الأربعاء، 30 أغسطس، 2017

الهويات الفرعية في موريتانيا (1) مجتمع أتبلات


"من لم يعبر النهر بعد لا يجوز له الضحك من الغريق"
 mousiwa taw lom ba de fotanie jalde julido) )
مثل بولاري
----
في التصنيف الثاني من مجتمع "هليبة " أو البولار تقع شريحة "أتبلات " أي ملوك البحر بكل امتياز  ( الذين ينتمي بعضهم لمجتمع هليبة ) متقدمين بذلك على الصناع التقليدين في نفس المجتمع (وايلوبه) و كذلك العبيد (ماتوبه ) و الفنانين (آولوبه) و الحرفيين (لاوبه)و غيرهم من الطبقات الهليبية و حتى من المجتمع غير هليبة الذي يتواجد فيه أتبلات.
هذه الشريحة التي تسرد أسطورتها التاريخية ملكيتهم التامة للبحار و الأنهار فأتبلاوي الحقيقي لا يجوز له أن يغرق في البحر أو النهر "انه شبل من ذاك الأسد" و أتبلاوي الأصيل لا يكتم في نفسه و إنما يصارح مباشرة و بدون تردد ، و إذا أحب أي إنسان عشق من قلبه و إذا كره لا يتردد في إظهار كرهه للشخص الذي لا يطيق (في حالة تجلي واضحة لابن الماء الذي ورث منه الصفاء ) ، أتبلاوي إذا لم تحترم وجبة السمك أمامه ، بمجرد قيظ في داخله تعلق زعنفة منه في الحلق في إشارة إلهية على عدم رضاه .
 هذا المجتمع إذا غضب أو حزن لا يغسل حزنه إلا ضفة نهر أو شاطئ بحر يغسل روحه هناك و بطقوسه الخاصة يتهادى إليه السمك من تلقاء نفسه و دون سابق إنذار ، إنها حالة الحب التي ترسمها الثقافة الاجتماعية لمكانة الماء في قلب أتبلاوي الذي إن صنف الطارقي ابن للريح فهو ابن للماء حتى أكثر موسي "ابن اليم" .
في هذا المجتمع العريق و الذي امتهن الماء لا يستغرب من المنتمي لشريحة أتبلات   إلا أن يكون لا يعرف كيفية التعامل مع الماء ، فهم  رجال الإنقاذ و الحماية المدنية للمجتمع فكما يقال "لا رجال إلا رجال البحر" ، و على الرغم من قوة الشرائحية (الطبقية المغلقة ) و التي تمنع  أي امتزاج حقيقي في  هذا المجتمع مع الطبقات العليا آو الدنيا في المجتمعات الموجود فيها أتبلات ، فان ثقافتهم و تاريخهم  العريق بدأ يتلاشى شيئا فشيئا و بدأت هذه الثقافة الضاربة في التاريخ تنطوي على نفسها في شواطئ و ضفاف فوتا العريقة ، و مع آن مبررات ذلك واضحة سواء من خلال امتهان مختلف الشرائح و المكونات الموريتانية و السنغالية للبحر و الصيد البحري ، أو دخول مجتمع أتبلات مجال العمل الأخر من قبيل الوظائف الإدارية الرسمية و وغيرها  ، فان هذه الثقافة لا زالت لها  دوائرها  الخاصة و من هم مؤمن بالحفاظ عليها حتى آخر يوم في حياتهم ، و حتى مع بعض الثورات و التحركات في مجتمع هليبة و غيره و التي بدأت تنفتح على بعضها البعض و ترفض هذا الانغلاق ، فان فرحة أن نشعر أننا في أمة  يذوب فيها الجليد الفاصل بين الشرائح المكونة للمجتمع ، فان هذه الفرحة قد لا تضاهيها فكرة أن ثقافة لها من العراقة ما لها تختفي هكذا و دون سابق إنذار .
-----
<<ثمة العديد من الهويات الناشئة التي على الموريتانيين أن يتعاملوا معها و أن يدركوا مدى التحول الكبير و السريع الذي يعيشه المجتمع>>

د . محمد سيد أحمد فال الوداني (بوياتي) 

الأحد، 27 أغسطس، 2017

بين الحزب و الخيمة أي ديمقراطية في موريتانيا


منذ نكسة حوار داكار و ما أعقبها من ارتدادات عنيفة على المشهد السياسي الموريتاني دخلت المعارضة و الموالاة في موريتانيا مواجهة حادة و صلت بعض الأحيان حد القطيعة و إن تخللتها فترات حوار عدى عن موراثونيته لم تحدد له أي أهداف واضحة ليطلب منه الخروج بنتائج ملموسة ، و مع ذلك استمرت حرب الشعارات و المواجهة التي نزلت للميدان بعد توجه الرئيس إلى تعديلات في دستور البلاد ، و صفتها المعارضة " بالمساس بالمقدسات " و استطاعت إفشالها على مستوى الغرفة العليا للبرلمان ، و حشد عام لا باس به على مستوى الشارع ، دون أن يمنع ذلك مرور التعديلات التي طالت النشيد و العلم و بنسبة مريحة عل مستوى النتيجة و المشاركة ، و إن شاب هذه الفرحة حديث المعارضة عن عمليات تزوير و تصويت أموات و أطفال ، ولكن التاريخ يقول إن المعارضة العالم ثالثية و خاصة إفريقيا لم تترف يوما بفشلها و لا بأي نتائج على الإطلاق إلا إذا كانت في مصلحتها ، - دون أن يكون ذلك طعنا في مصداقية ما تقول- .
من المؤكد أن ثنائية الشفافية و النزاهة في إفريقيا قد بات بينهما شرخ كبير ، فان كانت الشفافية قد تحققت سواء من خلال شكل الصندوق و اللوائح الآلية و بعثات المراقبة و سهولة المطابقة ، فان النزاهة بقيت متعذرة في الفضاء الموريتاني كما هو حال جل دول القارة ، و ذلك في حالة تعبير مباشرة عن مستوى الفقر و الأمية،  إذ يصبح الفقراء وقودا للمعارك السياسية و يتم استغلال بشكل كبير بسبب حاجتهم المادية الملحة ، و مع أزمة الشفافية و النزاهة في ديمقراطية  يمكن الاصطلاح عليها "بالديمقراطية ذات الصندوقين" صدوق أولي هو جيوب المواطنين الفقراء الذين تبيع غالبيتهم  ذممها ، و صودق الانتخابات و الذي لا يعبر فيه عن الإرادة الحرة بقدر ما يدفع الفقراء الدين المستحق عليهم و مهما كان المشروع السياسي المنتخب ، فان أزمات في بنية الحزب السياسي الموريتاني هي عائق كبير أمام أي تقدم في الشكل الديمقراطي "الأشبه بحالة العربة التي يراد منها جر الحصان " فهذا الحزب لم يستطع يوما الخروج من جبة المخيلة القبلية و استنساخ نظرية الشيخ و المريد في مؤسسة يتوخى منها أن تكون تعاقدية عملية و بعيدة عن القبلية و الروابط الأولية (على لغة اميل دوركايم) ، ولكن الحقيقة تقول إن الأحزاب المطالبة بالديمقراطية هي نفسها غير ديمقراطية حيث لم تشهد أي عملية انتقال على مستوى الرئاسة في الظروف الطبيعية ، فساسة محنكون من حجم (مسعود ولد بلخير و احمد ولد داداه و و بيجل ولد هميد ... كلهم يحتفظون بمناصبهم منذ تأسيس أحزابهم إلى اليوم ) و هو ما رسخ الهوية الفردية و الانفرادية للحزب بل حتى اقتصاره على الشخص الواحد "لذلك في موريتانيا دارج القول حزب فلان نسبة إلى شخص رئيسه ، أو حزب أهل فلان نسبة إلى قبيلته " فيما يتصدر ما يصطلح عليه محليا في موريتانيا بالحزب الحاكم أو الحزب الداعم للرئيس المشهد  بتصرفه كأنه وزارة في الحكومة و ليس مؤسسة حزبية خاضعة لقوانين و ضوابط العمل الحزبي ، و حتى إن تخط الأمر الحزب الحاكم (الموالي) أو الحزب المعارض فان منطق الحزب السياسي في موريتانيا ظل دائما لصيقا بفكرة الخيمة التي تضرب حيث اعشوشبت الأرض و ما إن يبدي الجفاف وجهه حتى تقوض الخيمة استعدادا  للارتحال إلى مكان آخر أكثر كلأ و أحسن مرعى (وهو ما دفع البلاد إلى سن قانون ما عرف بالترحال السياسي و الذي لم يتم احترامه و لا التقيد به).
إن كانت التجارب الديمقراطية تقاس بالكثرة الحزبية فان موريتانيا هي الأكثر ديمقراطية على الإطلاق و بدون بمنازع ، و إن كانت تقاس بالحريات و حرية التعبير فستحصل على مكان متقدم أيضا في هذا المضمار ، و لكن ما إن يوضع كل ذلك أمام مجهر الحكامة و منطق دولة المواطنة و المساواة ، حتى تعود موريتانيا سيرتها الأولى ، في تجل واضح لحالة تصور الدولة في نسختها العالم ثالثية تحولات سياسية سريعة و  عنيفة ، يلعن أخرها كل ما جاء به  سابقها ، بل ويحمله وزر أخطائه حتى إن جلس في الحكم ما شاء له الله لا شعبه، في استنساخ حقيقي لتصور فهم الدولة في المخيال اللغوي العربي و المردود  إلى (دال أو دالت) بمعنى الانتقال و التحول إلى آخرين ، عكس التسلسل اللغوي الانجليزي أو اللاتيني بشكل عام والذي يحيل (إلى أستيت – استاتيكو ) أي الثبات .
في جميع الأحوال قد يقال إن التجربة الموريتانية قصيرة جدا على التقييم ، ولكن هذا لا ينفي ضرورة التقويم المطلوب في أي مشروع ، خاصة إن مشروع الدولة الموريتانية وصل عامه الستين و بالتالي بات مطلوبا منه أن يخرج بنتائج على ارض الواقع أكثر مما هو موجود الآن و أن يكون أكثر مرونة لاستيعاب التنوع السياسي و الاجتماعي و الثقافي ، و منطلق كل ذلك ضرورة بناء أحزاب سياسية وطنية و ليس جعل القبيلة أكثر مرونة و دمجها في شكل أحزاب ، أو تلميع وجه المشيخيات التقليدية و إدخالها من الباب السياسي كواجهة للبلد ، فمثل هذه الأساليب لن تساهم قطعا في بناء دولة الحق و المواطنة و لا ديمقراطية تضمن بناء دولة مباركة و يجد فيها الجميع نفسه .


باحث بالمركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية (مبدأ)

الاثنين، 21 أغسطس، 2017

الإخوان من السلفية الحركية إلى ضرورات التجديد


يبدو أن سنوات الطرد والجلد التي يمر بها الإخوان المسلمون من المحيط إلى الخليج و صلت أخيرا إلى تركيا التي مثل فيها رجب طيب  أردغان - مالئ الدنيا وشاغل الناس بالديمقراطية التي  صنعها والتحول الاجتماعي والاقتصادي الذي أوجده بعد زمن من العَلمنة الأتاتوركية – رجل كل العصور ، بديمقراطية أشاد بها الغرب ومولها ماديا ومعنويا وباتت أنموذجا على الإسلام السياسي ، مجنبا بذلك تركيا أزمة اجتماعية وسياسية كبيرة ، إلا أن الربيع العربي وما أعقبه من تحولات سياسية و اجتماعية في المنطقة اثر بشكل مباشر على سياسات أردغان مما جعله يتجه إلى اتخاذ مواقف من اتجاهات الربيع العربي ، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة و الضغط الكبير الذي بات يشكله تواجد قيادات الإخوان في تركيا  التي تعقد مجموعة من التحالفات المعقدة تمتد بين روسيا و أمريكا و صولا إلى إيران و الخليج - الذي يتخبط حاليا في أزمة مقاطعة غيرت موازين للعبة في الشرق الوسط و حولت مسار التحالفات - ، خاصة بعد إعلان شبه توافق بين إسرائيل و العرب المقاطعون ضد اليد الضاربة للإخوان و قطر قناة الجزيرة ، بل حتى العمل المشترك للقضاء على آخر شرعية للإخوان على الإطلاق و هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس ) ، و التي لو لم تعين إسماعيل هنية في رئاسة مكتبها السياسي خلفا لخالد مشعل لكانت سابقة على خروج النهضة التونسية  الكامل من ما سمي مدرسة قطب الإسلامية (الإسلام الحركي "السلفية الحركية ").
من أبرز ما يمكن الوقوف عليه في خيارات الإخوان  الإسلاميين الأتراك جنسية و ملجأ ، (خاصة بعد توجه المهادنة و التجديد الذي تبناه الإخوان في المغرب العربي ) فإما أن تستمر موجة تغيير الجلد على شاكلة النهضة و حماس ، أو إعادة مرحلة التجديد من خلال نظرية " دعاة لا قضاة " الصادرة عن المرشد الثاني للإخوان حسن إسماعيل الهضيبي في وقت اسودت فيه الخطوب بالحركة الإسلامية الأكثر توسعا منذ ستينيات القرن الماضي ، فيما يبد خيار الشتات و الذي يفرض النأي بالنفس عن المنهج القطبي (نسبة إلى سيد قطب ) السلفية الحركية التي لا ترى مانعا من استخدام القوة للوصول إلى السلطة هو الأكثر تفضيلا بين قيادات و أتباع الحركة الأوسع انتشارا و التي لها قبول لا باس به في بعض الدول الأوروبية المركزية في صناعة القرار العالمي ، و يحظى هذا التوجه بقبول من بعض الدول التي رفضت قطع علاقاتها مع الجماعة بالرغم محاولات العديد من الأنظمة التأثير و السعي إلى استئصالها نهائيا .
قد يكون من العدل القول أن سمعة أردغان -كنسخة محدثة من الحركة الإخوانية- الآن باتت تتخطى ما حققه حسن البنا و سيد قطب ، بل حتى باتت تركيا قريبة جدا من وضع "معسكرات الشيوخ " بالنسبة للإخوان و الفضل يعود في ذلك إلى تجربة أردغان و قدرته كسياسي إسلاموي لا يمارس الفتوى كما يقول هو بنفسه.
و إن كانت محاولة الانقلاب التي واجهها و ما جسدته من قوة يملكها الإخوان الأتراك في الشارع ، خاصة مع تجاوزه كل التحديات السياسية التي دخل فيها ( الانتخابات البرلمانية ، و تحويل نظام الحكم باتجاه الرئاسي ، إضافة إلى موقفه من الأزمة الخليجية  ،
النزاع مع جماعة فتح الله غولون  الناشطة من قلب الغرب (ودلالة ذالك واضحة)) مع ذلك على أردغان رجل الإسلام السياسي القوي أن يدرك أن الشعب الذي أوقف الدبابات على جسر البوسفور لن يقبل تحول الرئيس إلى مرشد و مركزية لجامعته "الإخوان المسلمون" وهو يعني  أن أردغان السياسي المحنك و مهندس للنجاح الكامل للتجربة الإسلامية في تركيا أن يتجنب ما يسميه فوكوياما "الأنظمة الوقفية"  أي التخلي عن  خلق وسائل الاستمرار للمشروع الإخواني الذي يظهر نفسه الآن كابر حارس له إلى جانب قطر مقارنة مع سياسة النأي بالنفس المتبعة من بن كيران و الغنوشي و حتى مشعل.
قد يكون من عدم الحكمة لفهم حركة عربية المنشأ ،لاتحليلها من خارج سياقها خاصة مع وجود تجربة قوية في المغرب يقودها الداهية السياسي بن كيران الذي أحاط مشروعه  بمجموعة من الرجال يتحركون في تناسق تام ، تجسد من خلال خلافة العثماني لبن كيران في رئاسة الوزراء دون أي خلخلة في الحزب الذي تسيد المشهد السياسي  مغربيا ، و لكن الواقع الآن يقول إن الأنموذج التركي أصبح هو مركز  التجربة السياسية للإخوان المسلمين، ليس لنجاحه فقط بل إن أردغان أصبح واجهة إسلامية عالمية و تركيا مركزا لجميع المشردين من الإخوان ، ثقافيا و سياسيا و حتى اقتصاديا .
 من العدل القول إن الإخوان المسلمين من بين الجماعات الإسلامية الأكثر نشاطا آنيا و تنظيما على مختلف المستويات ، من حيث الانتشار و القدرة على الحشد في أقدم معاقلها (مصر)بالرغم من التضييق الأمني و السياسي و اعتقال أي شخص يظهر ميولا إسلامية أو مؤيدة للإسلام السياسي بشكل عام ، هذا مع استمرار الإخوان في فضاء المغرب العربي في نهجهم العقلاني سواء بصعودهم البارز في موريتانيا أو استمرارهم في الحكم بالمغرب ، مع أن شكل النهضة قبل 2014 تغير كثيرا مع أنها ظلت في فلك الإخوان المسلين و هو ما يجعل تيار الإخوان قادرا على هيكلة نفسه على عدة مستويات و إعادة ترتيب ياقته سواء بإخراج قياداته من السجون بتقديم الكثير من التنازلات السياسية ، و إن كان موقف الإمارات و السعودية المعادي لكل ما هو إسلام سياسي قد يؤجل هذا الحل، فان الصمود لبعض الوقت  مطلوب من الإخوان كي يستطيعوا إعادة ترتيب صفوفهم و نقل أنفسهم إما بالتجديد على طريقة النهضة و حماس أو مراجعة المشروع و العودة إلى نظرية الدعاة ، في إعلان عن التخلي عن المشروع السياسي إلى حين و إن الإخوان في تركيا و المغرب و ماليزيا استثناء من الخيار الأخير.


الشيخ الحسن البمباري

باحث في المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية (مبدأ)

الجمعة، 18 أغسطس، 2017

يوم اخترتك حبيبة ...


منذ وقت طويل لم تمر على محمد حالات الشرود الطويلة التي تتخللها ابتسامات كلما خطرت تلك الذكرى بباله ، ذلك اليوم الصيفي الذي اعتاد منذ زمن التأريخ به حتى في الأحداث التي سبقته بكثير ، إذ لا يتورع عن القول اعتقد انه قبل يوم لقائنا بسنة أو سنتين كان ذلك اليوم مركز حياته بكل ما تعين الكلمة من معنى ، فيه عرف أن له قلب و أدرك فعلا أن الرجال كائنات من ورق أي نسمة هوء تسحب أحدهم معها إلى الأبد .
لكن لقاء عابرا رد تلك الأيام التي عمل جاهدا طوال السنوات الخمس من زواجه أن لا يتذكرها على الإطلاق كان يعمل جاهدا على دفع نفسه إلى ابعد نقطة من الانهماك في حب زوجته و أحيانا في العمل ، "إلا أن الدنيا صغيرة حقا ". في ذلك اليوم دخل مكتبه في شركة تصدير المواد البحرية ، كان من المفروض أن يكون يوما عاديا ، و لكن الملف الأحمر على طاولته التي اعتاد ترتيبها بشكل دقيق بنفسه مخافة أن يفسد أي شيء طقوسه في شرب "أتاي الصبح " قد انذر بيوم حافل ، فتح الملف على عجل كانت موافقة من المدير على تعيين سكرتيرة لمحمد تكريما لجهوده السنوات الماضية و تفانيه منقطع النظير ، لاحت على وجهه ابتسامة الانتصار ثم  أعد في رأسه سريعا قائمة من المطالب التي على سكرتيرته تحقيقها وله شخصيا فقط ، و لكن المدير لم يكتف بالموافقة فحسب بل عين له سكرتيرة بنفسه و في آخر الملف كتب ملاحظة قصيرة ستحضر السكرتيرة غدا إن شاء الله" المدير عبد الله محمد.
كعادته لا يتأخر محمد الشيخ عن البيت إطلاقا يتحرك دائما كالساعة ، الساعة الخامسة مساء يُفتح الباب إيذانا بوصوله ، زوجته و التي لم تكن سوى ابنة عمته و صديقة طفولته مليكة الأمين كانت فعلا تستحق الاحترام ، سيدة محبة لا تتذمر إطلاقا و لا تطلب عصامية بطريقة معينة و تتولى إدارة الأزمات في كل الظروف ، في ذلك اليوم دخل محمد الخامسة إلا الربع ثم تطوع بالمساعدة في المطبخ ، يبدو أنه خطط لما سيشغل به وقت فراغه الذي سيسببه حضور السكرتيرة ، كانت مليكة متفاجئة ، لم يكن محمد شخصا مرحا و لكنه يلقي بعض النكات بين الحين و الأخر و لكن في ذلك اليوم كان شخصا مختلفا بدا فاتحا ذراعيه  للدنيا مستعد لكل شيء، بل حتى تحدث عن مديره على غير العادة مثنيا عليه ، كان أشبه بطفل حصل على هدية جديدة أمضى ذلك المساء مبتسما تعتقد مليكة انه حتى نام بنفس الابتسامة ، في تلك الليلة التي كانت الأخيرة التي رأته فيها .
في صباح اليوم التالي استيقظ محمد مبكرا جدا لم يوقظ زوجته إنما جهز كل شيء و انطلق صوب الشركة، حتى الحارس تفاجأ بالرغم من أن محمد لم يتأخر يوما واحدا و كان دائما أول موظف يصل و لكن ذلك اليوم كانت المرة الأولى التي يصل فيها موظف في ذلك التوقيت للشركة ، فتح له الحارس على مضض بسبب سمعة محمد و مكانته في الشركة ، سارع إلى مكتبه و جلس يحسب الساعات التي مرت أطول من الليلة التي قضاها مبتسما أو آخر ما يذكر منها على الأقل .
حضر الموظفون تباعا ولكن السكرتيرة لم تصل بعد ، بعدما يئس الانتظار ،بدأ في تنظيف مكتبه و قام بنفسه بالنزول من اجل جلب  اتاي من الكافيتريا التي هاجمه المشرف عليها بالأسئلة بسبب تأخره سال عن صحته ، محاولا فتح بعض الأحاديث ، اخذ محمد السينية بعد ما أجاب عن كل الأسئلة تقريبا بعبارتي "لا أو نعم" على غي العادة .
دخل المكتب كانت المرة الأولى التي يصدر فيها كل ذلك الضجيج من مكتب المهندس محمد الشيخ ، الذي حرص دائما على أن يكون السيد المثالي في الشركة كانت السينية قد سقطت من يده على الطاولة الزجاجية التي تتوسط كراسي الضيوف بالبط أمام أرجل السكرتيرة التي لم تحرك ساكنا تجمدت في مكانها و كنها رأت أهوال الآخرة بأم عينيها ، بقي محمد واقفا دون حراك كل شيء فيه غاب عن هذا العالم ،  إلا ذاكرته كسرت إحدى القواعد التي رسم في حياته السنوات الماضية ، لا يجب أن يتذكر ابد ذلك اليوم أو ذاك الوجه ، كان قد ألزم نفسه نسيان  كل شيء عن تلك المرأة و قتلها في ذاكرته و كأنها لم تكن يوما .

ولكن تلك السكرتيرة التي اختار المدير لم تكن سوى السالكة محمد التي عرف محمد الشيخ ذات يوم الطريق إلى قلبها كما عرفت هي طريقها إلى قلبه ، كانت ما تزال شابة يافعة و مفعمة بالحياة و كأن الأيام لم تتحرك بها قيد أنملة ، لم تنطق بكلمة حتى بعد خمسة عشرة دقيقة ، سحبها من ملحفتها و خرج بها مسرعا من الشركة الباب تلو الباب كان الكل ينظر إليهما إلى أن وصلا إلى سيارته ثم ركباها معا ، كانت تلك المرة الأخيرة التي يعرف فيها أي شخص شيئا عن محمد أو السالكة كأنهما قطعة ملح رميت في نهر ، زوجة محمد و أهله و حتى أسرة السالكة الكل استسلم و يئس البحث ولكن تلك القصة التي عملت الأسرتان على قتلها طوال تلك السنوات يبد أن لها نهاية تكتب في مكان ما من ضواحي الكرة الأرضية 

بعض سوء الفهم ... و شيء من عدم التوفيق


"من الغريب أن موريتانيا البلد الوحيد الذي يصف الأشخاص باللون الأخضر ، هذا في حد ذاته تصور مثير للتساؤل "
الدكتور محمد سيد أحمد فال الوداني .
******
لا خلاف على أن موريتانيا بلد اثني أعراقي و متداخل و لكنها على مر التاريخ فشلت في إدارة هذا التنوع ، و لم تكن قادرة في وقت من تاريخا القصير في تجربة الدولة على الاستثمار فيه بشكل مبارك، حتى أن القبيلة كانت أكثر قدرة على إدارة هذا التنوع في المجتمع من خلال  خلق نظام وظيفي و طبقي محكم يجعل الأفراد يتحركون في دوائر خاصة و انشغالات خاصة بعيدا عن الشأن العام الذي بقي شأن شيوخ القبيلة بامتياز (جماعة الحل والعقد).
في موريتانيا الدولة طفت إلى السطح  الكثير من الصراعات و النزاعات التي كان بالأساس الهدف من ورائها حسب - التفسير الأولي – هو تغليب حلف المستعمر السابق للبلاد و إعطائه مكانة في الدولة الوليدة ، لكن هذه الصراعات و التي كانت في غالبها ذات مظهر اجتماعي و اقتصادي و ثقافي ، قد أنتجت أثرا عميقا مازالت الجيل الثاني بعد الاستقلال يتخبط في مخلفاته ( الإرث الإنساني ، العبودية ، الملكية العقارية ، توزيع الثروة ، الانتقال الريفي الحضري ، التعريب ، اللغة الرسمية ، هوية الدولة التائهة بين العربي و الإفريقي ، التحول الديمقراطي ...) ، الثابت الوحيد الذي استطاعت موريتانيا حسمه هو الهوية الدينية للمجتمع ، ولكن غير ذلك من مفاتيح الصراع انضاف إليها سوء حكامة المجال الموريتاني على مختلف المستويات ، إذ لم يتقدم أي من هذه الملفات باتجاه الحل ، و بقي دائما في إطار التحيين ، فموريتانيا التي تتقاسمها النزعات الإفريقية و العربية و حتى البربرية ، فشلت كل الفشل في حسم ثابت الهوية، الذي يعد الأهم من اجل إطلاق قاطرة البلاد ، و الإشكال بالنسبة لموريتانيا أن دولا أكثر تعمقا في أفريقيا كالسودان استطاعت حسم هويتها بسهولة ، و تجاوز أزمة الهوية ، فيما يمكن النظر إلى نماذج  افريقية – جنوب إفريقيا ...- أخرى استطاعت حل نزاعات أعمق و أكثر خطورة من ما هو كائن في موريتانيا . و إن كانت مسألة التحول السياسي في البلاد هي الأكثر دينامية (سرعة) بل قد تصنف الأحسن في البلاد  ، فان الانتقالات العسكرية أثرت كثيرا على هوية البلاد السياسية التي بقيت دائما في ظل حكم الاليغيرشية "العسكرية طبقة ، و الاثنية شريحة " و هو أيضا ما زاد في لبس سوء الفهم لتصور مسار مشترك لدولة عمرها لم يصل الستين بعد.
هذه البلاد التي  أساءت فهم الكثير من تاريخها أو على الأقل تحليله بشكل فعال ، يبد الآن شبابها في اغلبه بمعزل عن السياق العام ، خاصة مع تنامي أصوات الاشتراك ومحاولة  تجاوز  منطق التفسير القديم لميكانزمات المجال ، فلم يصبح دور الشباب أكثر فعالية فحسب من بل و مؤثرا جدا من خلال فتح قنوات للتواصل بين مختلف الشرائح و الطبقات الاجتماعية و هو ما جعله الآن في مواجهة مباشرة ، مع النظامين الاجتماعي و السياسي بسبب هذه المطالب التي تبدو متقدمة جدا بالنسبة لعقلية سياسية في القرن الخامس العشر و مطالب من القرن العشرين .

لن تكون أزمة التباعد بين الأجيال الحالية و من في مركب الأجيال السابقة و حدها هي الأزمة التي تواجه التفسير البناء لوضع البلاد من اجل تجاوز تلك الأزمات و البناء على المشترك ، فان البلد التي مازالت تصف الأسود ، بالأخضر ، و القمحي ، بالأبيض ، و البربري ، بالعربي ، و السمسار ، بالسياسي ، و السياسة ، بالمكر ، و الكرم ، بالسذاجة ، و البخل ، بالرشاد ، و النفاق بسبيل الوفاق ، والسرقة باتفكريش (الشجاعة) ... ، فان هذا  النوع من الفهم له الكثير من التأثير السلبي على محاولة بناء دولة الحقوق و المواطنة و العدل و تسمية الأشياء بمسمياتها .

الثلاثاء، 25 يوليو، 2017

#و_يسألونك ... عن التسريبات


قل ... فيها خير كثير و معارف  لدهماء الناس ، أثبتت الحلقة التي أجريت مع السيناتور محمد ولد غدة أن الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه ، و أن الأسد إذا جرح أصبح أكثر شراسة و جرأة .
موجة التسريبات الأخيرة التي كان ضيفها الدائم الشيخ محمد ولد غدة و التي مثلت سابقة في تاريخ الجمهورية ، إن لم ننسى ما سمي تسريبات أكرا ، إلا أن الظروف التي جاءت فيها تسريبات السيناتور هي ظروف خاصة بعد حادث صودرت بعده هواتفه و كانت في يد جهة أمنية معروفة ، التسريبات أريدها لها أن تكون قاتلة لولد غدة  و مؤسسة الشيوخ "على وشك الحل "، حيث تم اقتطاع مناطق بعينها و أفراد بعينهم خاصة المعلومة بنت الميداح التي عارضت التعديلات المقترحة من قبل حزبها و أغلبيتها الرئاسية ، في سياق سابقة تشريعية في موريتانيا ، أن تسقط الغرفة العليا مشروع قرار مهما كان خاصة بهذا الحجم .
التسريبات فعلت مفعولها في الساحة الوطنية و كانت تشويشا مناسبا على بداية الحملات الدعائية  للتعديلات الدستورية ، و كانت أيضا فرصة ليتلقف الفيسبوك الموريتاني الشيخ ، بتطرفه المعهود موالي يراه خائنا ، و معارض لا يريد الكلام خوف أن يكون هو الأخر ضحية للتصنت، و قد نجحت بالفعل ربط شخصية president  المتكررة في الحديث برجل الأعمال ولد بوعماتو لكن الحقيقة كشفت انه لم يكن سوى الرئيس الأسبق اعل ولد محمد فال ، التسريبات و ما فيها حالة موريتانية عادية رجلان يتكلمان عن امرأة لا تستغرب أن توصف بنقص العقل و التعجل و عدم الحكمة سيما إن هذه المرأة ليست إلا المعلومة بينت (الميداح ) و هذه الأخيرة في المخيال الموريتاني العتيق "ما تنشاف أعليها "(و انتم بذلك أعلم ) .
بعد ما لاكت الأفواه التسريب وحان وقت النسخة الحقيقية للعرض ، قناة المرابطون ظفرت بالكعكة ، و التي تحول فيها الغزال إلى أسد و انتقل من وضعية الطريدة إلى الصياد ، الرجل سدد و مباشرة و على مناطق قاتلة ، بالاسم و الرقم و التفاصيل و حتى بتحمله للمسؤولية ، حيث تحدث كمكلف رسميا بتابعة ملفات الفساد ، الذي أرادت السلطات إظهاره من خلال التسريب فرد ولد غدة أن الفساد هناك في مكتب القصر الرمادي ، صفقات بالجملة حصلت عليها المعلومة بنت الميداح ، و شيخ جكني ، و أفيل و لد اللهاه و ولد الصحراوي و آخرون كثرن .
في ليلة النسخة الأصلية لعرض (يوم صوك ولد غدة ) هكذا يمكن تسميته ، لم يبق شيء لم يقل و لم يبقى إلا أن يتحرك القضاء في المحاكم الموريتانية المستقلة كاملة الاستقلالية، ليحصلوا على إجابات و تفسيرات لكلام و لد غدة الذي فتح أبواب جهنم على وزير الاقتصادية و المالية و بعض من حاشية الرئيس .
بين التسريبات و ما قاله ولد غدة الأمر لا يعدو أن يكون "لكزانة" ما كذبناها و لا صدقناها، و الفيصل الآن بين الحق و الباطل الخطوات القادمة من القضاء الموريتاني الذي وجد نفسه أمام وجبة دسمة ، من التسريبات كانتهاك للخصوصية إلى اتهامات ولد غدة للجهات العليا في الدولة و بالدليل المشهود كما كان صوته دليلا عليه هو نفسه .

و إن كان سؤالهم عن التسريبات ، ها نحن اليوم نسألك عن العدل و الحكم في اثنين تخاصما ، فهل نجد من يقول لنا للإجابة و يضع الموازين القسط ؟ أم نستمر في انتظار نفخة الصور و يومها لا محيد عن العدل .

الأربعاء، 7 يونيو، 2017

المشهد الخليجي ... الواقع و المآلات ...

منطقة الخليج في الوقت الحالي على وقع أزمة حقيقية بسبب الصراع على إدارة الشرق الأوسط و السعي من مختلف دول المنطقة إلى التقدم لمركز صناعة القرار ، و يبد هذا الدور كما تفهمه دول الخليج مرهون بالقرب من الولايات المتحدة الأمريكية و السيطرة على خيوط إدارة لعبة الشرق الأوسط ،سواء من خلال ملكية مفاتيح الحركات المسلحة ،  أو التصدي لمواجهة ما يسمى بالإرهاب "السني منه و الشيعي " إضافة إلى القدرة  على تجفيف مصادره (الإخوان المسلمون والمذهب الوهابي ... وغيرها مما يسميها اليمين الغربي الراديكالية الإسلامية) .
عاشت منطقة غرب آسيا في غضون اقل من شهر على حدثين رئيسيين الأول منهما (قرصنة وكالة الأنباء القطرية و بث رسائل معادية للجوار الخليجي ، و ثانيهما تسريب محتوى بريد سفير الإمارات بواشنطن في حادثة من المتوقع أن تعصف بتقارب مجلس التعاون الخليجي "وهو ما حدث بالفعل"، هذا بالإضافة بعض الأحداث ذات العلاقة المباشرة بما يسمى سنيا المشروع الإيراني .
كانت التصريحات المنسوبة إلى أمير دولة قطر بعد ما قال البلد خليجي أنه قرصنة لوكالته أنبائه الرسمية ، موجهة شكلا و منهجا درجة أن حُدد المسؤول عن الجهة المقرصِنة ، و كشف التعامل الإعلامي القاسي من بعض المؤسسات التي سُهر على أن تكون مستقلة ، عن مدى الشرخ الذي تعيشه الدول الخليجية و مدى هشاشة العلاقة في هذا الفضاء "الاقتصادي" و احتدام التنافس بين مجموعة مجلس التعاون الخليجي على النفوذ ، وتصدر قائمة أصدقاء أمريكا في المنطقة ،  و إن كان الصف الخليجي حرص دائما على الظهور بوجه المتآلف ، خاصة في ما يتعلق بالقضية الإيرانية (كما حدث في القمة الخليجية الأمريكية في الرياض ) ،إلا أن قرصنة حساب السفير الإماراتي في أمريكا غيرت هذه الصورة تماما و أظهرت أن "ما خفي أعظم " و مع أن القرصنة لحساب السفير ممولة هي الأخرى و ثمة من ينتظر منها الكثير ، فإنها عكست وجها آخر لدولة الإمارات و طرحت تساؤلات حرجة حول مستقبل التحالف و الجيرة في الخليج ، خاصة مع ظهور معلومات سابقة تقول بمشاركة الأجهزة الأمنية الإماراتية في اغتيال قيادي حماس (المبحوح ) في دبي و وصول العلاقات الخليجية إلى نهايتها مع تكون حلفين بارزين في الجزيرة العربية (حلف العربية السعودية و الإمارات و حلف قطر و الكويت ) و هو ما يجعل عملية عاصفة الحزم في مهب الريح ، إلا إذا فرض على مصر (السيسي )ما  كانت أعلنت عن رفضها له سابقا و هو المشاركة الميدانية على الأرض في اليمن – الذي يجب التذكير باستعصاء حله عسكريا ليس لأن الحوثيين أغلبية شعبية فحسب بل لأن الدعم الذي يوفه الإعلام القطري (للشرعية اليمنية ) في مواجهة الإعلام الموالي للحوثيين يعني أن هذه الحرب ستصبح أكثر توازنا ، خاصة مع التخلي غير المبرر لحكومة (هادي) (المشردة )عن قطر ،و بالتالي خسارة الدعم المالي و الإنساني و الإعلامي القطري ، مشكل آخر سيدفع له الصف العربي وهو أنه على دول "الأطراف" العربية أن تحدد مكانها في الصراع الذي لا يبد اللون الرمادي الذي اختارت الجزائر مناسبا ، فدول المغرب العربي و السودان و القرن الإفريقي كلها مطالبة بالتموقع في صراع الأحلاف الأشقاء و لا مجال لكتلة عدم انحياز بسبب الهشاشة الاقتصادية للكتلة العربية من خارج المجموعة الخليجية إذا استثنينا المغرب الذي يعد حالة خاصة .
العامل الإيراني الذي كان السبب الرئيس في قطع العلاقات الخليجية سيعود بسرعة إلى الواجهة في حال كانت غالبية الدول العربية في الحلف السعودي الإماراتي ، فان قطر التي تضمن المساندة التركية و الأمريكية ستجد نفسها على طاولة مليئة بالخيارات المريحة التي لن يغيب عنها الجار الإيراني المستعد لدفع أي ثمن مقابل إسكات الجزيرة بنسختيها العربية و الانجليزية ، عن مسألة التغلغل في العراق و سوريا و لبنان ووضع برنامج إيران النووي .
الدولة الإسلامية (داعش سابقا) التي حاولت الدول المقاطعة لقطر إقحامها في بياناتها التي أعلنت من خلالها التخلي الكلي عن الإمارة الخليجية ،ليست قضية ذات بال سواء مع التحالف الدولي الذي يتقدم في محاربة التنظيم ، أو الدعم السخي من ترامب لأكراد الشرق الأوسط (قوات سوريا الديمقراطية ) للقضاء عليه ، و حتى عالمية المشروع الذي تعمل داعش على تجسيده .دون نسيان الصدمة الكبرى التي سببها التوجه الإعلامي المضحك من التنظيم  و يكفينا في هذا المقام لمقياس  جدية هذه الدول نموذج (مسلسل غرابيب سود).
 الصراع الخليجي على اللاشيء هو الخيار الوحيد في المدى المنظور ، فان كان من المستحيل أن تخضع الإمارات و السعودية لقطر و تعلن فتح العلاقات التي أغلقت من جانب واحد ، -و هو ما يعني انتصارا معنويا لقطر –فإن مسألة الصراع على صداقة أمريكا  لن تنتهي بنتائج محمودة للدول المتنافسة ، إذا علمنا أن  هذه الأخيرة في عهد  ترامب ليست بحاجة إلى أصدقاء و  إنما إلى عائدات واستثمارات ، وحاضنات جيوستراتيجية في وجه التوسع الروسي، كما أكدت من أول يوم (للنكسة_الخليجية) ، هذا دون نسيان أن التباعد العلني في البيت الخليجي يعني أن الخليج العربي كمفهوم سياسي و جيوستراتيجي ،قد انتهى سيتحول إلى الخليج الفارسي "الذي تتعمد الكثير من دوائر القرار و الإعلام الأمريكي استخدامه في السنوات الماضية).و تبقى مفاتيح الحل بين مجموعة الوجوه الشابة التي تتسيد المشهد حاليا "محمد بن سالمان ، محمد بن زايد ، محمد دحلان ، تميم بن حمد ، ثم أصغرهم سنا الجزيرة "

الاثنين، 5 يونيو، 2017

خمـــسة وجـــــوه

كانت من المرات القلائل بل حتى المرة الوحيدة التي أذكر فيها هذا الوداع الحار من أخي الأصغر ، دائما ما تجاهلنا مسألة المشاعر و العواطف أو على الأقل التعبير عنها بهذه الطريقة ، كنت اركب التاكسي من عند "شتدو" بالميناء بالرغم من أن الساعة تشير إلى العاشرة مساء لم يكن الوضع مقلقا لدرجة ذلك الوداع الفريد ، قاطع صاحب التاكسي اللحظة بكل فجاجة أسرع نحن في وسط الطريق ، قلت في نفسي متى كانت السيارات في موريتانيا تحترم تعليمات المرور .
دخل على ذلك الشد العصبي الذي ركبت به السيارة مبادرة الرجل ذو القبعة الذي كان يجلس في الكرسي الأمامي ، كان يتأفف من هذه العاصمة التي تحتفظ بكل شيء ، عبر باقتضاب و بلاغة منقطعة النظير عن كرهه لنواكشوط  (إنها مدينة لا تمت إلي بصلة أنا أحب ذلك الفضاء الريفي ) يقول الرجل الذي عبر عن اشتياقي لزوجته و أبنائه. بدا الرجل كارها للعاصمة وكل ما فيها حتى انه أبدى اشتياقه لبعض الأموات ، في أثناء حديثه كان الرجل يعدل قبعته التي كانت تختزل كل ما قال ، تلك القبعة التي تجعل من هذا الرجل بالرغم من  تغير كل شيء في حياته و أنه يجد نفسه الآن في الكرسي الأمامي لسيارة متمسكا بكونه مجرد راعي بقر و لا يريد التنازل عن ذلك الجزء منه ، في إحدى المرات التي كان يرفع فيها يده لتعديل وضعية القبعة رن الهاتف ، دخل الرجل ذو القبعة في محادثة باللغة البلارية لم افهم كل شيء ولكن يبد أن احد أبنائه قد أصيب بوعكة صحية و هو قادم إلى نواكشوط  ، سيطر الجمود على السيارة و لكن توقف صاحب السيارة بضغط الفرامل فجأة عاد ليضفي روحا جديدة على تلك الوجوه التي بدأ التأثر يظهر عليها .
ركب شاب في بداية عمره السيارة اخذ وقتا في تعديل وضعية البنطلون الذي أضناه الضيق ، استطعت رؤية ملامحه بوضوح لأنني كنت قد انسحب إلى أقصى الكرسي الخلفي للسيارة ،لو لم يبدأ  الشاب في الحديث على "الواتساب" لعجزنا عن تصنيف إلى أي صنف بشري ينتمي فعدى عن طريقة اللبس كان قد اتخذ من شعره حقل اختبار  لمختلف الجلات أما الأحذية لوحدها تعتبر حمولة للسيارة كان شكله مضحك بقدر ما هو غريب ، ثم بدأ يسرد معاناته لأحد أصدقائه (تعرف putt  هذا الكرد تكاو ابروكسنا الليلة) و الله إنهم كارثة في كل مرة اخرج يجب أن يعتقلوني ، لا ادري اشعر أنهم وجودا لمطاردتي كان الحديث موغلا في الشكوى من الحرس ولكن لم يكن حديثه ذا بال خاصة مع وجود رجل يبد أن ابنه بحاجة إلى النقل للمستشفى .
توقف آخر للسيارة هذه المرة كان رجلا ضخم الجثة ،جندي آخر ينضم إلى السيارة فاندفعت إلى أقصى الكرسي  وكأني  أخاف أن يحطمني الرجل الذي كان يرتدي زيا رسميا ، ولكن مميزا بسبب السكين الذي كان يتدلى إلى جانبه الأيسر  و الذي يتعامل معه وكأنه غير موجود غير الشاب وضعية جلوسه بالكامل تجنبا للسكين الذي اخذ تقريبا مكان جلوس على مقياس التاكسي في موريتانيا ، حيث على أربعة أفراد أن يحشروا في الكرسي الخلفي ، لم يكثر الرجل الحديث و لكنه تضايق كثير من محاولة صاحب التاكسي الحصول على راكب جديد ، كاد الرجل يخنق ساعته من كثرة ما نظر إليها ، و مع ذلك حاول سرد بعض يوميات الجزارين و لكن الشكوى صاحبت لكل ما قال ، كنا في الفترات الماضية لدينا الكثير من الزبناء خاصة نهاية الأسبوع ولكن الآن الأمر تبدل تماما ، الأعياد لم تعد بذلك النشاط  هذه الأيام تتميز عن غيرها ...) ، قاطع السائق صديقنا المستعجل  قبل إنهاء جملته هذه (الداية الرابعة ). نزل الرجل و ركضا باتجاه السوق ثم اختفى في ظلام انقطاع الكهرباء .

كعادتهم سائقوا التاكسي يجدون الفرصة للتذمر ، و خاصة من زبون مزعج كالجزار ذو السكين الكبير ، انثناء تذمر صاحب التاكسي عاد هاتف الرجل ذو القبعة إلى الرنين لم يكن الخبر سارا ولكن أحدا لم يسأل ماذا حدث ، تجنبا لأمن الطرق طلب السائق مني النزول قبل الوصول لمتقى طر (الداية الساته )،  ما إن فتحت نافذة السيارة حتى وقف رجل آخر ، متحدثا إلى السائق ، ( الرابع و العشرين) و سأحجز الكرسي الأمامي ، انسحب الرجل ذو القبعة إلى الكرسي الخلفي دون كلام ، وقتها كنت قد أدرت ظهري مغادرا السيارة مغادرا مع أن الخبر الذي تلقاه الرجل ذو القبعة بقي معي ، ولكن التاكسي فرصة لتبادل  بعض الأشياء فقط وليس كل شيء.

قوة الورقة البيضاء في التعديلات الدستورية

تدخل موريتانيا في تعديلات دستورية وشيكة ، بعد الصعقة التي مثلها رفض الغرفة العليا في البرلمان الموريتاني -التي تسير إلى الحل بسبب التعديلات التي أسقطت- ، مما دفع إلى المادة 38 من الدستور و 
بالتالي إلى الخيار الشعبي ، و مع ذلك فان هذه التعديلات القادمة تضع الكثير من الأوراق الحرجة على الطاولة ، فعدى أنها استفتاء على ولد عبد العزيز مشروعا و شخصا و أن كلفتها المالية أكبر من انعكاساتها على  داعميها ، فإنها تعطي الفرصة للضغط في ملفات أرقت البلاد في الفترة الماضية ، من قبيل إعدام كاتب المقال المسيء و إعادة ترتيب التوازن بين الخزانات الانتخابية إضافة إلى حسم خلافة ولد عبد العزيز أو الاستمرار مأمورية ثالثة ، هذا الجدل يأتي على صوت مجموعة ثالثة تطالب بالوجود على اللوائح الانتخابية ولكن من اجل التصويت الأبيض.
1 – زمن المشاركة السلبية
تهدد الكثير من التيارات التي أعلنت رفضها للتعديلات بإفشال مشروع التصويت و لكن المنتدى و بعض الأحزاب المعارضة الأخرى اثبتوا جميعا فشلهم أمام ولد عبد العزيز منذ أول انتخابات إلى اليوم ،  إلا أن هذه القوى انضافت إليها قوة داعمة في محاولة للي ذراع الحكومة خاصة حين أعلنت بعض الجهات عن ما سمته المشاركة بالحياد إن لم يتم إعدام ولد امخيطير ، هذه الأخيرة و التي اثبت قدرتها على الحشد من خلال ما عرف بتيار النصرة قد تغير الكثير في التوازنات إذا لم تستجب لها الحكومة الساعية إلى تمرير التعديلات بأي ثمن .رجال النصرة والذين يمرون بأول اختبار حقيقي لشعبيتهم وقدرتهم على الوفاء بوعودهم فإنهم مضرون إلى الحفاظ على مصداقيتهم الشعبية من خلال الحفاظ على وسم #الإعدام_للمسيء ، بالرغم من عدم وعيهم بحجم قدرته الشعبية فإنهم يدركون تمام الإدراك أن تحقيق هذا المطلب سيعزز من رصيدهم السياسي و يعطيهم فرصة حقيقية للمساومة على خزانات شعبية كبيرة-على بعد سنة من فتح الباب للرئاسيات- ، هذه الموازنة من الطبيعي أن يركبها التيار الإسلامي أو يستغلها على الأقل كعامل لزيادة مصداقية دعوى رفض التعديلات الدستورية ، هذا التيار قادر على التحول إلى قوة شعبية كبيرة خاصة في حال استطاعت  بعض المشيخيات الصاعدة سياسيا و ذات الرصيد الشعبي في الاستمرار بتهديدها.
فيما يبد لن تكون الحكومة أمام تحدي (لا –نعم) في التعديلات الدستورية بل هي أمام قوة ستتوجه إلى الصندوق ولكن لوضع أوراق بيضاء (ليس إلا) ، كما سيظهر حلف جديد من مختلف التيارات يخدم المصالح الإسلامية واليسارية و حتى التيارات السياسية الأكثر راديكالية ، و إن كانت أقطاب التحالف البارزة الآن هي (المندى و التكتل و بعض الأحزاب المعارضة ) فان المنتدى العالمي لنصرة النبي ذو الشعبية الكبيرة و بعض التنظيمات المشابهة مضطرة إلى الوقوف مع هذه التيارات – بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي و السياسي- ضد التعديلات الدستورية إن أرادت إثبات رسالتها الأم وهي نصرة الرسول"ص".
2 الخليفة المحتوم و الخلاف المزعوم
على ولد عبد العزيز إن أراد الخروج بطريقة "أنيقة" وآمنة سياسيا بل و تليق بحجم الانجازات التي يتحدث عنها أنصاره ،أن يحترم الدستور بكل بساطة (أي الاكتفاء بمأموريتين " ولكن هذه الأخيرة تبد محفوفة بالمخاطر خاصة بسبب الصراع البادي للعيان على خليفة ولد عبد العزيز و كذا التراجع الكبيرة للضغط الذي يمثله الحزب الحاكم ، والذي تحول إلى مؤسسة مجنحة لكل فرد من أفرادها له شعبيته الخاصة يديرها ويحرك حسب الظروف و هو ما يجعله هذه الشعبية (الخزانات الانتخابية )  غير مضمونة إن لم يحصل جميع رجالات الأغلبية على ما يريدون .
و تعد حادثة فشل اجتماع النعمة و خروج بعض المقربين للرئيس في وقت مفاجئ ، والحركة الكبيرة لشخصيات أخرى كلها مؤشرات على الارتباك الذي تعيشه الجبهة الداعمة للرئيس بسبب صعوبة الإجابة على من سيكون الرئيس القادم ؟ ، في وقت لا يخفى فيه أن الحزب الحاكم لم يعد (لم يكن ) المؤسسة المحددة للرئيس القادمة ، وقد وصل هذا الارتباك حتى إلى مدراء الصالونات الاجتماعية التي تتصرف على  [طريقة تبركوا من كل مكان عسى أن يكون فيه السر القادم].
خليفة الرئيس يجب أن تحدد هويته ، ولكن يجب أيضا أن نعرف أن هذا الرئيس يصعب تحديد خصائصه ليس بسبب تعقيد عملية التحول السياسي في العالم الثالث فحسب بل أيضا بسبب بعض التوازنات القبلية و الاجتماعية التي تعني اجتثاثا تاما و كاملا في حال كان الرئيس القادم من خارج الصدوق (على الطريقة الروسية ) ، و هي خصائص يصعب وجودها إلا في أفراد و جماعات بعينها و حتى إن كان دخول هذه القصر الرمادي يعني نهاية مرحلة من تاريخ الجمهورية وبداية عصر جديد بالرغم من ... (سهولة عودة حليمة لعاداتها القديمة ).
قد يكون أصحاب المصالح الآنية و المطالب الملحة هم أكثر من سيستفيد من التعديلات الدستورية – ن استطاعوا الانتظام في تحالف واحد - ، إلا أن فئات أخرى تعيش على دخل يومي ومهما كان قدره تكون أي انتخابات ومهما كان مضمونها فرصة لهم لتحقيق بعض الكسب المادي ، فالفقراء كما هو معلوم ليس لديهم الوقت لاختيار البرامج الأحسن ،لان المراجل الفارغة تريد أي شيء ولكن الآن.


الخميس، 27 أبريل، 2017

تريف السياسة

"الحداثة مشروع لم يكتمل بعد " يورغن هابرماس

يكثر الجدل في علم الاجتماع الحضري حول ظاهرة من قبيل تريف المدينة أو بدونة الحضر  ، و لكن هذه الظاهرة يبد أنها استطاعت أن تمتد إلى السياسة هي الأخرى ،خاصة في جزء العالم الذي تستحكم فيه الديمقراطية الإستدرارية أو ما يمكن الاصطلاح عليه بديمقراطية المصالح الآنية ، هذه الظاهرة و التي كان يعد العالم الثالث هو مركزها بدأت تصعد بعض الشيء في الغرب خاصة مع الحركات الشعبوية و الخطابات العرقية و الفئوية المتعصبة التي اجتاحت الغرب من أمريكا إلى أوروبا و صولا إلى الهند في أقاصي أسيا .
بما أن العالم الثالث بمفهومه الآفروعربي يشار إليه دائما كمعقل لديمقراطيات الممكن ذلك الممكن الذي تسيطر فيه القبيلة على المجال و تصارع فيه الدولة في ابسط أدوارها ، فان تريف السياسة برز بشكل كبير في هذا الفضاء أكثر من غيره حيث تمثل سيطرة القبائل و التحالفات الأولية  على المجال الترابي و الحياتي للناس ملمحا مميزا لهذا الفضاء الذي بدأ بخطوات متسارعة إلى ممارسة الديمقراطية دون تحقيق المناط ، خاصة في جوانب الوعي و توفر الآليات الكفيلة بممارسة سياسية شفافة كحد ادني للفعل الديمقراطي ، هذه السيطرة أتاحت للقبيلة أن تكون مرجعية سياسية و مركز لصنع القرار السياسي بل و فرضت عدم الاتصال بين الأحزاب و القواعد الشعبية التي كان رضا شيخ القبيلة أو المجموعة  يكفي للتعبير عن أصواتها مجتمعة ، بل وتعد كلمته مخزنا انتخابيا بحد ذاتها ، و ذلك للسلطة التي يتمتع بها و هو ما جعل الأحزاب السياسية تميل إلى التعامل مع القبائل ، كفعل اقل صعوبة من التعامل مع عموم المواطنين كنوع من تركيز المصالح على الطريقة الآنجلو_أمريكية .
لا يبد جدل تريف السياسة بعيد عن حالة العودة إلى الجذور التي يمر بها الغرب ، سواء في انتخاب ترامب أو تريزا ماي في انجلترا و التقدم الكبير الذي حققه روته في هلندا و حالة الفشل التي يمر بها اليسار الفرنسي في لحظة تقول الأيام الأخيرة للسباق أن يمينيا(ة) متطرفا (ة) قد يكون الرئيس القادم ، كما أن حالة البداوة أو الهمجية التي تعيشها السياسية تبد حتى أكثر وعيا في العالم الثالث الذي يفضل الغرق في حروب داخلية و مخاضات عسيرة تنتهي عادة بانقلابات عسكرية أو تفويضات شعبية لعساكر جدد ، هذه الحالة تبدو متقدمة بالمقارنة مع الاعتداءات الموجهة ضد المهاجرين أو على أسس دينية في الغرب و سواء من الاعتداء على المساجد و قوانين حظر الحجاب و المظاهر الدينية ، كلها أشكال لبداوة تختلف باختلاف الأمكنة و الثقافات ، حيث يمثل الراهب الهندوسي يوغي أديتياناث.  الذي أصبح يدير حكومة أوتار براديش، أكبر ولاية هندية والتي يعيش فيها 40 مليون مسلم ، وجها آخر لهذه البدونة التي تمر بها السياسة حول العالم  .
بنظرة بسيطة إلى خارطة السياسة العالمية يظهر أن عصر الأذرع  المفتوحة قد ولى في كثير أنحاء العالم ، إذا  استثنينا كندا و دول كانت دائما هامشية في صناعة القرار العالمي ، و بالعودة إلى السياق الموريتاني كنوع من الهروب من أنموذج الاغتراب الفكري ، فإن مسالة تريف السياسة أو حتى ظاهرة الساسة البداة تظهر بقوة ليس في الفعل السياسي فحسب بل في المنطوق الشعبي و الخطاب السياسي ، حيث أن الأحزاب و الجمعيات  هي ملك للأفراد و العمل فيها نمط تداول (الشيخ و المريد) ، و هو ما يجعلها مؤسسات _مع وقف التنفيذ _ مناطقية جهوية و ، في أحسن الأحوال أحزاب تيارات جماعات مصالح ، دون أن يغيب أن القبيلة هي المرجعية الوحيدة للحزب كخزانات شعبية و ورمزية ، بل القبيلة نفسها كمتغير ريفي بدوي تسيطر على الفضاء حتى أصبح دور الدولة متلخص في سد الفراغات التي تعجز القبيلة عنها كالمرافق العمومية و الأمن ... كما يقول البروفسور عبد الودود الشيخ .

الجمعة، 14 أبريل، 2017

[وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ]

يثير إشكال تقسيم الإسلام إلى مذاهب و طوائف و شيع وملل بل حتى نحل ، يراد لها أن تكون بمسحة إسلاموية فالدين الذي انزل ليكون رسالة للبشرية جمعاء (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران 85) فدون نقاش عن أي إسلام نتحدث ؟ بسبب الكثرة الفكرية و التعددية المذهبية ، فان ظاهرة الإسلاموية داخل المذهب الواحد تطرح إشكالا أكثر تحديدا بل وحتى يظهر جوانب من التعقيد في فهم الخطاب الإلهي ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة –رضي الله عنهما - و ان طرح مسألة الحجاب (بمفهومه الواسع) و المصافحة  في بلد [إسلامي الدين، سني الجماعة، مالكي المذهب] و بين مكوناته السنية المالكية تفرض هي الاخرى الاعتماد على مقاربتين أساسيتين( 1 إن كان حراما ! 2 إن كان حلالا !).
تثير وضعية الناظر البسيط إلى المجتمع الموريتاني إشكال الحياتين المتوازيتين و الإسلاميين المتوازيين  (في الشرائح الناطقة بالحسانية ) قريب بالمعايير الوسطية من الإسلام كما هو في الكتاب و السنة و إسلام آخر يبد أكثر اختلافا و امتزاجا بالثقافة الشعبية في الشرائح الزنجية ذات الثقافة الإفريقية "لكور"(ساكني الحضر ) , حيث يبرر السفور و المصافحة كمعلمين مميزين لهذا التصور الأخير للإسلام ، و لكن الإشكال إن الحديث عن هذه الظاهرة لا تصل إلى دواليب القرار أو النخبة  الدينية من الشريحتين ، و لا يتم التعامل في هذا الفصل الزمني بين التصورين النابعين من نفس المذهب لنفس الدين، إلا على تفسيرات ثقافية اجتماعية و إن كانت هذه الأخيرة ذات مشروعية سوسيو ثقافية فإن الخطاب الديني كان أكثر صراحة سواء  بالتأكيد على أن الله يُعبد بما حدد هو و ليس بما يتصوره العباد , كما حالة تحريم الخمر و وزواج المحارم و الطواف عريا حول الكعبة و الاختلاط و حتى تولي المرأة شؤون المسلمين ومسح ظاهر الخف و التقصير ... من الشواهد التي تجعل هذا التبرير في مهب الريح ، كما أن الآيات الصريحة في هذا الإطار تجعل هذا السكوت يحتاج أيضا إلى مراجعة أكثر عمقا انطلاقا من براديغمات أخرى ذات علاقة بالميكانيزمات المجتمعية لموريتانيا "كجسر حضاري بين بعديها العربي و الإفريقي" كما يرى د. محمد سيد أحمد فال ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ.. (النور 31)) .
مع أن مسالة السرد في إشكال إن كان حراما ، سواء من السياق الاجتماعي الذي يقر الظاهرة ولا يرى فيها أي خروج على الدين ، أو من السياق الديني الذي يحرم هذه الطريقة باعتبارها طريق الكبائر (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) (الإسراء 32) ، إلا أن الاستشكال تحت طائلة ما لا يدرك كله لا يترك بعضه تبد هي الأخرى ضعيفة جدا أمام ظاهرة اللاحجاب أو اللاحشمة  فمع الآية السابقة و قريناتها هل بات الستر أو المصافحة "بعضا" ؟

1 إن كان حراما

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (الأحزاب 59)
أين الميزان العدل في مجتمع يحلل لهذه الدخول إلى النار و يسمح لها بالخروج على أوامر دينية لا يمكن أن تصنف في إطار (إدراك البعض) ، و متى كانت الثقافة و الخلفية الاجتماعية هي المحدد للسلوك الديني ، و يكيف يطلب من طبقة العوام تقبل التعامل مع عدة مستويات من الخطاب لنفس النص و لنفس المخاطبين (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) ، فان كان كشف الرأس و المصافحة حراما فل يكن حراما على الكل و إن كان معيار الثقافة الموازية و منطق أن المؤمنات لسن على نفس القدر و لسن مخاطبات جميعا بنفس الإلزام فهذا التصور الأخير رد أيضا (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107) .
إن مسألة (الكورية ) السافرة هي قضية اجتماعية ثقافية بالدرجة الأولى ، ليس البعد نقاش إن كان الحجاب فرضا أو سنة أو محببا إلى غير ذلك من مستويات الإلزام في الخطاب الديني ، إلا أن المثير للإشكال أن يكون حلالا عليها و حرام على (الناطقة بالحسانية ) "البيظانية".

2 إن كان حلالا

لن يكابر أحد في العدد الكبير من الموريتانيات الئي لا يرتدين (غطاء) للرأس و لكن معروف من هن و ممن ! من هنا بالذات يجوز السؤال أي فهم للخطاب الديني هذا الذي يحظر على هؤلاء و لا يسمح لهن بالتمتع بما يتيحه من هامش للبعد الثقافي في التدخل في نمط التدين ؟ فان كان حلالا على "الكوريات" أن يخلعن غطاء الرأس و يصافحن فما المانع من أن يكون ذلك متاحا في شرائح مجتمعية أخرى ، إلا إذا كانت المسالة في مضمونها هي كبرياء اجتماعي و تميز ثقافي و ليس تطبيق ديني لذات الدين الحنيف.[  لَيَنْتَهِيّنَ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الّذينَ مَاتُوا إِنّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنّمَ. أَوْ لَيَكُونُنّ أَهْوَنَ عَلَى اللّهِ مِنَ الْجُعَلِ الّذِي يُدَهْدِهُ الْخرءَ بِأَنْفِهِ. إِنّ اللّهَ قد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبّيّةَ الْجَاهِلِيّةِ وَفَخْرَهَا بِالاَبَاءِ. إِنّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقيّ وَفَاجِرٌ شَقيّ. النّاسُ كُلّهُمْ بَنُو آدَمَ. وآدَمُ خُلِقَ مِنَ تُرَابِ ] أخرجه الترمذي وحسنه.
أو حركة في فلك "الكيتوهات الثقافية " التي تشبه الزجاج العازل نستطيع الرأي من خلاله ولكن لا يمكننا سماع الصوت المنبعث من ورائه و بالتالي تكون عملية التأثير و التأثر مشوشة و تغيب فيها (ردود الفعل (التغذية الاسترجاعية ) feed back "
فالحلال ما حلله الله و الحرام أيضا ما حرم ، و التدين كهامش لتدخل العوامل الثقافية ، بقي دائما في حدوده الدنيا ولم يصل إلى أصول الدين ، بل إن الأمور ذات الطابع الاجتهادي كانت مبعدة إلى حد كبير عن مسألة التدين ، فأي ثقافة لها الحق أو أعطي لها في التجاوز على أركان الشرع، مهما كانت تكون العلة إما في فهم الخطاب أو المخاطُب ، و من عدم الحكمة التصديق بأن الشمال الموريتاني يفهم خطابا دون أن يكون الجنوب جزء من ذلك الفهم إلا إذا لم يكن معنيا ثقافيا و اجتماعيا و وضع مبررات أكثر صراحة منطقية من ما هو موجود الآن . و إلا فإن سؤال [ كيف يقبل أن يكون حلال لهذه وحرام على تلك؟ ]سيبقى يطل برأسه دائما في ظل تحولات لا تضمن معها إن كانت الإجابة ستكون نفسها.  

يبد جدل الحشمة كمفهوم أعمق  دلاليا حتى من الحجاب و النقاب و البرقع "كظاهرة أكثر تطرفا" - كمستويات أو مظاهر للحشمة - المفهوم الأكثر دلالة في المجتمع الموريتاني ولكن هذا التبرير أيضا يبد ضعيفا ، لاعتبارات أن الحشمة كمفهوم يتسم بالكثير من المثالية التي من غير المتاح التقيد بها للجميع ، وليس ثمة دليل أن الرجل الزنجي  أكثر حشمة من أخيه العربي و بالتالي هو لن يقترب من [طريق الزنا] إذا صافح أو كانت الفتاة غير محجبة ، و ليست الفتاة مؤمنة مجاليا من الرجل الذي لا حشمة لديه لاعتبار ثقافة الأبواب المشرعة "الظاهرة التي طبعتها الخيمة في هذا المجتمع " و التي تدرج في إطار الكرم و التسامح و الانفتاح الذي تفرضه معايير الجيرة و القرابة في مجتمع من الأسر الممتدة و الإتكالية المتجذرة .

الأحد، 9 أبريل، 2017

الدولة و قانون "اذهبوا فانتم الطلقاء"

"اذهبوا فانتم الطلقاء"هذا هو الحلم الذي راود العبيد السابقين وبعض المهمشين في موريتانيا و غيرها فحصلوا عليه بموجب مرسوم رئاسي في عهد الرؤساء السابقين  و في فتاوى صادرة عن مجموعة من العلماء في عهد الرئيس الحالي , تعتبر أن أي ممارسة تحمل طابع "العبودية" ليست شرعية وعدى عن السؤال هل يعني هذا أن الممارسات العبودية السابقة كانت شرعية ؟.
فاني أفضل التركيز على لماذا لم يتغير وضع هؤلاء الأرقاء السابقين و من في شاكلتهم , إن الحرية و الديمقراطية و المساواة والمكانة و العدل و القانون ...الخ ليست أشيئا تؤكل أو تشرب و إنما هي شعور يحسه الفرد و يعيشه  في حياته اليومية و تعاملاته الآخر.
و من هنا بالتأكيد تتجلى مشكلة الأرقاء السابقين  . فعلا قيل لهم "اذهبوا فانتم الطلقاء " و خذوا حريتكم و لكن أي حرية هذه لا تحمل إلا مفهومها الأجوف الفارغ  بلا رأسمال ولا تعليم ولا مكانة فالذين تحرروا من الاستعباد فإنهم خضعوا لاستعباد اخطر و أسوء هو استعباد السوق و المشَغلين الجدد فهم أكثر قسوة حتى من الاستعباد نفسه , و ببساطة من حصلوا على الحرية أو اخرجوا من الاستعباد خرجوا دون الحصول على بدائل ولا على فرص حقيقية في الحياة و هو ما دفع العديد منهم للعودة إلى السادة السابقين بالرغم من رفض السادة حتى لعودتهم في بعض الأحيان.
ما هو ضروري لتحمل هذه الحرية معنا ها انه يجب أن يتوفر ما يعكس قيمة هذه الحرية من حرية اقتصادية بالدرجة الأولى والإشراك في التنمية لضمان الاستدامة في مجال الحرية فكلمة حرية بلا معنى إذا لم يكن معها (حق الاختيار و القدرة على الاختيار وملكية وسائل هذا الاختيار و وسائل مستديمة للحفاظ على هذا الاختيار ليكون حرا حقا ...) .
و دونما إغفال لمسألة التعليم الذي يعد مفتاح للمكانة فان الولوج لم يعد مشكلة بحد ذاته بل الاستمرارية هي العائق الأكبر أمام هذه الشرائح التي لا تجد قوتا لأنفسها فلماذا يطلب منها الصبر على التعليم في وقت هي أكثر حاجة إلى جهدها العضلي منه إلى العلم و المعرفة و _إن كان هذا التصور خاطئا بالطبيعة _ولكن ليس حسب التصور العامي لهؤلاء الذين لم يعرفوا يوما قيمة للعلم إلا لأناس ولسماء بعينها (وقد نتوقف هنا عند الوساطة في المسابقات العمومية كأكبر عائق في الفترة الأخيرة على تحمس هذه الشريحة للتعليم ) حيث يعاني اغلب حملة الشهادات _مهما كان نوعها_ من بطالة اكبر من غيرها من الشرائح (مع انه لا يجب أن ننسى ضعف التكوين و اللغات و التدريبات الحرة عن التعليم النظامي التي لا يملكون وسائل الحصول عليها).
مسالة الحرية في المجتمع ليست القول أنت حر فحسب بل القدرة على تغيير القوالب الاجتماعية و النظرة الناتجة عنها , وتجاوز هذه المحددات في بعدها الاجتماعي على أساس انه "قبل أن تقنع الناس أنهم ليسوا عبيدا اقنع المجتمع وقادته أولا بأنهم ليسوا كذالك " ثم بناء تنمية اجتماعية حقيقة تقوم على الاستثمار في البشر و ليس الحجر و تجعل الإنسان أي إنسان هو قطب الرحى في العملية التي يجب أن يكون أول خصائصها الشمولية و اللاتميز على أي أساس , عندها فقط يستطيع الإنسان "معرفة نفسه بنفسه حسب مقولة سقراط " وتبدأ المصطلحات الناتجة عن ترف التنمية تأخذ مكانها بشكل تلقائي في هذا البناء الاجتماعي من قبيل الحرية.. المساواة.. الديمقراطية ..القانون.. العدالة.. المدنية و التطوع (لا يمكنك أن تطلب من الناس التطوع في وقت هم بأمس الحاجة إلى جهدهم لأنفسهم  ... الخ من المصطلحات التي باتت هي عماد المجتمعات الحديثة .
و إن كنا في العالم الثالث نقع في خطأ و ضع الصورة في الإطار وتعليقها على الجدار ثم محاولة تحميضها بعد ذالك لتتضح معالمها , فكل الاتفاقيات الدولية في الحقوق والحريات لا قيمة لها دون بناء تنمية اجتماعية حقيقية لأنه ببساطة (الجياع لا يسالون الحرية و لا والديمقراطية ولا وضعهم  الإنساني أو حرية التعبير و المساواة وإنما يسالون عن لقمة العيش أو شربة الماء و لا يهم أي شيء أخر ).
و بالتالي فان دولنا هي دائما ما تكون دولة كومبرادورية معلقة لا علاقة لها بالواقع المعيش تسن قوانين وتشريعات للمواطنين (الغربيين ) و ليس للرعايا الذين يعيشون في هذه الدول .

"بركم كم من الشعب الموريتاني يعرف أو يسال عن قانون حرية التعبير أو الملكية الفكرية ... الأمثلة كثيرة؟"

ثلاث ابتسامات مزيفة ...

على عجل يرمي الحقيبة ثم ينطلق مسرعا إلى النافذة كعادته في الأسابيع الأخيرة , ولكن اليوم بدا
كأنها علمت أو هكذا اظهر مخيلة عمر , تسارع إلى ذهنه أنها أخذت وقتا أطول في فك وثاق نهديها و كأنه تأخر مفتعل , اختفت المسافة الفاصلة بين الغرفتين و تحولت إلى خطوات ثم استدارة صغيرة الممر خالي فوجد نفسه في الغرفة , دون أن تجد مريم فرصة حتى لتتفاجأ كان يلقي بها عنوة إلى المنضدة المخصصة للزينة ,  دون حتى أن يغلق الباب أو يفكر في ما بعد ثواني النشوة .
وميض برق ...
و أصبحا مستسلمين للواقع و كأن الأرض ما عاد فيها غيرهما , لم يجد عمر ما يقول انسحب من الغرفة و كأن 58 ثانية من سنواته الثلاثين قد محت كل ما عاش و سيعيش , كانت معادلة ظالمة ثواني من نشوة  شيطانية تسلبك كل شيء ثم ستدرك قائلا ألم تجد مكانا أخر لتغيير ملابسها ؟ ألم تكن النافذة مفتوحة عمدا ...؟ , ولكن عودة كابوس تلك اللحظة أصبح أقوى من كل المبررات الأخرى , واصل الخطى خارج المنزل كانت مفوضية الشرطة تبعد حوالي 500 م لا أكثر و كانت التجربة على قصرها  تحمل من البشاعة ما استحق العقاب , عبر الشارع المؤدي إلى مفوضية الميناء 2 أصبح في مقابل الباب الأحمر الكبير مباشرة كان يعرف أن النهاية هنا النهاية بكل ما تحمل الكلمة من معنى _ التنازل عن جميع المشاريع الحياتية الاجتماعية و السياسية ... إنها ببساطة الناهية – وما إن تجاوز السارية  المنصوبة وسط باحة المفوضية شتت تركيزه صوت العلم المتهالك الذي يبد أشبه بشبح علم بسبب تغير لونه و قلة ما بقي منه متشبثا بالحبل الذي يتخذنه الذباب منزلا على السارية التي فعل بها التأكسد فعله , فجأة سُحب من يده بقوة نفس الوجه مرة أخرى وكأنه اليوم يطارده مريم تظهر مرة أخرى .
في رواية أخرى ...
بدت مريم أكثر رباطة جأش و قوة من الفتاة المبتسمة المعتادة وقفت أمام عمر , الذي كان مركزا على عد الأمتار التي تفصل بين عمر قبل نظرة من نافذة وعمر بعد عدة أمتار من مكان قدميه  , قالت مريم بحزم  و صلابة ...
إن كان الندم يفيد فان الزمن سعود إلى الوراء لأنني اعرف انك نادم ...
إن كان العقاب يفيد فما ستعيشه من عذاب يكفي لتُمحى هذه اللحظة إلى الأبد...
إن كان كل ذلك من اجل الصفح ... ها أنا اصفح عنك !
الآن قرر ماذا تريد
هذا كل ما استطاع الألم إن يسحبه من ألفاظ مريم  ثم عادت أدراجها , استغرق عمر في فتفكير عميق و بدت في الأفق حلول أخرى , كان الشرطي يقترب متسائل عفوا ماذا تريد؟.
ثم بعد يومين ...
كانت مريم في المطبخ كعادتها وكأن تلك اللحظة لم  تحدث بالرغم من بعض الآلام التي تجربها للمرة الأولى في حياتها , بدت غير بالية بطريقة معية أو منهزمة أكثر من اللازم , فتح الباب بكامل طاقته لتظهر أم  عمر تدخل متثاقلة بسبب وزنها الزائد , لم تكلف مريم نفسها عناء إلقاء التحية هو طقس اعتادته عندما تكون في صومعة النساء أو المكان الذي يراد للمرأة أن تشعر فيه أن هذا هو نصيبها من الدنيا و كأنه تقديس بطريقة أو بأخرى لجحيم المطبخ .
دخلت مريم غرفة الجلوس كانت قد سمعت كل شيء و هي شبه متأكدة من الإجابة كانت أمها توافق على كل ما يقال بكلمة واحدة (طبعا نحن و انتوم ما اتجون افشي و نرفضوه ) و ضعت السينية المزعجة التي أخذت منها الكثير من التركز بسبب حركة كؤوس المذق ثم عادت إلى الطبخ أكثر استسلاما و خضوعا يبد أن هذه الأسرة مصرة على اخذ كل شيء منها حتى فرصتها في مواصلة التعليم و الحلم بشيء أكثر من الطبخ و النفخ .
يوم ووريت الثراء ...
كانت رائحة البخور وما خالطه من عطور تعج بالمكان كان ذلك الخريف قد طوي فعالا من حياة مريم و لكن في خلدها بقي صوت تلك البراءة يأبى أن يصمت  ... يبد أن هذا هو ما يسمى بالحياة , لحظات من الألم و أخرى من الفرح ولكن  بعض الأشياء من الأحسن أن تموت فينا حتى تدفن معنا و ما علينا إلا أن ننتظر أن  يفرج عنا عزرائيل بتحريرنا من عالم البشر المتوحش .

   

الجمعة، 7 أبريل، 2017

DNA - 07/04/2017 توماهوك على سوريا

الأربعاء، 5 أبريل، 2017

الدولة القبيلة … و القبيلة الدولة

[ إِنَّ الْأَوْطَانَ كَثِيرَةُ الْقَبَائِلِ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فِيهَا الدَّوْلَةَ ]
*****        

تغذى الجدل  السيوسيولوجي وخاصة في جزئية  علم الاجتماع السياسي المهتم  بالدراسة المتمرسة لما هو قبلي مجتمعي في مواجهة ما هو دولاتي مؤسسي و الصراع لم ينجح في حسم النقاشات الكبرى حول إلى أي مدى تطور النظام القبلي و ما هو التطور الذي دخل على نظام القبيلة في زمن بدأت أبعاد الجينالوجيا و الدم تنزاح نسبيا عن مجال تحليل الجسم القبلي  و أي دولة في مواجهة القبلية المستفحلة ؟؟
قبيلة بلا مقومات
منذ إعلان الاستقلال في الثامن و العشرين من نوفمبر أصبحت جميع القبائل رسميا بلا مجال ترابي تملكه لتعطيه و تتحكم فيه و تجعله ملكية خاصة لأعضائها,  هذا التحول فرض على القبيلة أن تكون في مواجهة مباشرة مع الدولة الوليدة التي ملكت الحق في ممارسة السلطة على ( المواطنين ) و المجال هذا التحول دفع بالقبيلة إلى الهامش نسبيا . بالرغم من احتفاظها بغالب مفاتيح المجتمع كنظام الحماية الاجتماعية و التكافل و الفدية و غيرها من مظاهر السلطة الاجتماعية ,  إلا أن هذا لا ينفي كون القبيلة قد أصبحت مجبرة على التكيف مع الواقع الجديد ( فقدان المجال و سلطة الحماية و امتلاك المأوى و الملجأ ) مما دفعها إلى المواجهة في بداية الأمر مع الرئيس المختار ولد داداه الذي اضطر إلى ممارسة الحيل المجتمعية لإقناع الزعامات القبلية بهذا التحول فكان يهدي البنادق و غيرها للقيادات  المجتمعية  سعيا للحصول على ولائهم ,  كما ذكر عنه استضافة بعض الزعامات المجتمعية و بعث مخبرين إلى أماكن سنكم لينقلوا له الأخبار يوميا و ينقلها هو بدوره إلى الزعيم كنوع من تقديم سلطة الدولة على المجال و رسالة تظهر مدى سلطته كرئيس هذا الكيان الجديد.
 التعايش الحذر
في الفترة القريبة من الاستقلال ظلت القبيلة تأخذ مسافة من الدولة قدر المستطاع , و كانت معزولة لعديد الأسباب منها المتعلق بالدولة كمنافس جديد على الولاء الشعبي و منها المتعلق بالقبيلة التي لم تكن بجميع عناصرها على صلة جيدة بالمستعمر الذي كان يصعب الفصل وقتها بينه و الدولة ,  و في أحسن الأحوال تم النظر إلى الدولة كإرث استعماري يجب التروي في التعامل معه ,  ولكن بعد الانقلابات المتلاحقة التي مرت بها الدولة بدأت حتى هيبتها كجسم مغاير تصبح أكثر تلاؤما مع الواقع المحلي ,  و أنها ليست بتلك المنعة المتصورة عنها فمع حكم الرئيس معاوية ولد سيد احمد الطائع تحولت القبيلة إلى جزء من النظام السياسي و أصبحت عبارة عن خزانات انتخابية و مؤسسة سياسية , ولكن من نوع خاص و خاصة في ما يخص التصاقها بقواعدها الشعبية و باتت جزء من المنظومة السياسية للبلاد و حجر زاوية في أي إستراتيجية سياسية و مهما كانت منطلقاتها حداثية .
الحربائية الواعية
بعد أن تعددت الانقلابات العسكرية و أصبح الاستقرار السياسي مطلبا شبه مفقود , كان لابد من واجهات للمصالح و تكتلات لها من الدينامية ما يسمح لها بالحفاظ على مصالح أعضائها مهما كان التحول و طبيعته , و بالتالي كان من الطبيعي أن تنتج الميكانزمان المجتماعية مخرجا أكثر قدرة على مواجهة التحولات العنيفة في المشهد السياسي المتقلب , و بغياب قبيلة المقومات التقليدية كان من الضروري إنتاج تجمعات مصلحية لا تعد الجينالوجيا عاملا حاسما فيها فولد ما يمكن أن يطلق عليه قبيلة المصالح التي أصبحت أكثر مرونة و حركيّة و مطاطية  للأعضاء الجدد , حيث إن ما يوحد أعضاءها هو المصلحة التي توفرها بل بات الجسم القبلي اقرب ما يكون إلى الطبقة التي تجمعها مصالح عملية و هدف معين قد تنفك بانتفاء هذه المصلحة أو بعدم تحقيقها ما هو مطلوب .
 مقارنة مخيفة
 إذا أردنا أن نقيم واقع القبيلة في المجتمع مقارنة بمجتمعات أخرى نجد أنها من أكثر أنواع القبيلة ديمقراطية (مصادرة لمفهوم الديمقراطية) من حيث أنها استطاعت التغلغل في الجسم الدولاتي و اثبتت كومبرادورية الدولة و عدم ملامستها للواقع في كثير الأحيان, و من نتائج هذا الذوبان في جسم الدولة بات طبيعيا أن يكون للقبيلة مثقفوها و نصيبها من الوظائف الحكومية و إعلامها و مهرجاناتها و حتى ممثلوها في البرلمان كما أن لها نصيب في الوزراء و السفراء إلى غير ذلك  من مظاهر المؤسسية التي استطاعت القبلية التلبس بها حتى أكثر من الدولة نفسها .
المهادنة خوفا ...
 أصبحت القبيلة مرجعية ذات بال في مختلف الميادين السياسية و الاجتماعية ليس للأدوار المسندة , إليها بل من خلال قدرتها الكبيرة على الحشد و التجييش و أخطبوطية علاقاتها داخل مفاصل الجهاز الإداري للدولة و هو ما يجعلها وجهة محببة لعديد الشباب الباحثين عن العمل و الأحزاب السياسية التي تريد نفسها مكانا في المعادلة,  فحتى الدولة نفسها تأخذ جزءا من مشروعيتها من القبيلة فلا يمكن أن نتجاهل المشاكل العقارية المحتدمة بين الدولة كسلطة زمنية و القبيلة ككيان اجتماعي ما زال يتملك و يمنح و كان الدولة لم تمر من هنا في أي يوم من الأيام .
بلد المائة جهة ...

يبد أن القبيلة فعلت فعلتها و أحكمت قبضتها على مفاصل المجتمع , فإن كانت الدولة تحكم إلى حد ما مدينة نواكشوط فان القبيلة بدورها تحكم باقي الجهات الأخرى للبلاد و باتت مختلف الفعاليات تقام من خلال جسم قبلي  سواء القبيلة كمكون تقليدي أو في شكل قبيلة المصالح المحكومة بالزبونية و قليل من الجينالوجيا , و هو ما يشكل شللا تاما لمشروع الدولة في موريتانيا , الذي حٌين منذ أزيد من خمسين عام إلى اليوم بسبب مزاحمة القبائلية له حتى في اكبر مفاصله البيروقراطية الإدارية . 

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More