكثف في منطقة الغرب و الشمال الإفريقي يجبر دول المنطقة على البقاء خاضعة للإرادة الدولية التي يفرضها التفوق المالي و العسكري لشمال الكرة الأرضية على حساب جنوبها ، هذا مع ملفات تفرض التبعية المطلقة للجنوب الذي أصبح اكبر منابع التطرّف العنيف و بحاجة ماسة إلى المساعدة القادمة من الشمال ، فان أمل تنشيط المنظمات الإقليمية من قبيل المغرب العربي و تحالف دول الساحل و المنظمة الاقتصادية لغرب إفريقيا يزيد من ضغط وقوة هذه الدول للتأثير و الحسم في قراراتها المصيرية و يخلي لها وجه التعامل المحلي مع مشاكلها و أزماتها الداخلية .

الأربعاء، 30 أغسطس 2017

الهويات الفرعية في موريتانيا (1) مجتمع أتبلات


"من لم يعبر النهر بعد لا يجوز له الضحك من الغريق"
 mousiwa taw lom ba de fotanie jalde julido) )
مثل بولاري
----
في التصنيف الثاني من مجتمع "هليبة " أو البولار تقع شريحة "أتبلات " أي ملوك البحر بكل امتياز  ( الذين ينتمي بعضهم لمجتمع هليبة ) متقدمين بذلك على الصناع التقليدين في نفس المجتمع (وايلوبه) و كذلك العبيد (ماتوبه ) و الفنانين (آولوبه) و الحرفيين (لاوبه)و غيرهم من الطبقات الهليبية و حتى من المجتمع غير هليبة الذي يتواجد فيه أتبلات.
هذه الشريحة التي تسرد أسطورتها التاريخية ملكيتهم التامة للبحار و الأنهار فأتبلاوي الحقيقي لا يجوز له أن يغرق في البحر أو النهر "انه شبل من ذاك الأسد" و أتبلاوي الأصيل لا يكتم في نفسه و إنما يصارح مباشرة و بدون تردد ، و إذا أحب أي إنسان عشق من قلبه و إذا كره لا يتردد في إظهار كرهه للشخص الذي لا يطيق (في حالة تجلي واضحة لابن الماء الذي ورث منه الصفاء ) ، أتبلاوي إذا لم تحترم وجبة السمك أمامه ، بمجرد قيظ في داخله تعلق زعنفة منه في الحلق في إشارة إلهية على عدم رضاه .
 هذا المجتمع إذا غضب أو حزن لا يغسل حزنه إلا ضفة نهر أو شاطئ بحر يغسل روحه هناك و بطقوسه الخاصة يتهادى إليه السمك من تلقاء نفسه و دون سابق إنذار ، إنها حالة الحب التي ترسمها الثقافة الاجتماعية لمكانة الماء في قلب أتبلاوي الذي إن صنف الطارقي ابن للريح فهو ابن للماء حتى أكثر موسي "ابن اليم" .
في هذا المجتمع العريق و الذي امتهن الماء لا يستغرب من المنتمي لشريحة أتبلات   إلا أن يكون لا يعرف كيفية التعامل مع الماء ، فهم  رجال الإنقاذ و الحماية المدنية للمجتمع فكما يقال "لا رجال إلا رجال البحر" ، و على الرغم من قوة الشرائحية (الطبقية المغلقة ) و التي تمنع  أي امتزاج حقيقي في  هذا المجتمع مع الطبقات العليا آو الدنيا في المجتمعات الموجود فيها أتبلات ، فان ثقافتهم و تاريخهم  العريق بدأ يتلاشى شيئا فشيئا و بدأت هذه الثقافة الضاربة في التاريخ تنطوي على نفسها في شواطئ و ضفاف فوتا العريقة ، و مع آن مبررات ذلك واضحة سواء من خلال امتهان مختلف الشرائح و المكونات الموريتانية و السنغالية للبحر و الصيد البحري ، أو دخول مجتمع أتبلات مجال العمل الأخر من قبيل الوظائف الإدارية الرسمية و وغيرها  ، فان هذه الثقافة لا زالت لها  دوائرها  الخاصة و من هم مؤمن بالحفاظ عليها حتى آخر يوم في حياتهم ، و حتى مع بعض الثورات و التحركات في مجتمع هليبة و غيره و التي بدأت تنفتح على بعضها البعض و ترفض هذا الانغلاق ، فان فرحة أن نشعر أننا في أمة  يذوب فيها الجليد الفاصل بين الشرائح المكونة للمجتمع ، فان هذه الفرحة قد لا تضاهيها فكرة أن ثقافة لها من العراقة ما لها تختفي هكذا و دون سابق إنذار .
-----
<<ثمة العديد من الهويات الناشئة التي على الموريتانيين أن يتعاملوا معها و أن يدركوا مدى التحول الكبير و السريع الذي يعيشه المجتمع>>

د . محمد سيد أحمد فال الوداني (بوياتي) 

الأحد، 27 أغسطس 2017

بين الحزب و الخيمة أي ديمقراطية في موريتانيا


منذ نكسة حوار داكار و ما أعقبها من ارتدادات عنيفة على المشهد السياسي الموريتاني دخلت المعارضة و الموالاة في موريتانيا مواجهة حادة و صلت بعض الأحيان حد القطيعة و إن تخللتها فترات حوار عدى عن موراثونيته لم تحدد له أي أهداف واضحة ليطلب منه الخروج بنتائج ملموسة ، و مع ذلك استمرت حرب الشعارات و المواجهة التي نزلت للميدان بعد توجه الرئيس إلى تعديلات في دستور البلاد ، و صفتها المعارضة " بالمساس بالمقدسات " و استطاعت إفشالها على مستوى الغرفة العليا للبرلمان ، و حشد عام لا باس به على مستوى الشارع ، دون أن يمنع ذلك مرور التعديلات التي طالت النشيد و العلم و بنسبة مريحة عل مستوى النتيجة و المشاركة ، و إن شاب هذه الفرحة حديث المعارضة عن عمليات تزوير و تصويت أموات و أطفال ، ولكن التاريخ يقول إن المعارضة العالم ثالثية و خاصة إفريقيا لم تترف يوما بفشلها و لا بأي نتائج على الإطلاق إلا إذا كانت في مصلحتها ، - دون أن يكون ذلك طعنا في مصداقية ما تقول- .
من المؤكد أن ثنائية الشفافية و النزاهة في إفريقيا قد بات بينهما شرخ كبير ، فان كانت الشفافية قد تحققت سواء من خلال شكل الصندوق و اللوائح الآلية و بعثات المراقبة و سهولة المطابقة ، فان النزاهة بقيت متعذرة في الفضاء الموريتاني كما هو حال جل دول القارة ، و ذلك في حالة تعبير مباشرة عن مستوى الفقر و الأمية،  إذ يصبح الفقراء وقودا للمعارك السياسية و يتم استغلال بشكل كبير بسبب حاجتهم المادية الملحة ، و مع أزمة الشفافية و النزاهة في ديمقراطية  يمكن الاصطلاح عليها "بالديمقراطية ذات الصندوقين" صدوق أولي هو جيوب المواطنين الفقراء الذين تبيع غالبيتهم  ذممها ، و صودق الانتخابات و الذي لا يعبر فيه عن الإرادة الحرة بقدر ما يدفع الفقراء الدين المستحق عليهم و مهما كان المشروع السياسي المنتخب ، فان أزمات في بنية الحزب السياسي الموريتاني هي عائق كبير أمام أي تقدم في الشكل الديمقراطي "الأشبه بحالة العربة التي يراد منها جر الحصان " فهذا الحزب لم يستطع يوما الخروج من جبة المخيلة القبلية و استنساخ نظرية الشيخ و المريد في مؤسسة يتوخى منها أن تكون تعاقدية عملية و بعيدة عن القبلية و الروابط الأولية (على لغة اميل دوركايم) ، ولكن الحقيقة تقول إن الأحزاب المطالبة بالديمقراطية هي نفسها غير ديمقراطية حيث لم تشهد أي عملية انتقال على مستوى الرئاسة في الظروف الطبيعية ، فساسة محنكون من حجم (مسعود ولد بلخير و احمد ولد داداه و و بيجل ولد هميد ... كلهم يحتفظون بمناصبهم منذ تأسيس أحزابهم إلى اليوم ) و هو ما رسخ الهوية الفردية و الانفرادية للحزب بل حتى اقتصاره على الشخص الواحد "لذلك في موريتانيا دارج القول حزب فلان نسبة إلى شخص رئيسه ، أو حزب أهل فلان نسبة إلى قبيلته " فيما يتصدر ما يصطلح عليه محليا في موريتانيا بالحزب الحاكم أو الحزب الداعم للرئيس المشهد  بتصرفه كأنه وزارة في الحكومة و ليس مؤسسة حزبية خاضعة لقوانين و ضوابط العمل الحزبي ، و حتى إن تخط الأمر الحزب الحاكم (الموالي) أو الحزب المعارض فان منطق الحزب السياسي في موريتانيا ظل دائما لصيقا بفكرة الخيمة التي تضرب حيث اعشوشبت الأرض و ما إن يبدي الجفاف وجهه حتى تقوض الخيمة استعدادا  للارتحال إلى مكان آخر أكثر كلأ و أحسن مرعى (وهو ما دفع البلاد إلى سن قانون ما عرف بالترحال السياسي و الذي لم يتم احترامه و لا التقيد به).
إن كانت التجارب الديمقراطية تقاس بالكثرة الحزبية فان موريتانيا هي الأكثر ديمقراطية على الإطلاق و بدون بمنازع ، و إن كانت تقاس بالحريات و حرية التعبير فستحصل على مكان متقدم أيضا في هذا المضمار ، و لكن ما إن يوضع كل ذلك أمام مجهر الحكامة و منطق دولة المواطنة و المساواة ، حتى تعود موريتانيا سيرتها الأولى ، في تجل واضح لحالة تصور الدولة في نسختها العالم ثالثية تحولات سياسية سريعة و  عنيفة ، يلعن أخرها كل ما جاء به  سابقها ، بل ويحمله وزر أخطائه حتى إن جلس في الحكم ما شاء له الله لا شعبه، في استنساخ حقيقي لتصور فهم الدولة في المخيال اللغوي العربي و المردود  إلى (دال أو دالت) بمعنى الانتقال و التحول إلى آخرين ، عكس التسلسل اللغوي الانجليزي أو اللاتيني بشكل عام والذي يحيل (إلى أستيت – استاتيكو ) أي الثبات .
في جميع الأحوال قد يقال إن التجربة الموريتانية قصيرة جدا على التقييم ، ولكن هذا لا ينفي ضرورة التقويم المطلوب في أي مشروع ، خاصة إن مشروع الدولة الموريتانية وصل عامه الستين و بالتالي بات مطلوبا منه أن يخرج بنتائج على ارض الواقع أكثر مما هو موجود الآن و أن يكون أكثر مرونة لاستيعاب التنوع السياسي و الاجتماعي و الثقافي ، و منطلق كل ذلك ضرورة بناء أحزاب سياسية وطنية و ليس جعل القبيلة أكثر مرونة و دمجها في شكل أحزاب ، أو تلميع وجه المشيخيات التقليدية و إدخالها من الباب السياسي كواجهة للبلد ، فمثل هذه الأساليب لن تساهم قطعا في بناء دولة الحق و المواطنة و لا ديمقراطية تضمن بناء دولة مباركة و يجد فيها الجميع نفسه .


باحث بالمركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية (مبدأ)

الاثنين، 21 أغسطس 2017

الإخوان من السلفية الحركية إلى ضرورات التجديد


يبدو أن سنوات الطرد والجلد التي يمر بها الإخوان المسلمون من المحيط إلى الخليج و صلت أخيرا إلى تركيا التي مثل فيها رجب طيب  أردغان - مالئ الدنيا وشاغل الناس بالديمقراطية التي  صنعها والتحول الاجتماعي والاقتصادي الذي أوجده بعد زمن من العَلمنة الأتاتوركية – رجل كل العصور ، بديمقراطية أشاد بها الغرب ومولها ماديا ومعنويا وباتت أنموذجا على الإسلام السياسي ، مجنبا بذلك تركيا أزمة اجتماعية وسياسية كبيرة ، إلا أن الربيع العربي وما أعقبه من تحولات سياسية و اجتماعية في المنطقة اثر بشكل مباشر على سياسات أردغان مما جعله يتجه إلى اتخاذ مواقف من اتجاهات الربيع العربي ، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة و الضغط الكبير الذي بات يشكله تواجد قيادات الإخوان في تركيا  التي تعقد مجموعة من التحالفات المعقدة تمتد بين روسيا و أمريكا و صولا إلى إيران و الخليج - الذي يتخبط حاليا في أزمة مقاطعة غيرت موازين للعبة في الشرق الوسط و حولت مسار التحالفات - ، خاصة بعد إعلان شبه توافق بين إسرائيل و العرب المقاطعون ضد اليد الضاربة للإخوان و قطر قناة الجزيرة ، بل حتى العمل المشترك للقضاء على آخر شرعية للإخوان على الإطلاق و هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس ) ، و التي لو لم تعين إسماعيل هنية في رئاسة مكتبها السياسي خلفا لخالد مشعل لكانت سابقة على خروج النهضة التونسية  الكامل من ما سمي مدرسة قطب الإسلامية (الإسلام الحركي "السلفية الحركية ").
من أبرز ما يمكن الوقوف عليه في خيارات الإخوان  الإسلاميين الأتراك جنسية و ملجأ ، (خاصة بعد توجه المهادنة و التجديد الذي تبناه الإخوان في المغرب العربي ) فإما أن تستمر موجة تغيير الجلد على شاكلة النهضة و حماس ، أو إعادة مرحلة التجديد من خلال نظرية " دعاة لا قضاة " الصادرة عن المرشد الثاني للإخوان حسن إسماعيل الهضيبي في وقت اسودت فيه الخطوب بالحركة الإسلامية الأكثر توسعا منذ ستينيات القرن الماضي ، فيما يبد خيار الشتات و الذي يفرض النأي بالنفس عن المنهج القطبي (نسبة إلى سيد قطب ) السلفية الحركية التي لا ترى مانعا من استخدام القوة للوصول إلى السلطة هو الأكثر تفضيلا بين قيادات و أتباع الحركة الأوسع انتشارا و التي لها قبول لا باس به في بعض الدول الأوروبية المركزية في صناعة القرار العالمي ، و يحظى هذا التوجه بقبول من بعض الدول التي رفضت قطع علاقاتها مع الجماعة بالرغم محاولات العديد من الأنظمة التأثير و السعي إلى استئصالها نهائيا .
قد يكون من العدل القول أن سمعة أردغان -كنسخة محدثة من الحركة الإخوانية- الآن باتت تتخطى ما حققه حسن البنا و سيد قطب ، بل حتى باتت تركيا قريبة جدا من وضع "معسكرات الشيوخ " بالنسبة للإخوان و الفضل يعود في ذلك إلى تجربة أردغان و قدرته كسياسي إسلاموي لا يمارس الفتوى كما يقول هو بنفسه.
و إن كانت محاولة الانقلاب التي واجهها و ما جسدته من قوة يملكها الإخوان الأتراك في الشارع ، خاصة مع تجاوزه كل التحديات السياسية التي دخل فيها ( الانتخابات البرلمانية ، و تحويل نظام الحكم باتجاه الرئاسي ، إضافة إلى موقفه من الأزمة الخليجية  ،
النزاع مع جماعة فتح الله غولون  الناشطة من قلب الغرب (ودلالة ذالك واضحة)) مع ذلك على أردغان رجل الإسلام السياسي القوي أن يدرك أن الشعب الذي أوقف الدبابات على جسر البوسفور لن يقبل تحول الرئيس إلى مرشد و مركزية لجامعته "الإخوان المسلمون" وهو يعني  أن أردغان السياسي المحنك و مهندس للنجاح الكامل للتجربة الإسلامية في تركيا أن يتجنب ما يسميه فوكوياما "الأنظمة الوقفية"  أي التخلي عن  خلق وسائل الاستمرار للمشروع الإخواني الذي يظهر نفسه الآن كابر حارس له إلى جانب قطر مقارنة مع سياسة النأي بالنفس المتبعة من بن كيران و الغنوشي و حتى مشعل.
قد يكون من عدم الحكمة لفهم حركة عربية المنشأ ،لاتحليلها من خارج سياقها خاصة مع وجود تجربة قوية في المغرب يقودها الداهية السياسي بن كيران الذي أحاط مشروعه  بمجموعة من الرجال يتحركون في تناسق تام ، تجسد من خلال خلافة العثماني لبن كيران في رئاسة الوزراء دون أي خلخلة في الحزب الذي تسيد المشهد السياسي  مغربيا ، و لكن الواقع الآن يقول إن الأنموذج التركي أصبح هو مركز  التجربة السياسية للإخوان المسلمين، ليس لنجاحه فقط بل إن أردغان أصبح واجهة إسلامية عالمية و تركيا مركزا لجميع المشردين من الإخوان ، ثقافيا و سياسيا و حتى اقتصاديا .
 من العدل القول إن الإخوان المسلمين من بين الجماعات الإسلامية الأكثر نشاطا آنيا و تنظيما على مختلف المستويات ، من حيث الانتشار و القدرة على الحشد في أقدم معاقلها (مصر)بالرغم من التضييق الأمني و السياسي و اعتقال أي شخص يظهر ميولا إسلامية أو مؤيدة للإسلام السياسي بشكل عام ، هذا مع استمرار الإخوان في فضاء المغرب العربي في نهجهم العقلاني سواء بصعودهم البارز في موريتانيا أو استمرارهم في الحكم بالمغرب ، مع أن شكل النهضة قبل 2014 تغير كثيرا مع أنها ظلت في فلك الإخوان المسلين و هو ما يجعل تيار الإخوان قادرا على هيكلة نفسه على عدة مستويات و إعادة ترتيب ياقته سواء بإخراج قياداته من السجون بتقديم الكثير من التنازلات السياسية ، و إن كان موقف الإمارات و السعودية المعادي لكل ما هو إسلام سياسي قد يؤجل هذا الحل، فان الصمود لبعض الوقت  مطلوب من الإخوان كي يستطيعوا إعادة ترتيب صفوفهم و نقل أنفسهم إما بالتجديد على طريقة النهضة و حماس أو مراجعة المشروع و العودة إلى نظرية الدعاة ، في إعلان عن التخلي عن المشروع السياسي إلى حين و إن الإخوان في تركيا و المغرب و ماليزيا استثناء من الخيار الأخير.


الشيخ الحسن البمباري

باحث في المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية (مبدأ)

الجمعة، 18 أغسطس 2017

يوم اخترتك حبيبة ...


منذ وقت طويل لم تمر على محمد حالات الشرود الطويلة التي تتخللها ابتسامات كلما خطرت تلك الذكرى بباله ، ذلك اليوم الصيفي الذي اعتاد منذ زمن التأريخ به حتى في الأحداث التي سبقته بكثير ، إذ لا يتورع عن القول اعتقد انه قبل يوم لقائنا بسنة أو سنتين كان ذلك اليوم مركز حياته بكل ما تعين الكلمة من معنى ، فيه عرف أن له قلب و أدرك فعلا أن الرجال كائنات من ورق أي نسمة هوء تسحب أحدهم معها إلى الأبد .
لكن لقاء عابرا رد تلك الأيام التي عمل جاهدا طوال السنوات الخمس من زواجه أن لا يتذكرها على الإطلاق كان يعمل جاهدا على دفع نفسه إلى ابعد نقطة من الانهماك في حب زوجته و أحيانا في العمل ، "إلا أن الدنيا صغيرة حقا ". في ذلك اليوم دخل مكتبه في شركة تصدير المواد البحرية ، كان من المفروض أن يكون يوما عاديا ، و لكن الملف الأحمر على طاولته التي اعتاد ترتيبها بشكل دقيق بنفسه مخافة أن يفسد أي شيء طقوسه في شرب "أتاي الصبح " قد انذر بيوم حافل ، فتح الملف على عجل كانت موافقة من المدير على تعيين سكرتيرة لمحمد تكريما لجهوده السنوات الماضية و تفانيه منقطع النظير ، لاحت على وجهه ابتسامة الانتصار ثم  أعد في رأسه سريعا قائمة من المطالب التي على سكرتيرته تحقيقها وله شخصيا فقط ، و لكن المدير لم يكتف بالموافقة فحسب بل عين له سكرتيرة بنفسه و في آخر الملف كتب ملاحظة قصيرة ستحضر السكرتيرة غدا إن شاء الله" المدير عبد الله محمد.
كعادته لا يتأخر محمد الشيخ عن البيت إطلاقا يتحرك دائما كالساعة ، الساعة الخامسة مساء يُفتح الباب إيذانا بوصوله ، زوجته و التي لم تكن سوى ابنة عمته و صديقة طفولته مليكة الأمين كانت فعلا تستحق الاحترام ، سيدة محبة لا تتذمر إطلاقا و لا تطلب عصامية بطريقة معينة و تتولى إدارة الأزمات في كل الظروف ، في ذلك اليوم دخل محمد الخامسة إلا الربع ثم تطوع بالمساعدة في المطبخ ، يبدو أنه خطط لما سيشغل به وقت فراغه الذي سيسببه حضور السكرتيرة ، كانت مليكة متفاجئة ، لم يكن محمد شخصا مرحا و لكنه يلقي بعض النكات بين الحين و الأخر و لكن في ذلك اليوم كان شخصا مختلفا بدا فاتحا ذراعيه  للدنيا مستعد لكل شيء، بل حتى تحدث عن مديره على غير العادة مثنيا عليه ، كان أشبه بطفل حصل على هدية جديدة أمضى ذلك المساء مبتسما تعتقد مليكة انه حتى نام بنفس الابتسامة ، في تلك الليلة التي كانت الأخيرة التي رأته فيها .
في صباح اليوم التالي استيقظ محمد مبكرا جدا لم يوقظ زوجته إنما جهز كل شيء و انطلق صوب الشركة، حتى الحارس تفاجأ بالرغم من أن محمد لم يتأخر يوما واحدا و كان دائما أول موظف يصل و لكن ذلك اليوم كانت المرة الأولى التي يصل فيها موظف في ذلك التوقيت للشركة ، فتح له الحارس على مضض بسبب سمعة محمد و مكانته في الشركة ، سارع إلى مكتبه و جلس يحسب الساعات التي مرت أطول من الليلة التي قضاها مبتسما أو آخر ما يذكر منها على الأقل .
حضر الموظفون تباعا ولكن السكرتيرة لم تصل بعد ، بعدما يئس الانتظار ،بدأ في تنظيف مكتبه و قام بنفسه بالنزول من اجل جلب  اتاي من الكافيتريا التي هاجمه المشرف عليها بالأسئلة بسبب تأخره سال عن صحته ، محاولا فتح بعض الأحاديث ، اخذ محمد السينية بعد ما أجاب عن كل الأسئلة تقريبا بعبارتي "لا أو نعم" على غي العادة .
دخل المكتب كانت المرة الأولى التي يصدر فيها كل ذلك الضجيج من مكتب المهندس محمد الشيخ ، الذي حرص دائما على أن يكون السيد المثالي في الشركة كانت السينية قد سقطت من يده على الطاولة الزجاجية التي تتوسط كراسي الضيوف بالبط أمام أرجل السكرتيرة التي لم تحرك ساكنا تجمدت في مكانها و كنها رأت أهوال الآخرة بأم عينيها ، بقي محمد واقفا دون حراك كل شيء فيه غاب عن هذا العالم ،  إلا ذاكرته كسرت إحدى القواعد التي رسم في حياته السنوات الماضية ، لا يجب أن يتذكر ابد ذلك اليوم أو ذاك الوجه ، كان قد ألزم نفسه نسيان  كل شيء عن تلك المرأة و قتلها في ذاكرته و كأنها لم تكن يوما .

ولكن تلك السكرتيرة التي اختار المدير لم تكن سوى السالكة محمد التي عرف محمد الشيخ ذات يوم الطريق إلى قلبها كما عرفت هي طريقها إلى قلبه ، كانت ما تزال شابة يافعة و مفعمة بالحياة و كأن الأيام لم تتحرك بها قيد أنملة ، لم تنطق بكلمة حتى بعد خمسة عشرة دقيقة ، سحبها من ملحفتها و خرج بها مسرعا من الشركة الباب تلو الباب كان الكل ينظر إليهما إلى أن وصلا إلى سيارته ثم ركباها معا ، كانت تلك المرة الأخيرة التي يعرف فيها أي شخص شيئا عن محمد أو السالكة كأنهما قطعة ملح رميت في نهر ، زوجة محمد و أهله و حتى أسرة السالكة الكل استسلم و يئس البحث ولكن تلك القصة التي عملت الأسرتان على قتلها طوال تلك السنوات يبد أن لها نهاية تكتب في مكان ما من ضواحي الكرة الأرضية 

بعض سوء الفهم ... و شيء من عدم التوفيق


"من الغريب أن موريتانيا البلد الوحيد الذي يصف الأشخاص باللون الأخضر ، هذا في حد ذاته تصور مثير للتساؤل "
الدكتور محمد سيد أحمد فال الوداني .
******
لا خلاف على أن موريتانيا بلد اثني أعراقي و متداخل و لكنها على مر التاريخ فشلت في إدارة هذا التنوع ، و لم تكن قادرة في وقت من تاريخا القصير في تجربة الدولة على الاستثمار فيه بشكل مبارك، حتى أن القبيلة كانت أكثر قدرة على إدارة هذا التنوع في المجتمع من خلال  خلق نظام وظيفي و طبقي محكم يجعل الأفراد يتحركون في دوائر خاصة و انشغالات خاصة بعيدا عن الشأن العام الذي بقي شأن شيوخ القبيلة بامتياز (جماعة الحل والعقد).
في موريتانيا الدولة طفت إلى السطح  الكثير من الصراعات و النزاعات التي كان بالأساس الهدف من ورائها حسب - التفسير الأولي – هو تغليب حلف المستعمر السابق للبلاد و إعطائه مكانة في الدولة الوليدة ، لكن هذه الصراعات و التي كانت في غالبها ذات مظهر اجتماعي و اقتصادي و ثقافي ، قد أنتجت أثرا عميقا مازالت الجيل الثاني بعد الاستقلال يتخبط في مخلفاته ( الإرث الإنساني ، العبودية ، الملكية العقارية ، توزيع الثروة ، الانتقال الريفي الحضري ، التعريب ، اللغة الرسمية ، هوية الدولة التائهة بين العربي و الإفريقي ، التحول الديمقراطي ...) ، الثابت الوحيد الذي استطاعت موريتانيا حسمه هو الهوية الدينية للمجتمع ، ولكن غير ذلك من مفاتيح الصراع انضاف إليها سوء حكامة المجال الموريتاني على مختلف المستويات ، إذ لم يتقدم أي من هذه الملفات باتجاه الحل ، و بقي دائما في إطار التحيين ، فموريتانيا التي تتقاسمها النزعات الإفريقية و العربية و حتى البربرية ، فشلت كل الفشل في حسم ثابت الهوية، الذي يعد الأهم من اجل إطلاق قاطرة البلاد ، و الإشكال بالنسبة لموريتانيا أن دولا أكثر تعمقا في أفريقيا كالسودان استطاعت حسم هويتها بسهولة ، و تجاوز أزمة الهوية ، فيما يمكن النظر إلى نماذج  افريقية – جنوب إفريقيا ...- أخرى استطاعت حل نزاعات أعمق و أكثر خطورة من ما هو كائن في موريتانيا . و إن كانت مسألة التحول السياسي في البلاد هي الأكثر دينامية (سرعة) بل قد تصنف الأحسن في البلاد  ، فان الانتقالات العسكرية أثرت كثيرا على هوية البلاد السياسية التي بقيت دائما في ظل حكم الاليغيرشية "العسكرية طبقة ، و الاثنية شريحة " و هو أيضا ما زاد في لبس سوء الفهم لتصور مسار مشترك لدولة عمرها لم يصل الستين بعد.
هذه البلاد التي  أساءت فهم الكثير من تاريخها أو على الأقل تحليله بشكل فعال ، يبد الآن شبابها في اغلبه بمعزل عن السياق العام ، خاصة مع تنامي أصوات الاشتراك ومحاولة  تجاوز  منطق التفسير القديم لميكانزمات المجال ، فلم يصبح دور الشباب أكثر فعالية فحسب من بل و مؤثرا جدا من خلال فتح قنوات للتواصل بين مختلف الشرائح و الطبقات الاجتماعية و هو ما جعله الآن في مواجهة مباشرة ، مع النظامين الاجتماعي و السياسي بسبب هذه المطالب التي تبدو متقدمة جدا بالنسبة لعقلية سياسية في القرن الخامس العشر و مطالب من القرن العشرين .

لن تكون أزمة التباعد بين الأجيال الحالية و من في مركب الأجيال السابقة و حدها هي الأزمة التي تواجه التفسير البناء لوضع البلاد من اجل تجاوز تلك الأزمات و البناء على المشترك ، فان البلد التي مازالت تصف الأسود ، بالأخضر ، و القمحي ، بالأبيض ، و البربري ، بالعربي ، و السمسار ، بالسياسي ، و السياسة ، بالمكر ، و الكرم ، بالسذاجة ، و البخل ، بالرشاد ، و النفاق بسبيل الوفاق ، والسرقة باتفكريش (الشجاعة) ... ، فان هذا  النوع من الفهم له الكثير من التأثير السلبي على محاولة بناء دولة الحقوق و المواطنة و العدل و تسمية الأشياء بمسمياتها .

الثلاثاء، 25 يوليو 2017

#و_يسألونك ... عن التسريبات


قل ... فيها خير كثير و معارف  لدهماء الناس ، أثبتت الحلقة التي أجريت مع السيناتور محمد ولد غدة أن الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه ، و أن الأسد إذا جرح أصبح أكثر شراسة و جرأة .
موجة التسريبات الأخيرة التي كان ضيفها الدائم الشيخ محمد ولد غدة و التي مثلت سابقة في تاريخ الجمهورية ، إن لم ننسى ما سمي تسريبات أكرا ، إلا أن الظروف التي جاءت فيها تسريبات السيناتور هي ظروف خاصة بعد حادث صودرت بعده هواتفه و كانت في يد جهة أمنية معروفة ، التسريبات أريدها لها أن تكون قاتلة لولد غدة  و مؤسسة الشيوخ "على وشك الحل "، حيث تم اقتطاع مناطق بعينها و أفراد بعينهم خاصة المعلومة بنت الميداح التي عارضت التعديلات المقترحة من قبل حزبها و أغلبيتها الرئاسية ، في سياق سابقة تشريعية في موريتانيا ، أن تسقط الغرفة العليا مشروع قرار مهما كان خاصة بهذا الحجم .
التسريبات فعلت مفعولها في الساحة الوطنية و كانت تشويشا مناسبا على بداية الحملات الدعائية  للتعديلات الدستورية ، و كانت أيضا فرصة ليتلقف الفيسبوك الموريتاني الشيخ ، بتطرفه المعهود موالي يراه خائنا ، و معارض لا يريد الكلام خوف أن يكون هو الأخر ضحية للتصنت، و قد نجحت بالفعل ربط شخصية president  المتكررة في الحديث برجل الأعمال ولد بوعماتو لكن الحقيقة كشفت انه لم يكن سوى الرئيس الأسبق اعل ولد محمد فال ، التسريبات و ما فيها حالة موريتانية عادية رجلان يتكلمان عن امرأة لا تستغرب أن توصف بنقص العقل و التعجل و عدم الحكمة سيما إن هذه المرأة ليست إلا المعلومة بينت (الميداح ) و هذه الأخيرة في المخيال الموريتاني العتيق "ما تنشاف أعليها "(و انتم بذلك أعلم ) .
بعد ما لاكت الأفواه التسريب وحان وقت النسخة الحقيقية للعرض ، قناة المرابطون ظفرت بالكعكة ، و التي تحول فيها الغزال إلى أسد و انتقل من وضعية الطريدة إلى الصياد ، الرجل سدد و مباشرة و على مناطق قاتلة ، بالاسم و الرقم و التفاصيل و حتى بتحمله للمسؤولية ، حيث تحدث كمكلف رسميا بتابعة ملفات الفساد ، الذي أرادت السلطات إظهاره من خلال التسريب فرد ولد غدة أن الفساد هناك في مكتب القصر الرمادي ، صفقات بالجملة حصلت عليها المعلومة بنت الميداح ، و شيخ جكني ، و أفيل و لد اللهاه و ولد الصحراوي و آخرون كثرن .
في ليلة النسخة الأصلية لعرض (يوم صوك ولد غدة ) هكذا يمكن تسميته ، لم يبق شيء لم يقل و لم يبقى إلا أن يتحرك القضاء في المحاكم الموريتانية المستقلة كاملة الاستقلالية، ليحصلوا على إجابات و تفسيرات لكلام و لد غدة الذي فتح أبواب جهنم على وزير الاقتصادية و المالية و بعض من حاشية الرئيس .
بين التسريبات و ما قاله ولد غدة الأمر لا يعدو أن يكون "لكزانة" ما كذبناها و لا صدقناها، و الفيصل الآن بين الحق و الباطل الخطوات القادمة من القضاء الموريتاني الذي وجد نفسه أمام وجبة دسمة ، من التسريبات كانتهاك للخصوصية إلى اتهامات ولد غدة للجهات العليا في الدولة و بالدليل المشهود كما كان صوته دليلا عليه هو نفسه .

و إن كان سؤالهم عن التسريبات ، ها نحن اليوم نسألك عن العدل و الحكم في اثنين تخاصما ، فهل نجد من يقول لنا للإجابة و يضع الموازين القسط ؟ أم نستمر في انتظار نفخة الصور و يومها لا محيد عن العدل .

الأربعاء، 7 يونيو 2017

المشهد الخليجي ... الواقع و المآلات ...

منطقة الخليج في الوقت الحالي على وقع أزمة حقيقية بسبب الصراع على إدارة الشرق الأوسط و السعي من مختلف دول المنطقة إلى التقدم لمركز صناعة القرار ، و يبد هذا الدور كما تفهمه دول الخليج مرهون بالقرب من الولايات المتحدة الأمريكية و السيطرة على خيوط إدارة لعبة الشرق الأوسط ،سواء من خلال ملكية مفاتيح الحركات المسلحة ،  أو التصدي لمواجهة ما يسمى بالإرهاب "السني منه و الشيعي " إضافة إلى القدرة  على تجفيف مصادره (الإخوان المسلمون والمذهب الوهابي ... وغيرها مما يسميها اليمين الغربي الراديكالية الإسلامية) .
عاشت منطقة غرب آسيا في غضون اقل من شهر على حدثين رئيسيين الأول منهما (قرصنة وكالة الأنباء القطرية و بث رسائل معادية للجوار الخليجي ، و ثانيهما تسريب محتوى بريد سفير الإمارات بواشنطن في حادثة من المتوقع أن تعصف بتقارب مجلس التعاون الخليجي "وهو ما حدث بالفعل"، هذا بالإضافة بعض الأحداث ذات العلاقة المباشرة بما يسمى سنيا المشروع الإيراني .
كانت التصريحات المنسوبة إلى أمير دولة قطر بعد ما قال البلد خليجي أنه قرصنة لوكالته أنبائه الرسمية ، موجهة شكلا و منهجا درجة أن حُدد المسؤول عن الجهة المقرصِنة ، و كشف التعامل الإعلامي القاسي من بعض المؤسسات التي سُهر على أن تكون مستقلة ، عن مدى الشرخ الذي تعيشه الدول الخليجية و مدى هشاشة العلاقة في هذا الفضاء "الاقتصادي" و احتدام التنافس بين مجموعة مجلس التعاون الخليجي على النفوذ ، وتصدر قائمة أصدقاء أمريكا في المنطقة ،  و إن كان الصف الخليجي حرص دائما على الظهور بوجه المتآلف ، خاصة في ما يتعلق بالقضية الإيرانية (كما حدث في القمة الخليجية الأمريكية في الرياض ) ،إلا أن قرصنة حساب السفير الإماراتي في أمريكا غيرت هذه الصورة تماما و أظهرت أن "ما خفي أعظم " و مع أن القرصنة لحساب السفير ممولة هي الأخرى و ثمة من ينتظر منها الكثير ، فإنها عكست وجها آخر لدولة الإمارات و طرحت تساؤلات حرجة حول مستقبل التحالف و الجيرة في الخليج ، خاصة مع ظهور معلومات سابقة تقول بمشاركة الأجهزة الأمنية الإماراتية في اغتيال قيادي حماس (المبحوح ) في دبي و وصول العلاقات الخليجية إلى نهايتها مع تكون حلفين بارزين في الجزيرة العربية (حلف العربية السعودية و الإمارات و حلف قطر و الكويت ) و هو ما يجعل عملية عاصفة الحزم في مهب الريح ، إلا إذا فرض على مصر (السيسي )ما  كانت أعلنت عن رفضها له سابقا و هو المشاركة الميدانية على الأرض في اليمن – الذي يجب التذكير باستعصاء حله عسكريا ليس لأن الحوثيين أغلبية شعبية فحسب بل لأن الدعم الذي يوفه الإعلام القطري (للشرعية اليمنية ) في مواجهة الإعلام الموالي للحوثيين يعني أن هذه الحرب ستصبح أكثر توازنا ، خاصة مع التخلي غير المبرر لحكومة (هادي) (المشردة )عن قطر ،و بالتالي خسارة الدعم المالي و الإنساني و الإعلامي القطري ، مشكل آخر سيدفع له الصف العربي وهو أنه على دول "الأطراف" العربية أن تحدد مكانها في الصراع الذي لا يبد اللون الرمادي الذي اختارت الجزائر مناسبا ، فدول المغرب العربي و السودان و القرن الإفريقي كلها مطالبة بالتموقع في صراع الأحلاف الأشقاء و لا مجال لكتلة عدم انحياز بسبب الهشاشة الاقتصادية للكتلة العربية من خارج المجموعة الخليجية إذا استثنينا المغرب الذي يعد حالة خاصة .
العامل الإيراني الذي كان السبب الرئيس في قطع العلاقات الخليجية سيعود بسرعة إلى الواجهة في حال كانت غالبية الدول العربية في الحلف السعودي الإماراتي ، فان قطر التي تضمن المساندة التركية و الأمريكية ستجد نفسها على طاولة مليئة بالخيارات المريحة التي لن يغيب عنها الجار الإيراني المستعد لدفع أي ثمن مقابل إسكات الجزيرة بنسختيها العربية و الانجليزية ، عن مسألة التغلغل في العراق و سوريا و لبنان ووضع برنامج إيران النووي .
الدولة الإسلامية (داعش سابقا) التي حاولت الدول المقاطعة لقطر إقحامها في بياناتها التي أعلنت من خلالها التخلي الكلي عن الإمارة الخليجية ،ليست قضية ذات بال سواء مع التحالف الدولي الذي يتقدم في محاربة التنظيم ، أو الدعم السخي من ترامب لأكراد الشرق الأوسط (قوات سوريا الديمقراطية ) للقضاء عليه ، و حتى عالمية المشروع الذي تعمل داعش على تجسيده .دون نسيان الصدمة الكبرى التي سببها التوجه الإعلامي المضحك من التنظيم  و يكفينا في هذا المقام لمقياس  جدية هذه الدول نموذج (مسلسل غرابيب سود).
 الصراع الخليجي على اللاشيء هو الخيار الوحيد في المدى المنظور ، فان كان من المستحيل أن تخضع الإمارات و السعودية لقطر و تعلن فتح العلاقات التي أغلقت من جانب واحد ، -و هو ما يعني انتصارا معنويا لقطر –فإن مسألة الصراع على صداقة أمريكا  لن تنتهي بنتائج محمودة للدول المتنافسة ، إذا علمنا أن  هذه الأخيرة في عهد  ترامب ليست بحاجة إلى أصدقاء و  إنما إلى عائدات واستثمارات ، وحاضنات جيوستراتيجية في وجه التوسع الروسي، كما أكدت من أول يوم (للنكسة_الخليجية) ، هذا دون نسيان أن التباعد العلني في البيت الخليجي يعني أن الخليج العربي كمفهوم سياسي و جيوستراتيجي ،قد انتهى سيتحول إلى الخليج الفارسي "الذي تتعمد الكثير من دوائر القرار و الإعلام الأمريكي استخدامه في السنوات الماضية).و تبقى مفاتيح الحل بين مجموعة الوجوه الشابة التي تتسيد المشهد حاليا "محمد بن سالمان ، محمد بن زايد ، محمد دحلان ، تميم بن حمد ، ثم أصغرهم سنا الجزيرة "

الاثنين، 5 يونيو 2017

خمـــسة وجـــــوه

كانت من المرات القلائل بل حتى المرة الوحيدة التي أذكر فيها هذا الوداع الحار من أخي الأصغر ، دائما ما تجاهلنا مسألة المشاعر و العواطف أو على الأقل التعبير عنها بهذه الطريقة ، كنت اركب التاكسي من عند "شتدو" بالميناء بالرغم من أن الساعة تشير إلى العاشرة مساء لم يكن الوضع مقلقا لدرجة ذلك الوداع الفريد ، قاطع صاحب التاكسي اللحظة بكل فجاجة أسرع نحن في وسط الطريق ، قلت في نفسي متى كانت السيارات في موريتانيا تحترم تعليمات المرور .
دخل على ذلك الشد العصبي الذي ركبت به السيارة مبادرة الرجل ذو القبعة الذي كان يجلس في الكرسي الأمامي ، كان يتأفف من هذه العاصمة التي تحتفظ بكل شيء ، عبر باقتضاب و بلاغة منقطعة النظير عن كرهه لنواكشوط  (إنها مدينة لا تمت إلي بصلة أنا أحب ذلك الفضاء الريفي ) يقول الرجل الذي عبر عن اشتياقي لزوجته و أبنائه. بدا الرجل كارها للعاصمة وكل ما فيها حتى انه أبدى اشتياقه لبعض الأموات ، في أثناء حديثه كان الرجل يعدل قبعته التي كانت تختزل كل ما قال ، تلك القبعة التي تجعل من هذا الرجل بالرغم من  تغير كل شيء في حياته و أنه يجد نفسه الآن في الكرسي الأمامي لسيارة متمسكا بكونه مجرد راعي بقر و لا يريد التنازل عن ذلك الجزء منه ، في إحدى المرات التي كان يرفع فيها يده لتعديل وضعية القبعة رن الهاتف ، دخل الرجل ذو القبعة في محادثة باللغة البلارية لم افهم كل شيء ولكن يبد أن احد أبنائه قد أصيب بوعكة صحية و هو قادم إلى نواكشوط  ، سيطر الجمود على السيارة و لكن توقف صاحب السيارة بضغط الفرامل فجأة عاد ليضفي روحا جديدة على تلك الوجوه التي بدأ التأثر يظهر عليها .
ركب شاب في بداية عمره السيارة اخذ وقتا في تعديل وضعية البنطلون الذي أضناه الضيق ، استطعت رؤية ملامحه بوضوح لأنني كنت قد انسحب إلى أقصى الكرسي الخلفي للسيارة ،لو لم يبدأ  الشاب في الحديث على "الواتساب" لعجزنا عن تصنيف إلى أي صنف بشري ينتمي فعدى عن طريقة اللبس كان قد اتخذ من شعره حقل اختبار  لمختلف الجلات أما الأحذية لوحدها تعتبر حمولة للسيارة كان شكله مضحك بقدر ما هو غريب ، ثم بدأ يسرد معاناته لأحد أصدقائه (تعرف putt  هذا الكرد تكاو ابروكسنا الليلة) و الله إنهم كارثة في كل مرة اخرج يجب أن يعتقلوني ، لا ادري اشعر أنهم وجودا لمطاردتي كان الحديث موغلا في الشكوى من الحرس ولكن لم يكن حديثه ذا بال خاصة مع وجود رجل يبد أن ابنه بحاجة إلى النقل للمستشفى .
توقف آخر للسيارة هذه المرة كان رجلا ضخم الجثة ،جندي آخر ينضم إلى السيارة فاندفعت إلى أقصى الكرسي  وكأني  أخاف أن يحطمني الرجل الذي كان يرتدي زيا رسميا ، ولكن مميزا بسبب السكين الذي كان يتدلى إلى جانبه الأيسر  و الذي يتعامل معه وكأنه غير موجود غير الشاب وضعية جلوسه بالكامل تجنبا للسكين الذي اخذ تقريبا مكان جلوس على مقياس التاكسي في موريتانيا ، حيث على أربعة أفراد أن يحشروا في الكرسي الخلفي ، لم يكثر الرجل الحديث و لكنه تضايق كثير من محاولة صاحب التاكسي الحصول على راكب جديد ، كاد الرجل يخنق ساعته من كثرة ما نظر إليها ، و مع ذلك حاول سرد بعض يوميات الجزارين و لكن الشكوى صاحبت لكل ما قال ، كنا في الفترات الماضية لدينا الكثير من الزبناء خاصة نهاية الأسبوع ولكن الآن الأمر تبدل تماما ، الأعياد لم تعد بذلك النشاط  هذه الأيام تتميز عن غيرها ...) ، قاطع السائق صديقنا المستعجل  قبل إنهاء جملته هذه (الداية الرابعة ). نزل الرجل و ركضا باتجاه السوق ثم اختفى في ظلام انقطاع الكهرباء .

كعادتهم سائقوا التاكسي يجدون الفرصة للتذمر ، و خاصة من زبون مزعج كالجزار ذو السكين الكبير ، انثناء تذمر صاحب التاكسي عاد هاتف الرجل ذو القبعة إلى الرنين لم يكن الخبر سارا ولكن أحدا لم يسأل ماذا حدث ، تجنبا لأمن الطرق طلب السائق مني النزول قبل الوصول لمتقى طر (الداية الساته )،  ما إن فتحت نافذة السيارة حتى وقف رجل آخر ، متحدثا إلى السائق ، ( الرابع و العشرين) و سأحجز الكرسي الأمامي ، انسحب الرجل ذو القبعة إلى الكرسي الخلفي دون كلام ، وقتها كنت قد أدرت ظهري مغادرا السيارة مغادرا مع أن الخبر الذي تلقاه الرجل ذو القبعة بقي معي ، ولكن التاكسي فرصة لتبادل  بعض الأشياء فقط وليس كل شيء.

قوة الورقة البيضاء في التعديلات الدستورية

تدخل موريتانيا في تعديلات دستورية وشيكة ، بعد الصعقة التي مثلها رفض الغرفة العليا في البرلمان الموريتاني -التي تسير إلى الحل بسبب التعديلات التي أسقطت- ، مما دفع إلى المادة 38 من الدستور و 
بالتالي إلى الخيار الشعبي ، و مع ذلك فان هذه التعديلات القادمة تضع الكثير من الأوراق الحرجة على الطاولة ، فعدى أنها استفتاء على ولد عبد العزيز مشروعا و شخصا و أن كلفتها المالية أكبر من انعكاساتها على  داعميها ، فإنها تعطي الفرصة للضغط في ملفات أرقت البلاد في الفترة الماضية ، من قبيل إعدام كاتب المقال المسيء و إعادة ترتيب التوازن بين الخزانات الانتخابية إضافة إلى حسم خلافة ولد عبد العزيز أو الاستمرار مأمورية ثالثة ، هذا الجدل يأتي على صوت مجموعة ثالثة تطالب بالوجود على اللوائح الانتخابية ولكن من اجل التصويت الأبيض.
1 – زمن المشاركة السلبية
تهدد الكثير من التيارات التي أعلنت رفضها للتعديلات بإفشال مشروع التصويت و لكن المنتدى و بعض الأحزاب المعارضة الأخرى اثبتوا جميعا فشلهم أمام ولد عبد العزيز منذ أول انتخابات إلى اليوم ،  إلا أن هذه القوى انضافت إليها قوة داعمة في محاولة للي ذراع الحكومة خاصة حين أعلنت بعض الجهات عن ما سمته المشاركة بالحياد إن لم يتم إعدام ولد امخيطير ، هذه الأخيرة و التي اثبت قدرتها على الحشد من خلال ما عرف بتيار النصرة قد تغير الكثير في التوازنات إذا لم تستجب لها الحكومة الساعية إلى تمرير التعديلات بأي ثمن .رجال النصرة والذين يمرون بأول اختبار حقيقي لشعبيتهم وقدرتهم على الوفاء بوعودهم فإنهم مضرون إلى الحفاظ على مصداقيتهم الشعبية من خلال الحفاظ على وسم #الإعدام_للمسيء ، بالرغم من عدم وعيهم بحجم قدرته الشعبية فإنهم يدركون تمام الإدراك أن تحقيق هذا المطلب سيعزز من رصيدهم السياسي و يعطيهم فرصة حقيقية للمساومة على خزانات شعبية كبيرة-على بعد سنة من فتح الباب للرئاسيات- ، هذه الموازنة من الطبيعي أن يركبها التيار الإسلامي أو يستغلها على الأقل كعامل لزيادة مصداقية دعوى رفض التعديلات الدستورية ، هذا التيار قادر على التحول إلى قوة شعبية كبيرة خاصة في حال استطاعت  بعض المشيخيات الصاعدة سياسيا و ذات الرصيد الشعبي في الاستمرار بتهديدها.
فيما يبد لن تكون الحكومة أمام تحدي (لا –نعم) في التعديلات الدستورية بل هي أمام قوة ستتوجه إلى الصندوق ولكن لوضع أوراق بيضاء (ليس إلا) ، كما سيظهر حلف جديد من مختلف التيارات يخدم المصالح الإسلامية واليسارية و حتى التيارات السياسية الأكثر راديكالية ، و إن كانت أقطاب التحالف البارزة الآن هي (المندى و التكتل و بعض الأحزاب المعارضة ) فان المنتدى العالمي لنصرة النبي ذو الشعبية الكبيرة و بعض التنظيمات المشابهة مضطرة إلى الوقوف مع هذه التيارات – بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي و السياسي- ضد التعديلات الدستورية إن أرادت إثبات رسالتها الأم وهي نصرة الرسول"ص".
2 الخليفة المحتوم و الخلاف المزعوم
على ولد عبد العزيز إن أراد الخروج بطريقة "أنيقة" وآمنة سياسيا بل و تليق بحجم الانجازات التي يتحدث عنها أنصاره ،أن يحترم الدستور بكل بساطة (أي الاكتفاء بمأموريتين " ولكن هذه الأخيرة تبد محفوفة بالمخاطر خاصة بسبب الصراع البادي للعيان على خليفة ولد عبد العزيز و كذا التراجع الكبيرة للضغط الذي يمثله الحزب الحاكم ، والذي تحول إلى مؤسسة مجنحة لكل فرد من أفرادها له شعبيته الخاصة يديرها ويحرك حسب الظروف و هو ما يجعله هذه الشعبية (الخزانات الانتخابية )  غير مضمونة إن لم يحصل جميع رجالات الأغلبية على ما يريدون .
و تعد حادثة فشل اجتماع النعمة و خروج بعض المقربين للرئيس في وقت مفاجئ ، والحركة الكبيرة لشخصيات أخرى كلها مؤشرات على الارتباك الذي تعيشه الجبهة الداعمة للرئيس بسبب صعوبة الإجابة على من سيكون الرئيس القادم ؟ ، في وقت لا يخفى فيه أن الحزب الحاكم لم يعد (لم يكن ) المؤسسة المحددة للرئيس القادمة ، وقد وصل هذا الارتباك حتى إلى مدراء الصالونات الاجتماعية التي تتصرف على  [طريقة تبركوا من كل مكان عسى أن يكون فيه السر القادم].
خليفة الرئيس يجب أن تحدد هويته ، ولكن يجب أيضا أن نعرف أن هذا الرئيس يصعب تحديد خصائصه ليس بسبب تعقيد عملية التحول السياسي في العالم الثالث فحسب بل أيضا بسبب بعض التوازنات القبلية و الاجتماعية التي تعني اجتثاثا تاما و كاملا في حال كان الرئيس القادم من خارج الصدوق (على الطريقة الروسية ) ، و هي خصائص يصعب وجودها إلا في أفراد و جماعات بعينها و حتى إن كان دخول هذه القصر الرمادي يعني نهاية مرحلة من تاريخ الجمهورية وبداية عصر جديد بالرغم من ... (سهولة عودة حليمة لعاداتها القديمة ).
قد يكون أصحاب المصالح الآنية و المطالب الملحة هم أكثر من سيستفيد من التعديلات الدستورية – ن استطاعوا الانتظام في تحالف واحد - ، إلا أن فئات أخرى تعيش على دخل يومي ومهما كان قدره تكون أي انتخابات ومهما كان مضمونها فرصة لهم لتحقيق بعض الكسب المادي ، فالفقراء كما هو معلوم ليس لديهم الوقت لاختيار البرامج الأحسن ،لان المراجل الفارغة تريد أي شيء ولكن الآن.


شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More