الأربعاء، 7 يونيو، 2017

المشهد الخليجي ... الواقع و المآلات ...

منطقة الخليج في الوقت الحالي على وقع أزمة حقيقية بسبب الصراع على إدارة الشرق الأوسط و السعي من مختلف دول المنطقة إلى التقدم لمركز صناعة القرار ، و يبد هذا الدور كما تفهمه دول الخليج مرهون بالقرب من الولايات المتحدة الأمريكية و السيطرة على خيوط إدارة لعبة الشرق الأوسط ،سواء من خلال ملكية مفاتيح الحركات المسلحة ،  أو التصدي لمواجهة ما يسمى بالإرهاب "السني منه و الشيعي " إضافة إلى القدرة  على تجفيف مصادره (الإخوان المسلمون والمذهب الوهابي ... وغيرها مما يسميها اليمين الغربي الراديكالية الإسلامية) .
عاشت منطقة غرب آسيا في غضون اقل من شهر على حدثين رئيسيين الأول منهما (قرصنة وكالة الأنباء القطرية و بث رسائل معادية للجوار الخليجي ، و ثانيهما تسريب محتوى بريد سفير الإمارات بواشنطن في حادثة من المتوقع أن تعصف بتقارب مجلس التعاون الخليجي "وهو ما حدث بالفعل"، هذا بالإضافة بعض الأحداث ذات العلاقة المباشرة بما يسمى سنيا المشروع الإيراني .
كانت التصريحات المنسوبة إلى أمير دولة قطر بعد ما قال البلد خليجي أنه قرصنة لوكالته أنبائه الرسمية ، موجهة شكلا و منهجا درجة أن حُدد المسؤول عن الجهة المقرصِنة ، و كشف التعامل الإعلامي القاسي من بعض المؤسسات التي سُهر على أن تكون مستقلة ، عن مدى الشرخ الذي تعيشه الدول الخليجية و مدى هشاشة العلاقة في هذا الفضاء "الاقتصادي" و احتدام التنافس بين مجموعة مجلس التعاون الخليجي على النفوذ ، وتصدر قائمة أصدقاء أمريكا في المنطقة ،  و إن كان الصف الخليجي حرص دائما على الظهور بوجه المتآلف ، خاصة في ما يتعلق بالقضية الإيرانية (كما حدث في القمة الخليجية الأمريكية في الرياض ) ،إلا أن قرصنة حساب السفير الإماراتي في أمريكا غيرت هذه الصورة تماما و أظهرت أن "ما خفي أعظم " و مع أن القرصنة لحساب السفير ممولة هي الأخرى و ثمة من ينتظر منها الكثير ، فإنها عكست وجها آخر لدولة الإمارات و طرحت تساؤلات حرجة حول مستقبل التحالف و الجيرة في الخليج ، خاصة مع ظهور معلومات سابقة تقول بمشاركة الأجهزة الأمنية الإماراتية في اغتيال قيادي حماس (المبحوح ) في دبي و وصول العلاقات الخليجية إلى نهايتها مع تكون حلفين بارزين في الجزيرة العربية (حلف العربية السعودية و الإمارات و حلف قطر و الكويت ) و هو ما يجعل عملية عاصفة الحزم في مهب الريح ، إلا إذا فرض على مصر (السيسي )ما  كانت أعلنت عن رفضها له سابقا و هو المشاركة الميدانية على الأرض في اليمن – الذي يجب التذكير باستعصاء حله عسكريا ليس لأن الحوثيين أغلبية شعبية فحسب بل لأن الدعم الذي يوفه الإعلام القطري (للشرعية اليمنية ) في مواجهة الإعلام الموالي للحوثيين يعني أن هذه الحرب ستصبح أكثر توازنا ، خاصة مع التخلي غير المبرر لحكومة (هادي) (المشردة )عن قطر ،و بالتالي خسارة الدعم المالي و الإنساني و الإعلامي القطري ، مشكل آخر سيدفع له الصف العربي وهو أنه على دول "الأطراف" العربية أن تحدد مكانها في الصراع الذي لا يبد اللون الرمادي الذي اختارت الجزائر مناسبا ، فدول المغرب العربي و السودان و القرن الإفريقي كلها مطالبة بالتموقع في صراع الأحلاف الأشقاء و لا مجال لكتلة عدم انحياز بسبب الهشاشة الاقتصادية للكتلة العربية من خارج المجموعة الخليجية إذا استثنينا المغرب الذي يعد حالة خاصة .
العامل الإيراني الذي كان السبب الرئيس في قطع العلاقات الخليجية سيعود بسرعة إلى الواجهة في حال كانت غالبية الدول العربية في الحلف السعودي الإماراتي ، فان قطر التي تضمن المساندة التركية و الأمريكية ستجد نفسها على طاولة مليئة بالخيارات المريحة التي لن يغيب عنها الجار الإيراني المستعد لدفع أي ثمن مقابل إسكات الجزيرة بنسختيها العربية و الانجليزية ، عن مسألة التغلغل في العراق و سوريا و لبنان ووضع برنامج إيران النووي .
الدولة الإسلامية (داعش سابقا) التي حاولت الدول المقاطعة لقطر إقحامها في بياناتها التي أعلنت من خلالها التخلي الكلي عن الإمارة الخليجية ،ليست قضية ذات بال سواء مع التحالف الدولي الذي يتقدم في محاربة التنظيم ، أو الدعم السخي من ترامب لأكراد الشرق الأوسط (قوات سوريا الديمقراطية ) للقضاء عليه ، و حتى عالمية المشروع الذي تعمل داعش على تجسيده .دون نسيان الصدمة الكبرى التي سببها التوجه الإعلامي المضحك من التنظيم  و يكفينا في هذا المقام لمقياس  جدية هذه الدول نموذج (مسلسل غرابيب سود).
 الصراع الخليجي على اللاشيء هو الخيار الوحيد في المدى المنظور ، فان كان من المستحيل أن تخضع الإمارات و السعودية لقطر و تعلن فتح العلاقات التي أغلقت من جانب واحد ، -و هو ما يعني انتصارا معنويا لقطر –فإن مسألة الصراع على صداقة أمريكا  لن تنتهي بنتائج محمودة للدول المتنافسة ، إذا علمنا أن  هذه الأخيرة في عهد  ترامب ليست بحاجة إلى أصدقاء و  إنما إلى عائدات واستثمارات ، وحاضنات جيوستراتيجية في وجه التوسع الروسي، كما أكدت من أول يوم (للنكسة_الخليجية) ، هذا دون نسيان أن التباعد العلني في البيت الخليجي يعني أن الخليج العربي كمفهوم سياسي و جيوستراتيجي ،قد انتهى سيتحول إلى الخليج الفارسي "الذي تتعمد الكثير من دوائر القرار و الإعلام الأمريكي استخدامه في السنوات الماضية).و تبقى مفاتيح الحل بين مجموعة الوجوه الشابة التي تتسيد المشهد حاليا "محمد بن سالمان ، محمد بن زايد ، محمد دحلان ، تميم بن حمد ، ثم أصغرهم سنا الجزيرة "

الاثنين، 5 يونيو، 2017

خمـــسة وجـــــوه

كانت من المرات القلائل بل حتى المرة الوحيدة التي أذكر فيها هذا الوداع الحار من أخي الأصغر ، دائما ما تجاهلنا مسألة المشاعر و العواطف أو على الأقل التعبير عنها بهذه الطريقة ، كنت اركب التاكسي من عند "شتدو" بالميناء بالرغم من أن الساعة تشير إلى العاشرة مساء لم يكن الوضع مقلقا لدرجة ذلك الوداع الفريد ، قاطع صاحب التاكسي اللحظة بكل فجاجة أسرع نحن في وسط الطريق ، قلت في نفسي متى كانت السيارات في موريتانيا تحترم تعليمات المرور .
دخل على ذلك الشد العصبي الذي ركبت به السيارة مبادرة الرجل ذو القبعة الذي كان يجلس في الكرسي الأمامي ، كان يتأفف من هذه العاصمة التي تحتفظ بكل شيء ، عبر باقتضاب و بلاغة منقطعة النظير عن كرهه لنواكشوط  (إنها مدينة لا تمت إلي بصلة أنا أحب ذلك الفضاء الريفي ) يقول الرجل الذي عبر عن اشتياقي لزوجته و أبنائه. بدا الرجل كارها للعاصمة وكل ما فيها حتى انه أبدى اشتياقه لبعض الأموات ، في أثناء حديثه كان الرجل يعدل قبعته التي كانت تختزل كل ما قال ، تلك القبعة التي تجعل من هذا الرجل بالرغم من  تغير كل شيء في حياته و أنه يجد نفسه الآن في الكرسي الأمامي لسيارة متمسكا بكونه مجرد راعي بقر و لا يريد التنازل عن ذلك الجزء منه ، في إحدى المرات التي كان يرفع فيها يده لتعديل وضعية القبعة رن الهاتف ، دخل الرجل ذو القبعة في محادثة باللغة البلارية لم افهم كل شيء ولكن يبد أن احد أبنائه قد أصيب بوعكة صحية و هو قادم إلى نواكشوط  ، سيطر الجمود على السيارة و لكن توقف صاحب السيارة بضغط الفرامل فجأة عاد ليضفي روحا جديدة على تلك الوجوه التي بدأ التأثر يظهر عليها .
ركب شاب في بداية عمره السيارة اخذ وقتا في تعديل وضعية البنطلون الذي أضناه الضيق ، استطعت رؤية ملامحه بوضوح لأنني كنت قد انسحب إلى أقصى الكرسي الخلفي للسيارة ،لو لم يبدأ  الشاب في الحديث على "الواتساب" لعجزنا عن تصنيف إلى أي صنف بشري ينتمي فعدى عن طريقة اللبس كان قد اتخذ من شعره حقل اختبار  لمختلف الجلات أما الأحذية لوحدها تعتبر حمولة للسيارة كان شكله مضحك بقدر ما هو غريب ، ثم بدأ يسرد معاناته لأحد أصدقائه (تعرف putt  هذا الكرد تكاو ابروكسنا الليلة) و الله إنهم كارثة في كل مرة اخرج يجب أن يعتقلوني ، لا ادري اشعر أنهم وجودا لمطاردتي كان الحديث موغلا في الشكوى من الحرس ولكن لم يكن حديثه ذا بال خاصة مع وجود رجل يبد أن ابنه بحاجة إلى النقل للمستشفى .
توقف آخر للسيارة هذه المرة كان رجلا ضخم الجثة ،جندي آخر ينضم إلى السيارة فاندفعت إلى أقصى الكرسي  وكأني  أخاف أن يحطمني الرجل الذي كان يرتدي زيا رسميا ، ولكن مميزا بسبب السكين الذي كان يتدلى إلى جانبه الأيسر  و الذي يتعامل معه وكأنه غير موجود غير الشاب وضعية جلوسه بالكامل تجنبا للسكين الذي اخذ تقريبا مكان جلوس على مقياس التاكسي في موريتانيا ، حيث على أربعة أفراد أن يحشروا في الكرسي الخلفي ، لم يكثر الرجل الحديث و لكنه تضايق كثير من محاولة صاحب التاكسي الحصول على راكب جديد ، كاد الرجل يخنق ساعته من كثرة ما نظر إليها ، و مع ذلك حاول سرد بعض يوميات الجزارين و لكن الشكوى صاحبت لكل ما قال ، كنا في الفترات الماضية لدينا الكثير من الزبناء خاصة نهاية الأسبوع ولكن الآن الأمر تبدل تماما ، الأعياد لم تعد بذلك النشاط  هذه الأيام تتميز عن غيرها ...) ، قاطع السائق صديقنا المستعجل  قبل إنهاء جملته هذه (الداية الرابعة ). نزل الرجل و ركضا باتجاه السوق ثم اختفى في ظلام انقطاع الكهرباء .

كعادتهم سائقوا التاكسي يجدون الفرصة للتذمر ، و خاصة من زبون مزعج كالجزار ذو السكين الكبير ، انثناء تذمر صاحب التاكسي عاد هاتف الرجل ذو القبعة إلى الرنين لم يكن الخبر سارا ولكن أحدا لم يسأل ماذا حدث ، تجنبا لأمن الطرق طلب السائق مني النزول قبل الوصول لمتقى طر (الداية الساته )،  ما إن فتحت نافذة السيارة حتى وقف رجل آخر ، متحدثا إلى السائق ، ( الرابع و العشرين) و سأحجز الكرسي الأمامي ، انسحب الرجل ذو القبعة إلى الكرسي الخلفي دون كلام ، وقتها كنت قد أدرت ظهري مغادرا السيارة مغادرا مع أن الخبر الذي تلقاه الرجل ذو القبعة بقي معي ، ولكن التاكسي فرصة لتبادل  بعض الأشياء فقط وليس كل شيء.

قوة الورقة البيضاء في التعديلات الدستورية

تدخل موريتانيا في تعديلات دستورية وشيكة ، بعد الصعقة التي مثلها رفض الغرفة العليا في البرلمان الموريتاني -التي تسير إلى الحل بسبب التعديلات التي أسقطت- ، مما دفع إلى المادة 38 من الدستور و 
بالتالي إلى الخيار الشعبي ، و مع ذلك فان هذه التعديلات القادمة تضع الكثير من الأوراق الحرجة على الطاولة ، فعدى أنها استفتاء على ولد عبد العزيز مشروعا و شخصا و أن كلفتها المالية أكبر من انعكاساتها على  داعميها ، فإنها تعطي الفرصة للضغط في ملفات أرقت البلاد في الفترة الماضية ، من قبيل إعدام كاتب المقال المسيء و إعادة ترتيب التوازن بين الخزانات الانتخابية إضافة إلى حسم خلافة ولد عبد العزيز أو الاستمرار مأمورية ثالثة ، هذا الجدل يأتي على صوت مجموعة ثالثة تطالب بالوجود على اللوائح الانتخابية ولكن من اجل التصويت الأبيض.
1 – زمن المشاركة السلبية
تهدد الكثير من التيارات التي أعلنت رفضها للتعديلات بإفشال مشروع التصويت و لكن المنتدى و بعض الأحزاب المعارضة الأخرى اثبتوا جميعا فشلهم أمام ولد عبد العزيز منذ أول انتخابات إلى اليوم ،  إلا أن هذه القوى انضافت إليها قوة داعمة في محاولة للي ذراع الحكومة خاصة حين أعلنت بعض الجهات عن ما سمته المشاركة بالحياد إن لم يتم إعدام ولد امخيطير ، هذه الأخيرة و التي اثبت قدرتها على الحشد من خلال ما عرف بتيار النصرة قد تغير الكثير في التوازنات إذا لم تستجب لها الحكومة الساعية إلى تمرير التعديلات بأي ثمن .رجال النصرة والذين يمرون بأول اختبار حقيقي لشعبيتهم وقدرتهم على الوفاء بوعودهم فإنهم مضرون إلى الحفاظ على مصداقيتهم الشعبية من خلال الحفاظ على وسم #الإعدام_للمسيء ، بالرغم من عدم وعيهم بحجم قدرته الشعبية فإنهم يدركون تمام الإدراك أن تحقيق هذا المطلب سيعزز من رصيدهم السياسي و يعطيهم فرصة حقيقية للمساومة على خزانات شعبية كبيرة-على بعد سنة من فتح الباب للرئاسيات- ، هذه الموازنة من الطبيعي أن يركبها التيار الإسلامي أو يستغلها على الأقل كعامل لزيادة مصداقية دعوى رفض التعديلات الدستورية ، هذا التيار قادر على التحول إلى قوة شعبية كبيرة خاصة في حال استطاعت  بعض المشيخيات الصاعدة سياسيا و ذات الرصيد الشعبي في الاستمرار بتهديدها.
فيما يبد لن تكون الحكومة أمام تحدي (لا –نعم) في التعديلات الدستورية بل هي أمام قوة ستتوجه إلى الصندوق ولكن لوضع أوراق بيضاء (ليس إلا) ، كما سيظهر حلف جديد من مختلف التيارات يخدم المصالح الإسلامية واليسارية و حتى التيارات السياسية الأكثر راديكالية ، و إن كانت أقطاب التحالف البارزة الآن هي (المندى و التكتل و بعض الأحزاب المعارضة ) فان المنتدى العالمي لنصرة النبي ذو الشعبية الكبيرة و بعض التنظيمات المشابهة مضطرة إلى الوقوف مع هذه التيارات – بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي و السياسي- ضد التعديلات الدستورية إن أرادت إثبات رسالتها الأم وهي نصرة الرسول"ص".
2 الخليفة المحتوم و الخلاف المزعوم
على ولد عبد العزيز إن أراد الخروج بطريقة "أنيقة" وآمنة سياسيا بل و تليق بحجم الانجازات التي يتحدث عنها أنصاره ،أن يحترم الدستور بكل بساطة (أي الاكتفاء بمأموريتين " ولكن هذه الأخيرة تبد محفوفة بالمخاطر خاصة بسبب الصراع البادي للعيان على خليفة ولد عبد العزيز و كذا التراجع الكبيرة للضغط الذي يمثله الحزب الحاكم ، والذي تحول إلى مؤسسة مجنحة لكل فرد من أفرادها له شعبيته الخاصة يديرها ويحرك حسب الظروف و هو ما يجعله هذه الشعبية (الخزانات الانتخابية )  غير مضمونة إن لم يحصل جميع رجالات الأغلبية على ما يريدون .
و تعد حادثة فشل اجتماع النعمة و خروج بعض المقربين للرئيس في وقت مفاجئ ، والحركة الكبيرة لشخصيات أخرى كلها مؤشرات على الارتباك الذي تعيشه الجبهة الداعمة للرئيس بسبب صعوبة الإجابة على من سيكون الرئيس القادم ؟ ، في وقت لا يخفى فيه أن الحزب الحاكم لم يعد (لم يكن ) المؤسسة المحددة للرئيس القادمة ، وقد وصل هذا الارتباك حتى إلى مدراء الصالونات الاجتماعية التي تتصرف على  [طريقة تبركوا من كل مكان عسى أن يكون فيه السر القادم].
خليفة الرئيس يجب أن تحدد هويته ، ولكن يجب أيضا أن نعرف أن هذا الرئيس يصعب تحديد خصائصه ليس بسبب تعقيد عملية التحول السياسي في العالم الثالث فحسب بل أيضا بسبب بعض التوازنات القبلية و الاجتماعية التي تعني اجتثاثا تاما و كاملا في حال كان الرئيس القادم من خارج الصدوق (على الطريقة الروسية ) ، و هي خصائص يصعب وجودها إلا في أفراد و جماعات بعينها و حتى إن كان دخول هذه القصر الرمادي يعني نهاية مرحلة من تاريخ الجمهورية وبداية عصر جديد بالرغم من ... (سهولة عودة حليمة لعاداتها القديمة ).
قد يكون أصحاب المصالح الآنية و المطالب الملحة هم أكثر من سيستفيد من التعديلات الدستورية – ن استطاعوا الانتظام في تحالف واحد - ، إلا أن فئات أخرى تعيش على دخل يومي ومهما كان قدره تكون أي انتخابات ومهما كان مضمونها فرصة لهم لتحقيق بعض الكسب المادي ، فالفقراء كما هو معلوم ليس لديهم الوقت لاختيار البرامج الأحسن ،لان المراجل الفارغة تريد أي شيء ولكن الآن.


الخميس، 27 أبريل، 2017

تريف السياسة

"الحداثة مشروع لم يكتمل بعد " يورغن هابرماس

يكثر الجدل في علم الاجتماع الحضري حول ظاهرة من قبيل تريف المدينة أو بدونة الحضر  ، و لكن هذه الظاهرة يبد أنها استطاعت أن تمتد إلى السياسة هي الأخرى ،خاصة في جزء العالم الذي تستحكم فيه الديمقراطية الإستدرارية أو ما يمكن الاصطلاح عليه بديمقراطية المصالح الآنية ، هذه الظاهرة و التي كان يعد العالم الثالث هو مركزها بدأت تصعد بعض الشيء في الغرب خاصة مع الحركات الشعبوية و الخطابات العرقية و الفئوية المتعصبة التي اجتاحت الغرب من أمريكا إلى أوروبا و صولا إلى الهند في أقاصي أسيا .
بما أن العالم الثالث بمفهومه الآفروعربي يشار إليه دائما كمعقل لديمقراطيات الممكن ذلك الممكن الذي تسيطر فيه القبيلة على المجال و تصارع فيه الدولة في ابسط أدوارها ، فان تريف السياسة برز بشكل كبير في هذا الفضاء أكثر من غيره حيث تمثل سيطرة القبائل و التحالفات الأولية  على المجال الترابي و الحياتي للناس ملمحا مميزا لهذا الفضاء الذي بدأ بخطوات متسارعة إلى ممارسة الديمقراطية دون تحقيق المناط ، خاصة في جوانب الوعي و توفر الآليات الكفيلة بممارسة سياسية شفافة كحد ادني للفعل الديمقراطي ، هذه السيطرة أتاحت للقبيلة أن تكون مرجعية سياسية و مركز لصنع القرار السياسي بل و فرضت عدم الاتصال بين الأحزاب و القواعد الشعبية التي كان رضا شيخ القبيلة أو المجموعة  يكفي للتعبير عن أصواتها مجتمعة ، بل وتعد كلمته مخزنا انتخابيا بحد ذاتها ، و ذلك للسلطة التي يتمتع بها و هو ما جعل الأحزاب السياسية تميل إلى التعامل مع القبائل ، كفعل اقل صعوبة من التعامل مع عموم المواطنين كنوع من تركيز المصالح على الطريقة الآنجلو_أمريكية .
لا يبد جدل تريف السياسة بعيد عن حالة العودة إلى الجذور التي يمر بها الغرب ، سواء في انتخاب ترامب أو تريزا ماي في انجلترا و التقدم الكبير الذي حققه روته في هلندا و حالة الفشل التي يمر بها اليسار الفرنسي في لحظة تقول الأيام الأخيرة للسباق أن يمينيا(ة) متطرفا (ة) قد يكون الرئيس القادم ، كما أن حالة البداوة أو الهمجية التي تعيشها السياسية تبد حتى أكثر وعيا في العالم الثالث الذي يفضل الغرق في حروب داخلية و مخاضات عسيرة تنتهي عادة بانقلابات عسكرية أو تفويضات شعبية لعساكر جدد ، هذه الحالة تبدو متقدمة بالمقارنة مع الاعتداءات الموجهة ضد المهاجرين أو على أسس دينية في الغرب و سواء من الاعتداء على المساجد و قوانين حظر الحجاب و المظاهر الدينية ، كلها أشكال لبداوة تختلف باختلاف الأمكنة و الثقافات ، حيث يمثل الراهب الهندوسي يوغي أديتياناث.  الذي أصبح يدير حكومة أوتار براديش، أكبر ولاية هندية والتي يعيش فيها 40 مليون مسلم ، وجها آخر لهذه البدونة التي تمر بها السياسة حول العالم  .
بنظرة بسيطة إلى خارطة السياسة العالمية يظهر أن عصر الأذرع  المفتوحة قد ولى في كثير أنحاء العالم ، إذا  استثنينا كندا و دول كانت دائما هامشية في صناعة القرار العالمي ، و بالعودة إلى السياق الموريتاني كنوع من الهروب من أنموذج الاغتراب الفكري ، فإن مسالة تريف السياسة أو حتى ظاهرة الساسة البداة تظهر بقوة ليس في الفعل السياسي فحسب بل في المنطوق الشعبي و الخطاب السياسي ، حيث أن الأحزاب و الجمعيات  هي ملك للأفراد و العمل فيها نمط تداول (الشيخ و المريد) ، و هو ما يجعلها مؤسسات _مع وقف التنفيذ _ مناطقية جهوية و ، في أحسن الأحوال أحزاب تيارات جماعات مصالح ، دون أن يغيب أن القبيلة هي المرجعية الوحيدة للحزب كخزانات شعبية و ورمزية ، بل القبيلة نفسها كمتغير ريفي بدوي تسيطر على الفضاء حتى أصبح دور الدولة متلخص في سد الفراغات التي تعجز القبيلة عنها كالمرافق العمومية و الأمن ... كما يقول البروفسور عبد الودود الشيخ .

الجمعة، 14 أبريل، 2017

[وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ]

يثير إشكال تقسيم الإسلام إلى مذاهب و طوائف و شيع وملل بل حتى نحل ، يراد لها أن تكون بمسحة إسلاموية فالدين الذي انزل ليكون رسالة للبشرية جمعاء (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران 85) فدون نقاش عن أي إسلام نتحدث ؟ بسبب الكثرة الفكرية و التعددية المذهبية ، فان ظاهرة الإسلاموية داخل المذهب الواحد تطرح إشكالا أكثر تحديدا بل وحتى يظهر جوانب من التعقيد في فهم الخطاب الإلهي ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة –رضي الله عنهما - و ان طرح مسألة الحجاب (بمفهومه الواسع) و المصافحة  في بلد [إسلامي الدين، سني الجماعة، مالكي المذهب] و بين مكوناته السنية المالكية تفرض هي الاخرى الاعتماد على مقاربتين أساسيتين( 1 إن كان حراما ! 2 إن كان حلالا !).
تثير وضعية الناظر البسيط إلى المجتمع الموريتاني إشكال الحياتين المتوازيتين و الإسلاميين المتوازيين  (في الشرائح الناطقة بالحسانية ) قريب بالمعايير الوسطية من الإسلام كما هو في الكتاب و السنة و إسلام آخر يبد أكثر اختلافا و امتزاجا بالثقافة الشعبية في الشرائح الزنجية ذات الثقافة الإفريقية "لكور"(ساكني الحضر ) , حيث يبرر السفور و المصافحة كمعلمين مميزين لهذا التصور الأخير للإسلام ، و لكن الإشكال إن الحديث عن هذه الظاهرة لا تصل إلى دواليب القرار أو النخبة  الدينية من الشريحتين ، و لا يتم التعامل في هذا الفصل الزمني بين التصورين النابعين من نفس المذهب لنفس الدين، إلا على تفسيرات ثقافية اجتماعية و إن كانت هذه الأخيرة ذات مشروعية سوسيو ثقافية فإن الخطاب الديني كان أكثر صراحة سواء  بالتأكيد على أن الله يُعبد بما حدد هو و ليس بما يتصوره العباد , كما حالة تحريم الخمر و وزواج المحارم و الطواف عريا حول الكعبة و الاختلاط و حتى تولي المرأة شؤون المسلمين ومسح ظاهر الخف و التقصير ... من الشواهد التي تجعل هذا التبرير في مهب الريح ، كما أن الآيات الصريحة في هذا الإطار تجعل هذا السكوت يحتاج أيضا إلى مراجعة أكثر عمقا انطلاقا من براديغمات أخرى ذات علاقة بالميكانيزمات المجتمعية لموريتانيا "كجسر حضاري بين بعديها العربي و الإفريقي" كما يرى د. محمد سيد أحمد فال ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ.. (النور 31)) .
مع أن مسالة السرد في إشكال إن كان حراما ، سواء من السياق الاجتماعي الذي يقر الظاهرة ولا يرى فيها أي خروج على الدين ، أو من السياق الديني الذي يحرم هذه الطريقة باعتبارها طريق الكبائر (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) (الإسراء 32) ، إلا أن الاستشكال تحت طائلة ما لا يدرك كله لا يترك بعضه تبد هي الأخرى ضعيفة جدا أمام ظاهرة اللاحجاب أو اللاحشمة  فمع الآية السابقة و قريناتها هل بات الستر أو المصافحة "بعضا" ؟

1 إن كان حراما

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (الأحزاب 59)
أين الميزان العدل في مجتمع يحلل لهذه الدخول إلى النار و يسمح لها بالخروج على أوامر دينية لا يمكن أن تصنف في إطار (إدراك البعض) ، و متى كانت الثقافة و الخلفية الاجتماعية هي المحدد للسلوك الديني ، و يكيف يطلب من طبقة العوام تقبل التعامل مع عدة مستويات من الخطاب لنفس النص و لنفس المخاطبين (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) ، فان كان كشف الرأس و المصافحة حراما فل يكن حراما على الكل و إن كان معيار الثقافة الموازية و منطق أن المؤمنات لسن على نفس القدر و لسن مخاطبات جميعا بنفس الإلزام فهذا التصور الأخير رد أيضا (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107) .
إن مسألة (الكورية ) السافرة هي قضية اجتماعية ثقافية بالدرجة الأولى ، ليس البعد نقاش إن كان الحجاب فرضا أو سنة أو محببا إلى غير ذلك من مستويات الإلزام في الخطاب الديني ، إلا أن المثير للإشكال أن يكون حلالا عليها و حرام على (الناطقة بالحسانية ) "البيظانية".

2 إن كان حلالا

لن يكابر أحد في العدد الكبير من الموريتانيات الئي لا يرتدين (غطاء) للرأس و لكن معروف من هن و ممن ! من هنا بالذات يجوز السؤال أي فهم للخطاب الديني هذا الذي يحظر على هؤلاء و لا يسمح لهن بالتمتع بما يتيحه من هامش للبعد الثقافي في التدخل في نمط التدين ؟ فان كان حلالا على "الكوريات" أن يخلعن غطاء الرأس و يصافحن فما المانع من أن يكون ذلك متاحا في شرائح مجتمعية أخرى ، إلا إذا كانت المسالة في مضمونها هي كبرياء اجتماعي و تميز ثقافي و ليس تطبيق ديني لذات الدين الحنيف.[  لَيَنْتَهِيّنَ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الّذينَ مَاتُوا إِنّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنّمَ. أَوْ لَيَكُونُنّ أَهْوَنَ عَلَى اللّهِ مِنَ الْجُعَلِ الّذِي يُدَهْدِهُ الْخرءَ بِأَنْفِهِ. إِنّ اللّهَ قد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبّيّةَ الْجَاهِلِيّةِ وَفَخْرَهَا بِالاَبَاءِ. إِنّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقيّ وَفَاجِرٌ شَقيّ. النّاسُ كُلّهُمْ بَنُو آدَمَ. وآدَمُ خُلِقَ مِنَ تُرَابِ ] أخرجه الترمذي وحسنه.
أو حركة في فلك "الكيتوهات الثقافية " التي تشبه الزجاج العازل نستطيع الرأي من خلاله ولكن لا يمكننا سماع الصوت المنبعث من ورائه و بالتالي تكون عملية التأثير و التأثر مشوشة و تغيب فيها (ردود الفعل (التغذية الاسترجاعية ) feed back "
فالحلال ما حلله الله و الحرام أيضا ما حرم ، و التدين كهامش لتدخل العوامل الثقافية ، بقي دائما في حدوده الدنيا ولم يصل إلى أصول الدين ، بل إن الأمور ذات الطابع الاجتهادي كانت مبعدة إلى حد كبير عن مسألة التدين ، فأي ثقافة لها الحق أو أعطي لها في التجاوز على أركان الشرع، مهما كانت تكون العلة إما في فهم الخطاب أو المخاطُب ، و من عدم الحكمة التصديق بأن الشمال الموريتاني يفهم خطابا دون أن يكون الجنوب جزء من ذلك الفهم إلا إذا لم يكن معنيا ثقافيا و اجتماعيا و وضع مبررات أكثر صراحة منطقية من ما هو موجود الآن . و إلا فإن سؤال [ كيف يقبل أن يكون حلال لهذه وحرام على تلك؟ ]سيبقى يطل برأسه دائما في ظل تحولات لا تضمن معها إن كانت الإجابة ستكون نفسها.  

يبد جدل الحشمة كمفهوم أعمق  دلاليا حتى من الحجاب و النقاب و البرقع "كظاهرة أكثر تطرفا" - كمستويات أو مظاهر للحشمة - المفهوم الأكثر دلالة في المجتمع الموريتاني ولكن هذا التبرير أيضا يبد ضعيفا ، لاعتبارات أن الحشمة كمفهوم يتسم بالكثير من المثالية التي من غير المتاح التقيد بها للجميع ، وليس ثمة دليل أن الرجل الزنجي  أكثر حشمة من أخيه العربي و بالتالي هو لن يقترب من [طريق الزنا] إذا صافح أو كانت الفتاة غير محجبة ، و ليست الفتاة مؤمنة مجاليا من الرجل الذي لا حشمة لديه لاعتبار ثقافة الأبواب المشرعة "الظاهرة التي طبعتها الخيمة في هذا المجتمع " و التي تدرج في إطار الكرم و التسامح و الانفتاح الذي تفرضه معايير الجيرة و القرابة في مجتمع من الأسر الممتدة و الإتكالية المتجذرة .

الأحد، 9 أبريل، 2017

الدولة و قانون "اذهبوا فانتم الطلقاء"

"اذهبوا فانتم الطلقاء"هذا هو الحلم الذي راود العبيد السابقين وبعض المهمشين في موريتانيا و غيرها فحصلوا عليه بموجب مرسوم رئاسي في عهد الرؤساء السابقين  و في فتاوى صادرة عن مجموعة من العلماء في عهد الرئيس الحالي , تعتبر أن أي ممارسة تحمل طابع "العبودية" ليست شرعية وعدى عن السؤال هل يعني هذا أن الممارسات العبودية السابقة كانت شرعية ؟.
فاني أفضل التركيز على لماذا لم يتغير وضع هؤلاء الأرقاء السابقين و من في شاكلتهم , إن الحرية و الديمقراطية و المساواة والمكانة و العدل و القانون ...الخ ليست أشيئا تؤكل أو تشرب و إنما هي شعور يحسه الفرد و يعيشه  في حياته اليومية و تعاملاته الآخر.
و من هنا بالتأكيد تتجلى مشكلة الأرقاء السابقين  . فعلا قيل لهم "اذهبوا فانتم الطلقاء " و خذوا حريتكم و لكن أي حرية هذه لا تحمل إلا مفهومها الأجوف الفارغ  بلا رأسمال ولا تعليم ولا مكانة فالذين تحرروا من الاستعباد فإنهم خضعوا لاستعباد اخطر و أسوء هو استعباد السوق و المشَغلين الجدد فهم أكثر قسوة حتى من الاستعباد نفسه , و ببساطة من حصلوا على الحرية أو اخرجوا من الاستعباد خرجوا دون الحصول على بدائل ولا على فرص حقيقية في الحياة و هو ما دفع العديد منهم للعودة إلى السادة السابقين بالرغم من رفض السادة حتى لعودتهم في بعض الأحيان.
ما هو ضروري لتحمل هذه الحرية معنا ها انه يجب أن يتوفر ما يعكس قيمة هذه الحرية من حرية اقتصادية بالدرجة الأولى والإشراك في التنمية لضمان الاستدامة في مجال الحرية فكلمة حرية بلا معنى إذا لم يكن معها (حق الاختيار و القدرة على الاختيار وملكية وسائل هذا الاختيار و وسائل مستديمة للحفاظ على هذا الاختيار ليكون حرا حقا ...) .
و دونما إغفال لمسألة التعليم الذي يعد مفتاح للمكانة فان الولوج لم يعد مشكلة بحد ذاته بل الاستمرارية هي العائق الأكبر أمام هذه الشرائح التي لا تجد قوتا لأنفسها فلماذا يطلب منها الصبر على التعليم في وقت هي أكثر حاجة إلى جهدها العضلي منه إلى العلم و المعرفة و _إن كان هذا التصور خاطئا بالطبيعة _ولكن ليس حسب التصور العامي لهؤلاء الذين لم يعرفوا يوما قيمة للعلم إلا لأناس ولسماء بعينها (وقد نتوقف هنا عند الوساطة في المسابقات العمومية كأكبر عائق في الفترة الأخيرة على تحمس هذه الشريحة للتعليم ) حيث يعاني اغلب حملة الشهادات _مهما كان نوعها_ من بطالة اكبر من غيرها من الشرائح (مع انه لا يجب أن ننسى ضعف التكوين و اللغات و التدريبات الحرة عن التعليم النظامي التي لا يملكون وسائل الحصول عليها).
مسالة الحرية في المجتمع ليست القول أنت حر فحسب بل القدرة على تغيير القوالب الاجتماعية و النظرة الناتجة عنها , وتجاوز هذه المحددات في بعدها الاجتماعي على أساس انه "قبل أن تقنع الناس أنهم ليسوا عبيدا اقنع المجتمع وقادته أولا بأنهم ليسوا كذالك " ثم بناء تنمية اجتماعية حقيقة تقوم على الاستثمار في البشر و ليس الحجر و تجعل الإنسان أي إنسان هو قطب الرحى في العملية التي يجب أن يكون أول خصائصها الشمولية و اللاتميز على أي أساس , عندها فقط يستطيع الإنسان "معرفة نفسه بنفسه حسب مقولة سقراط " وتبدأ المصطلحات الناتجة عن ترف التنمية تأخذ مكانها بشكل تلقائي في هذا البناء الاجتماعي من قبيل الحرية.. المساواة.. الديمقراطية ..القانون.. العدالة.. المدنية و التطوع (لا يمكنك أن تطلب من الناس التطوع في وقت هم بأمس الحاجة إلى جهدهم لأنفسهم  ... الخ من المصطلحات التي باتت هي عماد المجتمعات الحديثة .
و إن كنا في العالم الثالث نقع في خطأ و ضع الصورة في الإطار وتعليقها على الجدار ثم محاولة تحميضها بعد ذالك لتتضح معالمها , فكل الاتفاقيات الدولية في الحقوق والحريات لا قيمة لها دون بناء تنمية اجتماعية حقيقية لأنه ببساطة (الجياع لا يسالون الحرية و لا والديمقراطية ولا وضعهم  الإنساني أو حرية التعبير و المساواة وإنما يسالون عن لقمة العيش أو شربة الماء و لا يهم أي شيء أخر ).
و بالتالي فان دولنا هي دائما ما تكون دولة كومبرادورية معلقة لا علاقة لها بالواقع المعيش تسن قوانين وتشريعات للمواطنين (الغربيين ) و ليس للرعايا الذين يعيشون في هذه الدول .

"بركم كم من الشعب الموريتاني يعرف أو يسال عن قانون حرية التعبير أو الملكية الفكرية ... الأمثلة كثيرة؟"

ثلاث ابتسامات مزيفة ...

على عجل يرمي الحقيبة ثم ينطلق مسرعا إلى النافذة كعادته في الأسابيع الأخيرة , ولكن اليوم بدا
كأنها علمت أو هكذا اظهر مخيلة عمر , تسارع إلى ذهنه أنها أخذت وقتا أطول في فك وثاق نهديها و كأنه تأخر مفتعل , اختفت المسافة الفاصلة بين الغرفتين و تحولت إلى خطوات ثم استدارة صغيرة الممر خالي فوجد نفسه في الغرفة , دون أن تجد مريم فرصة حتى لتتفاجأ كان يلقي بها عنوة إلى المنضدة المخصصة للزينة ,  دون حتى أن يغلق الباب أو يفكر في ما بعد ثواني النشوة .
وميض برق ...
و أصبحا مستسلمين للواقع و كأن الأرض ما عاد فيها غيرهما , لم يجد عمر ما يقول انسحب من الغرفة و كأن 58 ثانية من سنواته الثلاثين قد محت كل ما عاش و سيعيش , كانت معادلة ظالمة ثواني من نشوة  شيطانية تسلبك كل شيء ثم ستدرك قائلا ألم تجد مكانا أخر لتغيير ملابسها ؟ ألم تكن النافذة مفتوحة عمدا ...؟ , ولكن عودة كابوس تلك اللحظة أصبح أقوى من كل المبررات الأخرى , واصل الخطى خارج المنزل كانت مفوضية الشرطة تبعد حوالي 500 م لا أكثر و كانت التجربة على قصرها  تحمل من البشاعة ما استحق العقاب , عبر الشارع المؤدي إلى مفوضية الميناء 2 أصبح في مقابل الباب الأحمر الكبير مباشرة كان يعرف أن النهاية هنا النهاية بكل ما تحمل الكلمة من معنى _ التنازل عن جميع المشاريع الحياتية الاجتماعية و السياسية ... إنها ببساطة الناهية – وما إن تجاوز السارية  المنصوبة وسط باحة المفوضية شتت تركيزه صوت العلم المتهالك الذي يبد أشبه بشبح علم بسبب تغير لونه و قلة ما بقي منه متشبثا بالحبل الذي يتخذنه الذباب منزلا على السارية التي فعل بها التأكسد فعله , فجأة سُحب من يده بقوة نفس الوجه مرة أخرى وكأنه اليوم يطارده مريم تظهر مرة أخرى .
في رواية أخرى ...
بدت مريم أكثر رباطة جأش و قوة من الفتاة المبتسمة المعتادة وقفت أمام عمر , الذي كان مركزا على عد الأمتار التي تفصل بين عمر قبل نظرة من نافذة وعمر بعد عدة أمتار من مكان قدميه  , قالت مريم بحزم  و صلابة ...
إن كان الندم يفيد فان الزمن سعود إلى الوراء لأنني اعرف انك نادم ...
إن كان العقاب يفيد فما ستعيشه من عذاب يكفي لتُمحى هذه اللحظة إلى الأبد...
إن كان كل ذلك من اجل الصفح ... ها أنا اصفح عنك !
الآن قرر ماذا تريد
هذا كل ما استطاع الألم إن يسحبه من ألفاظ مريم  ثم عادت أدراجها , استغرق عمر في فتفكير عميق و بدت في الأفق حلول أخرى , كان الشرطي يقترب متسائل عفوا ماذا تريد؟.
ثم بعد يومين ...
كانت مريم في المطبخ كعادتها وكأن تلك اللحظة لم  تحدث بالرغم من بعض الآلام التي تجربها للمرة الأولى في حياتها , بدت غير بالية بطريقة معية أو منهزمة أكثر من اللازم , فتح الباب بكامل طاقته لتظهر أم  عمر تدخل متثاقلة بسبب وزنها الزائد , لم تكلف مريم نفسها عناء إلقاء التحية هو طقس اعتادته عندما تكون في صومعة النساء أو المكان الذي يراد للمرأة أن تشعر فيه أن هذا هو نصيبها من الدنيا و كأنه تقديس بطريقة أو بأخرى لجحيم المطبخ .
دخلت مريم غرفة الجلوس كانت قد سمعت كل شيء و هي شبه متأكدة من الإجابة كانت أمها توافق على كل ما يقال بكلمة واحدة (طبعا نحن و انتوم ما اتجون افشي و نرفضوه ) و ضعت السينية المزعجة التي أخذت منها الكثير من التركز بسبب حركة كؤوس المذق ثم عادت إلى الطبخ أكثر استسلاما و خضوعا يبد أن هذه الأسرة مصرة على اخذ كل شيء منها حتى فرصتها في مواصلة التعليم و الحلم بشيء أكثر من الطبخ و النفخ .
يوم ووريت الثراء ...
كانت رائحة البخور وما خالطه من عطور تعج بالمكان كان ذلك الخريف قد طوي فعالا من حياة مريم و لكن في خلدها بقي صوت تلك البراءة يأبى أن يصمت  ... يبد أن هذا هو ما يسمى بالحياة , لحظات من الألم و أخرى من الفرح ولكن  بعض الأشياء من الأحسن أن تموت فينا حتى تدفن معنا و ما علينا إلا أن ننتظر أن  يفرج عنا عزرائيل بتحريرنا من عالم البشر المتوحش .

   

الجمعة، 7 أبريل، 2017

DNA - 07/04/2017 توماهوك على سوريا

الأربعاء، 5 أبريل، 2017

الدولة القبيلة … و القبيلة الدولة

[ إِنَّ الْأَوْطَانَ كَثِيرَةُ الْقَبَائِلِ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فِيهَا الدَّوْلَةَ ]
*****        

تغذى الجدل  السيوسيولوجي وخاصة في جزئية  علم الاجتماع السياسي المهتم  بالدراسة المتمرسة لما هو قبلي مجتمعي في مواجهة ما هو دولاتي مؤسسي و الصراع لم ينجح في حسم النقاشات الكبرى حول إلى أي مدى تطور النظام القبلي و ما هو التطور الذي دخل على نظام القبيلة في زمن بدأت أبعاد الجينالوجيا و الدم تنزاح نسبيا عن مجال تحليل الجسم القبلي  و أي دولة في مواجهة القبلية المستفحلة ؟؟
قبيلة بلا مقومات
منذ إعلان الاستقلال في الثامن و العشرين من نوفمبر أصبحت جميع القبائل رسميا بلا مجال ترابي تملكه لتعطيه و تتحكم فيه و تجعله ملكية خاصة لأعضائها,  هذا التحول فرض على القبيلة أن تكون في مواجهة مباشرة مع الدولة الوليدة التي ملكت الحق في ممارسة السلطة على ( المواطنين ) و المجال هذا التحول دفع بالقبيلة إلى الهامش نسبيا . بالرغم من احتفاظها بغالب مفاتيح المجتمع كنظام الحماية الاجتماعية و التكافل و الفدية و غيرها من مظاهر السلطة الاجتماعية ,  إلا أن هذا لا ينفي كون القبيلة قد أصبحت مجبرة على التكيف مع الواقع الجديد ( فقدان المجال و سلطة الحماية و امتلاك المأوى و الملجأ ) مما دفعها إلى المواجهة في بداية الأمر مع الرئيس المختار ولد داداه الذي اضطر إلى ممارسة الحيل المجتمعية لإقناع الزعامات القبلية بهذا التحول فكان يهدي البنادق و غيرها للقيادات  المجتمعية  سعيا للحصول على ولائهم ,  كما ذكر عنه استضافة بعض الزعامات المجتمعية و بعث مخبرين إلى أماكن سنكم لينقلوا له الأخبار يوميا و ينقلها هو بدوره إلى الزعيم كنوع من تقديم سلطة الدولة على المجال و رسالة تظهر مدى سلطته كرئيس هذا الكيان الجديد.
 التعايش الحذر
في الفترة القريبة من الاستقلال ظلت القبيلة تأخذ مسافة من الدولة قدر المستطاع , و كانت معزولة لعديد الأسباب منها المتعلق بالدولة كمنافس جديد على الولاء الشعبي و منها المتعلق بالقبيلة التي لم تكن بجميع عناصرها على صلة جيدة بالمستعمر الذي كان يصعب الفصل وقتها بينه و الدولة ,  و في أحسن الأحوال تم النظر إلى الدولة كإرث استعماري يجب التروي في التعامل معه ,  ولكن بعد الانقلابات المتلاحقة التي مرت بها الدولة بدأت حتى هيبتها كجسم مغاير تصبح أكثر تلاؤما مع الواقع المحلي ,  و أنها ليست بتلك المنعة المتصورة عنها فمع حكم الرئيس معاوية ولد سيد احمد الطائع تحولت القبيلة إلى جزء من النظام السياسي و أصبحت عبارة عن خزانات انتخابية و مؤسسة سياسية , ولكن من نوع خاص و خاصة في ما يخص التصاقها بقواعدها الشعبية و باتت جزء من المنظومة السياسية للبلاد و حجر زاوية في أي إستراتيجية سياسية و مهما كانت منطلقاتها حداثية .
الحربائية الواعية
بعد أن تعددت الانقلابات العسكرية و أصبح الاستقرار السياسي مطلبا شبه مفقود , كان لابد من واجهات للمصالح و تكتلات لها من الدينامية ما يسمح لها بالحفاظ على مصالح أعضائها مهما كان التحول و طبيعته , و بالتالي كان من الطبيعي أن تنتج الميكانزمان المجتماعية مخرجا أكثر قدرة على مواجهة التحولات العنيفة في المشهد السياسي المتقلب , و بغياب قبيلة المقومات التقليدية كان من الضروري إنتاج تجمعات مصلحية لا تعد الجينالوجيا عاملا حاسما فيها فولد ما يمكن أن يطلق عليه قبيلة المصالح التي أصبحت أكثر مرونة و حركيّة و مطاطية  للأعضاء الجدد , حيث إن ما يوحد أعضاءها هو المصلحة التي توفرها بل بات الجسم القبلي اقرب ما يكون إلى الطبقة التي تجمعها مصالح عملية و هدف معين قد تنفك بانتفاء هذه المصلحة أو بعدم تحقيقها ما هو مطلوب .
 مقارنة مخيفة
 إذا أردنا أن نقيم واقع القبيلة في المجتمع مقارنة بمجتمعات أخرى نجد أنها من أكثر أنواع القبيلة ديمقراطية (مصادرة لمفهوم الديمقراطية) من حيث أنها استطاعت التغلغل في الجسم الدولاتي و اثبتت كومبرادورية الدولة و عدم ملامستها للواقع في كثير الأحيان, و من نتائج هذا الذوبان في جسم الدولة بات طبيعيا أن يكون للقبيلة مثقفوها و نصيبها من الوظائف الحكومية و إعلامها و مهرجاناتها و حتى ممثلوها في البرلمان كما أن لها نصيب في الوزراء و السفراء إلى غير ذلك  من مظاهر المؤسسية التي استطاعت القبلية التلبس بها حتى أكثر من الدولة نفسها .
المهادنة خوفا ...
 أصبحت القبيلة مرجعية ذات بال في مختلف الميادين السياسية و الاجتماعية ليس للأدوار المسندة , إليها بل من خلال قدرتها الكبيرة على الحشد و التجييش و أخطبوطية علاقاتها داخل مفاصل الجهاز الإداري للدولة و هو ما يجعلها وجهة محببة لعديد الشباب الباحثين عن العمل و الأحزاب السياسية التي تريد نفسها مكانا في المعادلة,  فحتى الدولة نفسها تأخذ جزءا من مشروعيتها من القبيلة فلا يمكن أن نتجاهل المشاكل العقارية المحتدمة بين الدولة كسلطة زمنية و القبيلة ككيان اجتماعي ما زال يتملك و يمنح و كان الدولة لم تمر من هنا في أي يوم من الأيام .
بلد المائة جهة ...

يبد أن القبيلة فعلت فعلتها و أحكمت قبضتها على مفاصل المجتمع , فإن كانت الدولة تحكم إلى حد ما مدينة نواكشوط فان القبيلة بدورها تحكم باقي الجهات الأخرى للبلاد و باتت مختلف الفعاليات تقام من خلال جسم قبلي  سواء القبيلة كمكون تقليدي أو في شكل قبيلة المصالح المحكومة بالزبونية و قليل من الجينالوجيا , و هو ما يشكل شللا تاما لمشروع الدولة في موريتانيا , الذي حٌين منذ أزيد من خمسين عام إلى اليوم بسبب مزاحمة القبائلية له حتى في اكبر مفاصله البيروقراطية الإدارية . 

الأربعاء، 8 مارس، 2017

نســــــاء بلا بـــــركة ......... الشيخ الحسن البمباري

هن زينة البيوت و عمائم الرجال و هن نصف الدنيا و أمهات النصف الآخر هن الأمن والحنان و الجنان عند أقدامهن و هن... و هن.. وكفاهن ففخرا أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمك ثم أمك ثم أمك ...الخ الحديث ,
و مع كل ذلك الحياة لم تعطي لهن فرصة حقيقية في مختلف المجتمعات فمن غرب اقتصرت نظرته للمرأة على أنها تجارة وسلعة ووجه لتسويق إعلانات الشكلا و الشامبو و آخر الموضات إلى شرق تولد فيه المرأة و الخطيئة توأمان حسب نظرة مجتمع لا يرحم ولا يفسح المجال للمرأة لتكون إنسان .
موريتانيا ليست بدعا و لا استثناءا من نزع البركة هذا عن المرأة فبالرغم من المكانة التي تحظى بها في مختلف الشرائح و الطبقات الاجتماعية الزنجية منها و البيظانية (العربية والبربرية) , فان مكانة المرأة في الحياة داخل المجال المعروف اليوم بموريتانيا كانت دائما تتميز بالدونية  و اللامشاركة .
لم تكن المرأة يوما إلا زينة في بيت الرجل وليس بيتها و حتى تناقلت العديد من الآثار في التراث الموريتاني (عدم السماح للمرأة برد السلام داخل المنزل إذا كان الرجل غائبا " فتصوروا كم حييت بتحية ولم ترد") .
ولكن تراتبية بركة النساء في المجتمع الموريتاني تميزت بنوع من التمييز من شريحة إلى أخرى ومن مجموعة إلى مجموعة.
فالمرأة الزنجية مثلا كانت ومازالت الأنشط في المنزل والأقل مكانة تقوم بكل الأدوار ولا دور لها في القرارات داخل الأسرة بل يعقد مجلس شورى الأسرة على الرجال مع أن المرأة هي من (تحلب و تطبخ وتزرع ... )الخ من أنشطة الحياة اليومية . و في الحضر اليوم لم يتغير أي شيء نساء يغسلن الثياب و يحفظ العاصمة شبرا شبرا لامتهانهن غسيل الثياب و (تزيين الرأس "ألي") و مع كل ذلك لا بركة لهن يسلمن دخلهن المالي إلى الرجل و إن كان الطقس في المجتمع الزنجي يقتضي أن يتسلم كبير العائلة كل مدخولات الأسرة فهذا لا يعني أن المرأة غير محرومة من إنتاج هي اكبر فاعل فيه .
امرأة أخرى هي الأقل بركة بعد الزنجية المرأة "لمعلمة" بالغم من نشاطها من الصباح إلى آخر الليل حسب ظروف العمل و اتجاهها إلى النشاط مبكرا في العمر فالرجل داخل شريحة لمعلمين اقل سيطرة من الرجل الزنجي إلا أن ذلك لا ينعكس على مكانه كفاعل في قرارات العائلة حيث على الجميع الامتثال ... فالمرأة لمعلمة تشرف على إدارة المنزل كسابقتها إلا أن ما يميزها أنها  أكثر إنتاجية و نشاط حتى من غيرها لامتهانها أكثر من مهنة حرفية (الحناء- التطريز –التزيين في الأعراس – القيام بنصف عمل الرجل تقريبا في المجال الحرفي من دباغة وغيرها ...) و لم يشفع لها هذا الجهد في اعتراف ولو صغير بهذه البركة داخل منزل فلان الرجل و الأمر هنا يتعدى العصمة كمفهوم  فقهي إلى نظام اجتماعي محكم لا يقبل أي بركة للنساء مهما كان جهدهن.
في الصف الثالث تنزل المرأة الحرطانية و البيظانية فنظرا للتداخل الاجتماعي الذي يصل حد التجانس تكاد نسب البركة تكون متساوية بين هاتين و إن تقدمت المرأة البيظانية لقلة جهدها داخل المنزل و إن اطلعت بدور لا تمارسه أي من النساء الأخريات وهو دور الإدارة الكاملة للمنزل من الإشراف على (أمور الأقارب و الأصهار من عطايا و مخصصات..) و تتحمل الفضيحة بشكل مباشر إذا قصرت فإنها في مواقف أخرى كثيرا مات تدفع إلى ظل الرجل و سنقتصر على القول الدارج في غالب الأسر الحسانية "إذا أخطا الأبناء أبناء المرأة وان أجادوا و أبدعوا أبناء الرجل ), و لا تتميز ادوار  المرأة في شريحة لحراطين عن هذه و إن كانت أنشطة أخرى تمارس في هذه الشريحة تجد المرأة نفسها صاحبة الدور الفاعل فيها . ممارسة الزراعة ...الخ.
بالمحصلة امرأة مهما كان لونها و شريحتها ما يميزها أنها امرأة بلا بركة و بالرغم من ثقل الدور الملقى على عاتقها و المكانة التي يتصور المجتمع انه يضع فيها المرأة فهي لم تصل بعد حد ما دعى إليه الدين الإسلامي بل و تجسد في شخص أمنا عائشة رضي الله عنها  التي اخذ عنها نصف الدين .

و ما تزال المرأة الموريتانية بالرغم من تقلدتها مناصب سامية  في الدولة باحثة عن حاجة أسمى من التعيين و المشاركة  وهو "البركة" و جعل عملها عملا يقدر فعلا سواء داخل البيت أو خارجه و تطبق في الجملة العامية "ألا نزل فيه البركة أو شوف قيمتها "  سواء على التنمية أو على المجتمع .

ما أعظمها "المرأة" / الشيخ الحسن البمباري

من المؤكد انك مثلي أدمنتك و أنت أيضا أدمنت العبارة الشهيرة "وراء كل رجل عظيم امرأة" حتى وصل بك الأمر الثمالة ولكن هل
 من العدل أن يشيع قول كهذا في وقت ثمة ملايين الرجال الفاشلين وهم بالضرورة خلفهم نساء فان كانت المرأة هي سر النجاح فلماذا ثمة رجال فاشلون وخلفهم آم و أخت خالة ...وزوجة ويتمنون لهم النجاح فإما يكون الأمر عادي لأنه من الطبيعي أن لا تلحق النساء بالرجل الفاشل و يكن خلف الرجل الناجح ولكن هذا الكلام بلا دلالة أو معنى إذا  ما قورن بقيمة المرأة في الدين الإسلامي الحنيف ...
الحقيقة ثمة من يركض خلف الغرب بلا نور ولا هدى و يغترف من مقولاته دون ادني تمحيص أو حتى سؤال لماذا ... فهل خطر ببالنا التغني بمكانة المرأة في الإسلام  وكم هي مكرمة معززة فيكفيها فخرا أن الجنة تحت أقدامها و أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال أمك ثم أمك ثم أمك... إن المرأة في الحقيقة ليست بحاجة إلى كونها وصفة للنجاح لتثبت عظمتها  فهي راوية الحديث "أمنا عائشة" وسيدة المحاربات "بنت الأزور " وقاضية سوق المدينة وذات النطاقين و كانسة المسجد النبوي وقاطعة رأس الكافر يوم الأحزاب و مشاركة في البيعة الأولى وداعية ومرشدة وموجهة في جميع عصور هذا الدين.
المرأة في الإسلام أكثر عزة ومكانة- ففي القرآن سورة كاملة باسمها -  من أي ثقافة أخرى ... إنها... و إنها  ..فهي . إما ابنة تعتق من النار  أباها أو  زوجة تكمل نصف دين زوجها أو أم الجنة تحت أقدامها ...
فمهما ابتغينا لها العزة فلن تكون تلك المكانة أعلى مما أعطاها الإسلام وأكرم مما كرمها و أكثر صونا لكرامتها ومكانتها وقيمتها من الإسلام.   
تقول سيدة أمريكية أسلمت لو كان بإمكاني لصرخت بكل نساء العالمين ليعرفوا كم قدر الإسلام النساء واجلهن وأكرمهن ولكن نحن البشر كما يقول هوبز "لذئاب لبعضنا البعض "فنحن من شوه صورة المرأة وحولها إلى سلعة وتجارة تباع وتشترى . في سوق لا رحمة فيه

أعزكم الله وثبتكم تحية إلى" واهبة الحياة" حسب الرومان  الأم المرآة. 

الاثنين، 27 فبراير، 2017

كيف دمرت "mad inchina " النظام الاجتماعي الموريتاني

يرى الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت أن الأطر التي يقوم عليها المجتمع و التي تحقق الإشباع لجميع الاحتياجات تبقى تحكم هذا المجتمع إلى أن تصبح عاجزة عن تحقيق الإشباع , فتتم عملية إبدال لهذه  الأطر القديمة بأخرى جديدة تتماشى مع التغيرات التي يعيشها هذا المجتمع , و لكن هذا الإبدال كما يقول كونت من أول شروطه أن يكون إبدالا داخليا من المجتمع نفسه و ليس عملية إدخال خارجي من مستنسخة أو مستجلبة من جهات خارجية .

أ

يعرف عن النظام الاجتماعي الموريتاني قيامه على تراتبية وظيفية تعطي لكل شريحة أدوارها الخاصة و دون منافسة من الشرائح  الأخرى و بقي هذا النظام يحكم هذا الفضاء الذي طبعت القبيلة - كغيره من المجتمعات العربية -  تاريخه إلى اليوم و بقيت هذه الأخيرة توزع أعضاءها حسب الحاجة لهم لسد فراغات في النظام الاجتماعي فكان ثمة "لعرب" و هم أصحاب السلاح  و "الزوايا" و كانت مهمتهم ثقافية دينية و" لحراطين " وكانت مهمتهم فلاحية خدمية ثم "لمعلمين " و كانوا يهتمون بالجانب الحرفي و الصناعي و "إيقاون " وكانوا ذوا الدور الفني...  الخ , وهكذا تقسمت الأدوار في باقي المكونات الاجتماعية بما فيها النخبة (المجتمعية ) و العناصر المكونة الأخرى "اللحمة"  . استطاع هذا النموذج الاستمرار لوقت طويل بالرغم من الاختلالات التي  طبعته سواء في الشكل أو في المضمون .

ب

على الرغم من طول فترة التي صمد فيها هذا النظام الاجتماعي , فانه اظهر حاجته إلى التعديل و هشاشته , إذ إننا لم نتجاوز بعد ستين سنة من الاستقلال حتى نزلت بعض الشرائح المكونة لهذا النظام مطالبة بحقوقها و بدأت الشرائح الأخرى بالنزول تباعا , و هذا ما تسبب فيه بشكل مباشر الانفتاح الذي شهدته البلاد في  المجال الاقتصادي بشكل خاص و هو ما اثر كثير في الانتقال السلس و التحول من مركزية القبيلة إلى مركزية الدولة  كحالة اجتماعية تتيح فرصا أمام جميع أعضاء النظام الاجتماعي , وتعيد تقسيم الأدوار  وظيفيا وبالاعتماد على إبدال أكثر ملاءمة و تناسبا من سابقه الذي تم تجاوزه لاعتبارات أهمها فقدان القبيلة لأهم خصائصها وهو المجال الترابي و سلطة الرعاية العسكرية و السياسية لأعضائها.

ج

يظهر الخلل الكبير الذي أصاب النظام الاجتماعي بعد مرحلة التحول , إن البلاد لم تستطع في عهد الدولة الأمة أن تحافظ لجميع الشرائح على ادوار داخل النسق الوظيفي للمجتمع و هو ما جعلها عرضة لظروف اقتصادية قاسية دفعتها للمطالبة بحقها ليس فقط في التنمية و بل في المشاركة الفاعلة في صنع التنمية كوسيلة  للتمكين , و لكن شيئا كهذا كان عصي الحدوث في بلد لا يملك أي قوة إنتاجية ,  ولم يستطع التحول إلى مجتمع صناعي منتج و إنما انتقل مباشرة إلى مجتمع مورد لكل شيء حتى ابسط الحاجات , فأصبحت غالبية الشرائح الاجتماعية التي بدأت تصل مرحلة الوعي بذاتها , تطالب بشكل علني بحقوق اقتصادية بالدرجة الأولى إلا أن هذه المطالبة تحولت إلى مطالب أخرى سياسية و ثقافية و إثنية و دخلت في مواجهة مباشرة مع النظام السياسي الذي مهد برأيها لهذا التهميش و الإقصاء الذي أنتج جيوشا من العاطلين و الفقراء  مع الانعدام الكبير لفرص عمل في وجه الوفرة القادمة من الصين .

د

كان من الطبيعي أن يكون لحراطين أول من ينزل الشارع , نظرا لاعتمادهم على الفلاحة وما يرتبط بها من أنشطة , و الهجرة من الريف إلى مدن لا مصانع فيها وتعيش على الاستيراد,  جعلهم عرضة للإقصاء سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي , و ذلك لان الدور الذي كانوا يقومون به بات الآن من نصيب إبدال خارجي هو ماركة (صنع في الصين ) , التي سيطرت على كل شيء و حلت محل إحدى مكونات النسق الاجتماعي , و في المرحلة الموالية نزلت شريحة لمعلمين بعد ما تحول التهديد إلى مصدر رزقهم ( الصناعات التقليدية ) التي باتت السوق الصينية منافسا فيها أيضا خاصة بسبب الوفرة و البضائع الرخيصة , دفعت هذه الشريحة أيضا إلى الشارع من اجل الحفاظ على دورها و مكانتها داخل النسق الاجتماعي كممارسة للصناعة وبعض الفنون الجميلة , و لا يستبعد أن تنزل الشرائع الأخرى تباعا كلما تم تهديد أدوارها التي تتسلمها من قبل النسق الاجتماعي والعكس صحيح , و بالتالي من غير المحتمل في المدى المنظور أن نجد حراكا مشابها لما يحدث في كل من لحراطين و لمعلمين في شريحة كايقاون على اعتبار احتكارها لمهنة الفن (الغناء دون أي منافس ) " ولنا في برنامج النغمة الذهبية اكبر دليل على سيطرة هذه المجموعة على هذا المجال الذي يصنف ملكية خاصة و يحظر اجتماعيا وفقهيا على غير المنحدرين جينالوجيا من هذه الأسر [ وان كانت تجدر الإشارة إلى أن الشرائح الفقيرة بدأت تخلق فنانيها  و  لذلك في ردة فعل على ارتفاع أجور النخبة من الفنانين المنحدرين من اسر إيقاون التقليدين].

هـ

إن مسالة الإبدال الاجتماعي هي عملية معقدة خاصة في مرحلة ما بعد التحولات الكبيرة كالجفاف و الاستقلال أو ما يسمى بالتحولات الاجتماعية و الانزياحات التاريخية التي تحدث ما يشبه التحول في مجرى التاريخ الاجتماعي , و مع ذلك تبقى مسألة مراعاة جميع مكونات النسق الاجتماعي هي الضمان الوحيد أن لا تخرج بعض أجزاء هذا النسق معترضة عليه , و محتجة على أنها لم تعد تلعب أي دور داخل النسق العام للمجتمع و هو ما يدفعا إلى المواجهة المباشرة , فمن الحكمة أن تكون الدولة ما بعد الاستقلال كانت مدركة لمدى تعقيد عمليات الانتقال في النسق الاجتماعي , و هو ما يجعل منها حريصة على أن تحتفظ جميع المكونات الاجتماعية بمكان لها في الأدوار التي يوزعه المجتمع , فلو دفع بأبناء الشرائح الصناعية والعاملة في الأنساق القديمة إلى المصانع و المشاريع الخدمية لما كانت البلاد عرضة لعديد الحركات المطالبة بالعدالة الاجتماعية و المشتكية من الظلم و التهميش , و التي تقول ببساطة إنها ملت العيش عالة على النسق الاجتماعي و البقاء متطفلة,  و الآن تريد أدوارا تقوم بها داخل هذا النسق كما كان الأمر في السابق لا أكثر و لا اقل .

و

من المعروف ان الظاهرة الاجتماعية لها عدو جوانب و أبعاد و لكن المطالب التي رفعها هذه الشرائح من قبيل (العدالة الاجتماعية و الإشراك الاقتصادي و التمكين و حق الحياة الكريمة ... الخ ) كلها مؤشرات تؤكد محورية التحليل الاقتصادي في دراسة النسق الاجتماعي سواء بالنسبة لموريتانيا أو غيرها .


يقول وينستون اتشريشل ( إن أي إنسان في مرحلة الشباب يجب أن يكون شيوعيا إلا إذا كان  ليس له قلب و في مرحلة الكهولة يجب أن يصبح رأسماليا  إلا إذا كان ليس له عقل )

الجمعة، 24 فبراير، 2017

الشيخ الحسن الوالد: من باريس إلى سيناء وصولا إلى شارل ديجول والسوخوي

http://www.raialyoum.com/?p=350481






تمثل ظاهرة داعش المبرر الجديد للإسلاموفوبيا حسب البعض و ما هي إلا امتداد لوحشية الإسلام المتطرف حسب الآخرين .

وان كان الواقع انه ليس ثمة إسلام معتل ليكون هناك إسلام متطرف( فالإسلام كله اعتدال) إلا أن مسالة الأطراف في الإسلام كانت نظرية تفتيتية صاغها الغرب و ابتلعها المسلمون بكل سذاجة  و لبسوا التصنيف على أساس انه المقاس المناسب لهم فانقسموا (يمينا ويسارا داخل الجبة الدينية الواحدة).

هذه الوحشية الداعشية عاشها العالم من إفريقيا الى الشرق الأوسط مرورا بآسيا, إلا أن العالم لم يشعر بوحشيتها  إلا بعد أن استيقظت باريس وعلى مرتين على وقع صفير إنذار دخول داعش إلى القارة العجوز و كلها في باريس وبين ضربتي باريس أسقطت طائرة روسية في سيناء “العالمية”.

وما هي إلا أيام حتى أصبحت “السوخوي” الروسية تصب حممها في ربوع سوريا,  ولم يحتج العالم إلا أيام أخر حتى احتلت البوارج الحربية الروسية  بحر قزوين و تعطل الطيار المدني في المنطقة , ثم تجلت ملامح الحرب الحقيقية بتحرك فخر الصناعة العسكرية الفرنسية “شارل ديجول” إلى شرق المتوسط وعلى متنها ستين طائرة عسكرية فرنسية .

ونتيجة هذا الحشد الأوروبي عُرفت طريق الرقة للمخابرات العالمية بعد قرابة الشهر من القصف الروسي الذي لم تصب قذيفة واحدة منه مدينة الرقة (عاصمة دولة الدولة الإسلامية “المزعومة”).

 الأسئلة المطروحة للمرحلة لماذا تأخر الغرب هكذا؟ و كيف تحولت روسيا من الشيطان الأكبر إلى الملاك الحارس للعام من الإرهاب ؟و هل نحن أمام حلف روسي مع أمريكا وحلفائها ؟. وهل كان الغرب جاد في حرب داعش قبل هجمات باريس وسيناء؟. ولما تتجاهل الولايات المتحدة الحرب الدائرة ضد داعش هكذا؟ وهل ستكرر فرنسا خطأ الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ؟ و ما هو دور تركيا و الجزيرة في هذه المرحلة خاصة بعد قيام الأولى من كراسي التفرج إلى الاشتراك في تقويض الحرب على الإرهاب (و الكلام لبوتين) واستمرار الأخرى في المواكبة ؟

من العدل القول أن داعش قد فاجأت العالم في وقت كان الكل يعتقد أنها في طور العمل الداخلي على تثبيت أركان الدولة الوليدة المترامية الأطراف, و الغرب يعتقد انه آخر أهداف التنظيم الغارق في معمعان الشرق الأوسط ,فان داعش كان أكثر وعيا بالظروف و مرونة في الحركة حيث نجح في ما فشل فيه التنظيم الأم القاعدة ” خلق حلف بين الأعداء الأوروبيين” بعدما تأكد للغرب انه ليس بأمان .

هذا التحول في أسلوب الحركات الجهادية هو ما دفع الغرب إلى التخلي عن تقاعسه عن حروب الشرق الأوسط بل و التنازل عن عقوباته على روسيا و تجاهل أزمة أوكرانيا و بالتالي تغيير النظرة إلى روسيا بشكل كلي بل بات التقارب الفرنسي الروسي يُملي التواصل بين أمريكا و روسيا ,التي تملك ثقلا استراتيجيا في المنطقة (سواء في علاقاتها بالأسد أو قواعدها الساحلية في سوريا). ثم إن هذه الحرب على الإرهاب المزعوم تضع إشكالا أكثر تعقيدا أليس ما يحدث في نيجريا و الكامرون و اختطاف مئتي طالبة من مدرسة في نيجيريا منذ العامين من طرف “بوكو حرام” إرهاب ؟ فلما لم تذهب شارل ديجول أو “السوخوي “لإيقاف القتل و التقتيل في إفريقيا بالرغم من إعلان هذه الحركة ولاءها لداعش و مبايعتها للبغدادي.

إذا فالحرب على الإرهاب هي حرب مصالح ومنافع إستراتيجية وليست حرب تحرير للمنطقة كما يروج الغرب فلو كانت كذالك لما وصلنا إلى هنا لأن (روسيا كانت فعلا في سوريا و أمريكا كانت في العراق و فرنسا كانت في الشمال الإفريقي) ومع ذالك هذه هي اكبر مصانع الجهاديين الجدد فهل من الصدفة أن يلبس هؤلاء والإرهاب و نفس اللحاف و يفترشون نفس الحصير ؟ أم أن هؤلاء مبرر ولوجود أولائك (و بالتالي الإرهاب طينة في يد رسام يفعل بها ما يشاء).

و إن كان الشعب الأمريكي بعد العراق ليس صاحب مزاج حربي فان وجود قوات من النخبة الأمريكية مع المعارضة السورية المسلحة و برنامج تدريب أمريكا لقوات من مما فضلت تسميتها بالمعارضة المعتدلة ينفي حقيقة عدم جديتها باتجاه داعش و لكن الحقيقة تقول أن المصالح الروسية في القضاء نهائيا على داعش اكبر بكثير ,فالتنظيم الذي يشمل المئات من القوقازيين و الشيشان … الخ هو تهديد حقيقي للأمن القومي لروسيا في حال رجوع كتائب كاملة للدفاع عن حقوقها في شرق أوروبا. وان كان هذا الخوف مبررا فان الروس فيما يبدو أكثر قلقا على مصير الرئيس السوري بشار الأسد الذي مثلت هجمات فرنسا و الطائرة الروسية فرصة له لينسى العالم خمس سنوات من القتل و التهجير ضد الشعب السوري الذي يمثل الآن القلق الأكبر للغرب وسواء بما يمثله من تحول اجتماعي في أوروبا و كفرصة لتمرير مجاهدين كما حدث مع فرنسا وبلجيكا.

حلف الأطلسي بالرغم من كونه صقر على الحدود التركية فلم يكن يوما ذا بال في الصراع إلا يوم قررت تركيا إسقاط طائرة روسية فهل هو تذمر تركي من احتلال واضح لمياه الشرق الأوسط المحيطة بالجمهورية التركية أم أن تركيا تقلد إيران في عدم التخلي عن الحلفاء, و إن بررت تركيا باختراق مجالها الجوي فان ردها بالتأكيد ذو دلالة اكبر بكثير .و بدى في الوقت الراهن موقف الجزيرة هو الأكثر ترثيا و فضلت المواكبة على الريادة (فهجمات باريس في عيونها “توصف بالإرهابية”و داعش “تنظيم الدولة” وسوريا “تحت القصف الروسي” و”شارل ديجول خبر هامشي “.

أطراف أخرى و جدت لها مكان على في ساحة الحرب هذه وان كان أبرزها حزب الله الذي دخل لحماية المراقد الشيعية وه اليوم يحمي الرئيس السوري الذي لم يعد بحاجة لبعث الجيش –العربي- -السوري- إلى الجنوب على اعتبار انه لم يعد عربيا صرفا بوجود كتائب إيرانية و أفغانية … و لم يعد سوريا أيضا إن أضيف إلى الأسباب السابقة وجود حزب الله اللبناني .

الساحة إذا اتضحت معالمها العالم في حرب على الإرهاب ولكن العالم اليوم أصبح روسيا و فرنسا و إيران وحزب الله و الرئيس السوري و الإرهاب هو داعش السورية و تفجيرات في أوروبا أو إسقاط طائرة تحمل ركاب غربيين أو حتى طيارين.

إن المبدأ دائما التجريم لأي ترويع للإنسان فالصدقية تفرض القول أن حرب الإرهاب و التهليل و التطبيل المرافق لها ما هو إلا ترسيخ لفوبيا الآخر المضاد و مرحلة ما بعد صراع الحضارات و دخول في صراع الاستراتيجيات و دليل أننا حقا خرجنا من الحرب الباردة إلى حرب من نوع جديد تماما.