الخميس، 27 أبريل 2017

تريف السياسة

"الحداثة مشروع لم يكتمل بعد " يورغن هابرماس

يكثر الجدل في علم الاجتماع الحضري حول ظاهرة من قبيل تريف المدينة أو بدونة الحضر  ، و لكن هذه الظاهرة يبد أنها استطاعت أن تمتد إلى السياسة هي الأخرى ،خاصة في جزء العالم الذي تستحكم فيه الديمقراطية الإستدرارية أو ما يمكن الاصطلاح عليه بديمقراطية المصالح الآنية ، هذه الظاهرة و التي كان يعد العالم الثالث هو مركزها بدأت تصعد بعض الشيء في الغرب خاصة مع الحركات الشعبوية و الخطابات العرقية و الفئوية المتعصبة التي اجتاحت الغرب من أمريكا إلى أوروبا و صولا إلى الهند في أقاصي أسيا .
بما أن العالم الثالث بمفهومه الآفروعربي يشار إليه دائما كمعقل لديمقراطيات الممكن ذلك الممكن الذي تسيطر فيه القبيلة على المجال و تصارع فيه الدولة في ابسط أدوارها ، فان تريف السياسة برز بشكل كبير في هذا الفضاء أكثر من غيره حيث تمثل سيطرة القبائل و التحالفات الأولية  على المجال الترابي و الحياتي للناس ملمحا مميزا لهذا الفضاء الذي بدأ بخطوات متسارعة إلى ممارسة الديمقراطية دون تحقيق المناط ، خاصة في جوانب الوعي و توفر الآليات الكفيلة بممارسة سياسية شفافة كحد ادني للفعل الديمقراطي ، هذه السيطرة أتاحت للقبيلة أن تكون مرجعية سياسية و مركز لصنع القرار السياسي بل و فرضت عدم الاتصال بين الأحزاب و القواعد الشعبية التي كان رضا شيخ القبيلة أو المجموعة  يكفي للتعبير عن أصواتها مجتمعة ، بل وتعد كلمته مخزنا انتخابيا بحد ذاتها ، و ذلك للسلطة التي يتمتع بها و هو ما جعل الأحزاب السياسية تميل إلى التعامل مع القبائل ، كفعل اقل صعوبة من التعامل مع عموم المواطنين كنوع من تركيز المصالح على الطريقة الآنجلو_أمريكية .
لا يبد جدل تريف السياسة بعيد عن حالة العودة إلى الجذور التي يمر بها الغرب ، سواء في انتخاب ترامب أو تريزا ماي في انجلترا و التقدم الكبير الذي حققه روته في هلندا و حالة الفشل التي يمر بها اليسار الفرنسي في لحظة تقول الأيام الأخيرة للسباق أن يمينيا(ة) متطرفا (ة) قد يكون الرئيس القادم ، كما أن حالة البداوة أو الهمجية التي تعيشها السياسية تبد حتى أكثر وعيا في العالم الثالث الذي يفضل الغرق في حروب داخلية و مخاضات عسيرة تنتهي عادة بانقلابات عسكرية أو تفويضات شعبية لعساكر جدد ، هذه الحالة تبدو متقدمة بالمقارنة مع الاعتداءات الموجهة ضد المهاجرين أو على أسس دينية في الغرب و سواء من الاعتداء على المساجد و قوانين حظر الحجاب و المظاهر الدينية ، كلها أشكال لبداوة تختلف باختلاف الأمكنة و الثقافات ، حيث يمثل الراهب الهندوسي يوغي أديتياناث.  الذي أصبح يدير حكومة أوتار براديش، أكبر ولاية هندية والتي يعيش فيها 40 مليون مسلم ، وجها آخر لهذه البدونة التي تمر بها السياسة حول العالم  .
بنظرة بسيطة إلى خارطة السياسة العالمية يظهر أن عصر الأذرع  المفتوحة قد ولى في كثير أنحاء العالم ، إذا  استثنينا كندا و دول كانت دائما هامشية في صناعة القرار العالمي ، و بالعودة إلى السياق الموريتاني كنوع من الهروب من أنموذج الاغتراب الفكري ، فإن مسالة تريف السياسة أو حتى ظاهرة الساسة البداة تظهر بقوة ليس في الفعل السياسي فحسب بل في المنطوق الشعبي و الخطاب السياسي ، حيث أن الأحزاب و الجمعيات  هي ملك للأفراد و العمل فيها نمط تداول (الشيخ و المريد) ، و هو ما يجعلها مؤسسات _مع وقف التنفيذ _ مناطقية جهوية و ، في أحسن الأحوال أحزاب تيارات جماعات مصالح ، دون أن يغيب أن القبيلة هي المرجعية الوحيدة للحزب كخزانات شعبية و ورمزية ، بل القبيلة نفسها كمتغير ريفي بدوي تسيطر على الفضاء حتى أصبح دور الدولة متلخص في سد الفراغات التي تعجز القبيلة عنها كالمرافق العمومية و الأمن ... كما يقول البروفسور عبد الودود الشيخ .

الجمعة، 14 أبريل 2017

[وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ]

يثير إشكال تقسيم الإسلام إلى مذاهب و طوائف و شيع وملل بل حتى نحل ، يراد لها أن تكون بمسحة إسلاموية فالدين الذي انزل ليكون رسالة للبشرية جمعاء (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران 85) فدون نقاش عن أي إسلام نتحدث ؟ بسبب الكثرة الفكرية و التعددية المذهبية ، فان ظاهرة الإسلاموية داخل المذهب الواحد تطرح إشكالا أكثر تحديدا بل وحتى يظهر جوانب من التعقيد في فهم الخطاب الإلهي ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة –رضي الله عنهما - و ان طرح مسألة الحجاب (بمفهومه الواسع) و المصافحة  في بلد [إسلامي الدين، سني الجماعة، مالكي المذهب] و بين مكوناته السنية المالكية تفرض هي الاخرى الاعتماد على مقاربتين أساسيتين( 1 إن كان حراما ! 2 إن كان حلالا !).
تثير وضعية الناظر البسيط إلى المجتمع الموريتاني إشكال الحياتين المتوازيتين و الإسلاميين المتوازيين  (في الشرائح الناطقة بالحسانية ) قريب بالمعايير الوسطية من الإسلام كما هو في الكتاب و السنة و إسلام آخر يبد أكثر اختلافا و امتزاجا بالثقافة الشعبية في الشرائح الزنجية ذات الثقافة الإفريقية "لكور"(ساكني الحضر ) , حيث يبرر السفور و المصافحة كمعلمين مميزين لهذا التصور الأخير للإسلام ، و لكن الإشكال إن الحديث عن هذه الظاهرة لا تصل إلى دواليب القرار أو النخبة  الدينية من الشريحتين ، و لا يتم التعامل في هذا الفصل الزمني بين التصورين النابعين من نفس المذهب لنفس الدين، إلا على تفسيرات ثقافية اجتماعية و إن كانت هذه الأخيرة ذات مشروعية سوسيو ثقافية فإن الخطاب الديني كان أكثر صراحة سواء  بالتأكيد على أن الله يُعبد بما حدد هو و ليس بما يتصوره العباد , كما حالة تحريم الخمر و وزواج المحارم و الطواف عريا حول الكعبة و الاختلاط و حتى تولي المرأة شؤون المسلمين ومسح ظاهر الخف و التقصير ... من الشواهد التي تجعل هذا التبرير في مهب الريح ، كما أن الآيات الصريحة في هذا الإطار تجعل هذا السكوت يحتاج أيضا إلى مراجعة أكثر عمقا انطلاقا من براديغمات أخرى ذات علاقة بالميكانيزمات المجتمعية لموريتانيا "كجسر حضاري بين بعديها العربي و الإفريقي" كما يرى د. محمد سيد أحمد فال ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ.. (النور 31)) .
مع أن مسالة السرد في إشكال إن كان حراما ، سواء من السياق الاجتماعي الذي يقر الظاهرة ولا يرى فيها أي خروج على الدين ، أو من السياق الديني الذي يحرم هذه الطريقة باعتبارها طريق الكبائر (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) (الإسراء 32) ، إلا أن الاستشكال تحت طائلة ما لا يدرك كله لا يترك بعضه تبد هي الأخرى ضعيفة جدا أمام ظاهرة اللاحجاب أو اللاحشمة  فمع الآية السابقة و قريناتها هل بات الستر أو المصافحة "بعضا" ؟

1 إن كان حراما

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (الأحزاب 59)
أين الميزان العدل في مجتمع يحلل لهذه الدخول إلى النار و يسمح لها بالخروج على أوامر دينية لا يمكن أن تصنف في إطار (إدراك البعض) ، و متى كانت الثقافة و الخلفية الاجتماعية هي المحدد للسلوك الديني ، و يكيف يطلب من طبقة العوام تقبل التعامل مع عدة مستويات من الخطاب لنفس النص و لنفس المخاطبين (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) ، فان كان كشف الرأس و المصافحة حراما فل يكن حراما على الكل و إن كان معيار الثقافة الموازية و منطق أن المؤمنات لسن على نفس القدر و لسن مخاطبات جميعا بنفس الإلزام فهذا التصور الأخير رد أيضا (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107) .
إن مسألة (الكورية ) السافرة هي قضية اجتماعية ثقافية بالدرجة الأولى ، ليس البعد نقاش إن كان الحجاب فرضا أو سنة أو محببا إلى غير ذلك من مستويات الإلزام في الخطاب الديني ، إلا أن المثير للإشكال أن يكون حلالا عليها و حرام على (الناطقة بالحسانية ) "البيظانية".

2 إن كان حلالا

لن يكابر أحد في العدد الكبير من الموريتانيات الئي لا يرتدين (غطاء) للرأس و لكن معروف من هن و ممن ! من هنا بالذات يجوز السؤال أي فهم للخطاب الديني هذا الذي يحظر على هؤلاء و لا يسمح لهن بالتمتع بما يتيحه من هامش للبعد الثقافي في التدخل في نمط التدين ؟ فان كان حلالا على "الكوريات" أن يخلعن غطاء الرأس و يصافحن فما المانع من أن يكون ذلك متاحا في شرائح مجتمعية أخرى ، إلا إذا كانت المسالة في مضمونها هي كبرياء اجتماعي و تميز ثقافي و ليس تطبيق ديني لذات الدين الحنيف.[  لَيَنْتَهِيّنَ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الّذينَ مَاتُوا إِنّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنّمَ. أَوْ لَيَكُونُنّ أَهْوَنَ عَلَى اللّهِ مِنَ الْجُعَلِ الّذِي يُدَهْدِهُ الْخرءَ بِأَنْفِهِ. إِنّ اللّهَ قد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبّيّةَ الْجَاهِلِيّةِ وَفَخْرَهَا بِالاَبَاءِ. إِنّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقيّ وَفَاجِرٌ شَقيّ. النّاسُ كُلّهُمْ بَنُو آدَمَ. وآدَمُ خُلِقَ مِنَ تُرَابِ ] أخرجه الترمذي وحسنه.
أو حركة في فلك "الكيتوهات الثقافية " التي تشبه الزجاج العازل نستطيع الرأي من خلاله ولكن لا يمكننا سماع الصوت المنبعث من ورائه و بالتالي تكون عملية التأثير و التأثر مشوشة و تغيب فيها (ردود الفعل (التغذية الاسترجاعية ) feed back "
فالحلال ما حلله الله و الحرام أيضا ما حرم ، و التدين كهامش لتدخل العوامل الثقافية ، بقي دائما في حدوده الدنيا ولم يصل إلى أصول الدين ، بل إن الأمور ذات الطابع الاجتهادي كانت مبعدة إلى حد كبير عن مسألة التدين ، فأي ثقافة لها الحق أو أعطي لها في التجاوز على أركان الشرع، مهما كانت تكون العلة إما في فهم الخطاب أو المخاطُب ، و من عدم الحكمة التصديق بأن الشمال الموريتاني يفهم خطابا دون أن يكون الجنوب جزء من ذلك الفهم إلا إذا لم يكن معنيا ثقافيا و اجتماعيا و وضع مبررات أكثر صراحة منطقية من ما هو موجود الآن . و إلا فإن سؤال [ كيف يقبل أن يكون حلال لهذه وحرام على تلك؟ ]سيبقى يطل برأسه دائما في ظل تحولات لا تضمن معها إن كانت الإجابة ستكون نفسها.  

يبد جدل الحشمة كمفهوم أعمق  دلاليا حتى من الحجاب و النقاب و البرقع "كظاهرة أكثر تطرفا" - كمستويات أو مظاهر للحشمة - المفهوم الأكثر دلالة في المجتمع الموريتاني ولكن هذا التبرير أيضا يبد ضعيفا ، لاعتبارات أن الحشمة كمفهوم يتسم بالكثير من المثالية التي من غير المتاح التقيد بها للجميع ، وليس ثمة دليل أن الرجل الزنجي  أكثر حشمة من أخيه العربي و بالتالي هو لن يقترب من [طريق الزنا] إذا صافح أو كانت الفتاة غير محجبة ، و ليست الفتاة مؤمنة مجاليا من الرجل الذي لا حشمة لديه لاعتبار ثقافة الأبواب المشرعة "الظاهرة التي طبعتها الخيمة في هذا المجتمع " و التي تدرج في إطار الكرم و التسامح و الانفتاح الذي تفرضه معايير الجيرة و القرابة في مجتمع من الأسر الممتدة و الإتكالية المتجذرة .

الأحد، 9 أبريل 2017

الدولة و قانون "اذهبوا فانتم الطلقاء"

"اذهبوا فانتم الطلقاء"هذا هو الحلم الذي راود العبيد السابقين وبعض المهمشين في موريتانيا و غيرها فحصلوا عليه بموجب مرسوم رئاسي في عهد الرؤساء السابقين  و في فتاوى صادرة عن مجموعة من العلماء في عهد الرئيس الحالي , تعتبر أن أي ممارسة تحمل طابع "العبودية" ليست شرعية وعدى عن السؤال هل يعني هذا أن الممارسات العبودية السابقة كانت شرعية ؟.
فاني أفضل التركيز على لماذا لم يتغير وضع هؤلاء الأرقاء السابقين و من في شاكلتهم , إن الحرية و الديمقراطية و المساواة والمكانة و العدل و القانون ...الخ ليست أشيئا تؤكل أو تشرب و إنما هي شعور يحسه الفرد و يعيشه  في حياته اليومية و تعاملاته الآخر.
و من هنا بالتأكيد تتجلى مشكلة الأرقاء السابقين  . فعلا قيل لهم "اذهبوا فانتم الطلقاء " و خذوا حريتكم و لكن أي حرية هذه لا تحمل إلا مفهومها الأجوف الفارغ  بلا رأسمال ولا تعليم ولا مكانة فالذين تحرروا من الاستعباد فإنهم خضعوا لاستعباد اخطر و أسوء هو استعباد السوق و المشَغلين الجدد فهم أكثر قسوة حتى من الاستعباد نفسه , و ببساطة من حصلوا على الحرية أو اخرجوا من الاستعباد خرجوا دون الحصول على بدائل ولا على فرص حقيقية في الحياة و هو ما دفع العديد منهم للعودة إلى السادة السابقين بالرغم من رفض السادة حتى لعودتهم في بعض الأحيان.
ما هو ضروري لتحمل هذه الحرية معنا ها انه يجب أن يتوفر ما يعكس قيمة هذه الحرية من حرية اقتصادية بالدرجة الأولى والإشراك في التنمية لضمان الاستدامة في مجال الحرية فكلمة حرية بلا معنى إذا لم يكن معها (حق الاختيار و القدرة على الاختيار وملكية وسائل هذا الاختيار و وسائل مستديمة للحفاظ على هذا الاختيار ليكون حرا حقا ...) .
و دونما إغفال لمسألة التعليم الذي يعد مفتاح للمكانة فان الولوج لم يعد مشكلة بحد ذاته بل الاستمرارية هي العائق الأكبر أمام هذه الشرائح التي لا تجد قوتا لأنفسها فلماذا يطلب منها الصبر على التعليم في وقت هي أكثر حاجة إلى جهدها العضلي منه إلى العلم و المعرفة و _إن كان هذا التصور خاطئا بالطبيعة _ولكن ليس حسب التصور العامي لهؤلاء الذين لم يعرفوا يوما قيمة للعلم إلا لأناس ولسماء بعينها (وقد نتوقف هنا عند الوساطة في المسابقات العمومية كأكبر عائق في الفترة الأخيرة على تحمس هذه الشريحة للتعليم ) حيث يعاني اغلب حملة الشهادات _مهما كان نوعها_ من بطالة اكبر من غيرها من الشرائح (مع انه لا يجب أن ننسى ضعف التكوين و اللغات و التدريبات الحرة عن التعليم النظامي التي لا يملكون وسائل الحصول عليها).
مسالة الحرية في المجتمع ليست القول أنت حر فحسب بل القدرة على تغيير القوالب الاجتماعية و النظرة الناتجة عنها , وتجاوز هذه المحددات في بعدها الاجتماعي على أساس انه "قبل أن تقنع الناس أنهم ليسوا عبيدا اقنع المجتمع وقادته أولا بأنهم ليسوا كذالك " ثم بناء تنمية اجتماعية حقيقة تقوم على الاستثمار في البشر و ليس الحجر و تجعل الإنسان أي إنسان هو قطب الرحى في العملية التي يجب أن يكون أول خصائصها الشمولية و اللاتميز على أي أساس , عندها فقط يستطيع الإنسان "معرفة نفسه بنفسه حسب مقولة سقراط " وتبدأ المصطلحات الناتجة عن ترف التنمية تأخذ مكانها بشكل تلقائي في هذا البناء الاجتماعي من قبيل الحرية.. المساواة.. الديمقراطية ..القانون.. العدالة.. المدنية و التطوع (لا يمكنك أن تطلب من الناس التطوع في وقت هم بأمس الحاجة إلى جهدهم لأنفسهم  ... الخ من المصطلحات التي باتت هي عماد المجتمعات الحديثة .
و إن كنا في العالم الثالث نقع في خطأ و ضع الصورة في الإطار وتعليقها على الجدار ثم محاولة تحميضها بعد ذالك لتتضح معالمها , فكل الاتفاقيات الدولية في الحقوق والحريات لا قيمة لها دون بناء تنمية اجتماعية حقيقية لأنه ببساطة (الجياع لا يسالون الحرية و لا والديمقراطية ولا وضعهم  الإنساني أو حرية التعبير و المساواة وإنما يسالون عن لقمة العيش أو شربة الماء و لا يهم أي شيء أخر ).
و بالتالي فان دولنا هي دائما ما تكون دولة كومبرادورية معلقة لا علاقة لها بالواقع المعيش تسن قوانين وتشريعات للمواطنين (الغربيين ) و ليس للرعايا الذين يعيشون في هذه الدول .

"بركم كم من الشعب الموريتاني يعرف أو يسال عن قانون حرية التعبير أو الملكية الفكرية ... الأمثلة كثيرة؟"

ثلاث ابتسامات مزيفة ...

على عجل يرمي الحقيبة ثم ينطلق مسرعا إلى النافذة كعادته في الأسابيع الأخيرة , ولكن اليوم بدا
كأنها علمت أو هكذا اظهر مخيلة عمر , تسارع إلى ذهنه أنها أخذت وقتا أطول في فك وثاق نهديها و كأنه تأخر مفتعل , اختفت المسافة الفاصلة بين الغرفتين و تحولت إلى خطوات ثم استدارة صغيرة الممر خالي فوجد نفسه في الغرفة , دون أن تجد مريم فرصة حتى لتتفاجأ كان يلقي بها عنوة إلى المنضدة المخصصة للزينة ,  دون حتى أن يغلق الباب أو يفكر في ما بعد ثواني النشوة .
وميض برق ...
و أصبحا مستسلمين للواقع و كأن الأرض ما عاد فيها غيرهما , لم يجد عمر ما يقول انسحب من الغرفة و كأن 58 ثانية من سنواته الثلاثين قد محت كل ما عاش و سيعيش , كانت معادلة ظالمة ثواني من نشوة  شيطانية تسلبك كل شيء ثم ستدرك قائلا ألم تجد مكانا أخر لتغيير ملابسها ؟ ألم تكن النافذة مفتوحة عمدا ...؟ , ولكن عودة كابوس تلك اللحظة أصبح أقوى من كل المبررات الأخرى , واصل الخطى خارج المنزل كانت مفوضية الشرطة تبعد حوالي 500 م لا أكثر و كانت التجربة على قصرها  تحمل من البشاعة ما استحق العقاب , عبر الشارع المؤدي إلى مفوضية الميناء 2 أصبح في مقابل الباب الأحمر الكبير مباشرة كان يعرف أن النهاية هنا النهاية بكل ما تحمل الكلمة من معنى _ التنازل عن جميع المشاريع الحياتية الاجتماعية و السياسية ... إنها ببساطة الناهية – وما إن تجاوز السارية  المنصوبة وسط باحة المفوضية شتت تركيزه صوت العلم المتهالك الذي يبد أشبه بشبح علم بسبب تغير لونه و قلة ما بقي منه متشبثا بالحبل الذي يتخذنه الذباب منزلا على السارية التي فعل بها التأكسد فعله , فجأة سُحب من يده بقوة نفس الوجه مرة أخرى وكأنه اليوم يطارده مريم تظهر مرة أخرى .
في رواية أخرى ...
بدت مريم أكثر رباطة جأش و قوة من الفتاة المبتسمة المعتادة وقفت أمام عمر , الذي كان مركزا على عد الأمتار التي تفصل بين عمر قبل نظرة من نافذة وعمر بعد عدة أمتار من مكان قدميه  , قالت مريم بحزم  و صلابة ...
إن كان الندم يفيد فان الزمن سعود إلى الوراء لأنني اعرف انك نادم ...
إن كان العقاب يفيد فما ستعيشه من عذاب يكفي لتُمحى هذه اللحظة إلى الأبد...
إن كان كل ذلك من اجل الصفح ... ها أنا اصفح عنك !
الآن قرر ماذا تريد
هذا كل ما استطاع الألم إن يسحبه من ألفاظ مريم  ثم عادت أدراجها , استغرق عمر في فتفكير عميق و بدت في الأفق حلول أخرى , كان الشرطي يقترب متسائل عفوا ماذا تريد؟.
ثم بعد يومين ...
كانت مريم في المطبخ كعادتها وكأن تلك اللحظة لم  تحدث بالرغم من بعض الآلام التي تجربها للمرة الأولى في حياتها , بدت غير بالية بطريقة معية أو منهزمة أكثر من اللازم , فتح الباب بكامل طاقته لتظهر أم  عمر تدخل متثاقلة بسبب وزنها الزائد , لم تكلف مريم نفسها عناء إلقاء التحية هو طقس اعتادته عندما تكون في صومعة النساء أو المكان الذي يراد للمرأة أن تشعر فيه أن هذا هو نصيبها من الدنيا و كأنه تقديس بطريقة أو بأخرى لجحيم المطبخ .
دخلت مريم غرفة الجلوس كانت قد سمعت كل شيء و هي شبه متأكدة من الإجابة كانت أمها توافق على كل ما يقال بكلمة واحدة (طبعا نحن و انتوم ما اتجون افشي و نرفضوه ) و ضعت السينية المزعجة التي أخذت منها الكثير من التركز بسبب حركة كؤوس المذق ثم عادت إلى الطبخ أكثر استسلاما و خضوعا يبد أن هذه الأسرة مصرة على اخذ كل شيء منها حتى فرصتها في مواصلة التعليم و الحلم بشيء أكثر من الطبخ و النفخ .
يوم ووريت الثراء ...
كانت رائحة البخور وما خالطه من عطور تعج بالمكان كان ذلك الخريف قد طوي فعالا من حياة مريم و لكن في خلدها بقي صوت تلك البراءة يأبى أن يصمت  ... يبد أن هذا هو ما يسمى بالحياة , لحظات من الألم و أخرى من الفرح ولكن  بعض الأشياء من الأحسن أن تموت فينا حتى تدفن معنا و ما علينا إلا أن ننتظر أن  يفرج عنا عزرائيل بتحريرنا من عالم البشر المتوحش .

   

الجمعة، 7 أبريل 2017

DNA - 07/04/2017 توماهوك على سوريا

الأربعاء، 5 أبريل 2017

الدولة القبيلة … و القبيلة الدولة

[ إِنَّ الْأَوْطَانَ كَثِيرَةُ الْقَبَائِلِ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فِيهَا الدَّوْلَةَ ]
*****        

تغذى الجدل  السيوسيولوجي وخاصة في جزئية  علم الاجتماع السياسي المهتم  بالدراسة المتمرسة لما هو قبلي مجتمعي في مواجهة ما هو دولاتي مؤسسي و الصراع لم ينجح في حسم النقاشات الكبرى حول إلى أي مدى تطور النظام القبلي و ما هو التطور الذي دخل على نظام القبيلة في زمن بدأت أبعاد الجينالوجيا و الدم تنزاح نسبيا عن مجال تحليل الجسم القبلي  و أي دولة في مواجهة القبلية المستفحلة ؟؟
قبيلة بلا مقومات
منذ إعلان الاستقلال في الثامن و العشرين من نوفمبر أصبحت جميع القبائل رسميا بلا مجال ترابي تملكه لتعطيه و تتحكم فيه و تجعله ملكية خاصة لأعضائها,  هذا التحول فرض على القبيلة أن تكون في مواجهة مباشرة مع الدولة الوليدة التي ملكت الحق في ممارسة السلطة على ( المواطنين ) و المجال هذا التحول دفع بالقبيلة إلى الهامش نسبيا . بالرغم من احتفاظها بغالب مفاتيح المجتمع كنظام الحماية الاجتماعية و التكافل و الفدية و غيرها من مظاهر السلطة الاجتماعية ,  إلا أن هذا لا ينفي كون القبيلة قد أصبحت مجبرة على التكيف مع الواقع الجديد ( فقدان المجال و سلطة الحماية و امتلاك المأوى و الملجأ ) مما دفعها إلى المواجهة في بداية الأمر مع الرئيس المختار ولد داداه الذي اضطر إلى ممارسة الحيل المجتمعية لإقناع الزعامات القبلية بهذا التحول فكان يهدي البنادق و غيرها للقيادات  المجتمعية  سعيا للحصول على ولائهم ,  كما ذكر عنه استضافة بعض الزعامات المجتمعية و بعث مخبرين إلى أماكن سنكم لينقلوا له الأخبار يوميا و ينقلها هو بدوره إلى الزعيم كنوع من تقديم سلطة الدولة على المجال و رسالة تظهر مدى سلطته كرئيس هذا الكيان الجديد.
 التعايش الحذر
في الفترة القريبة من الاستقلال ظلت القبيلة تأخذ مسافة من الدولة قدر المستطاع , و كانت معزولة لعديد الأسباب منها المتعلق بالدولة كمنافس جديد على الولاء الشعبي و منها المتعلق بالقبيلة التي لم تكن بجميع عناصرها على صلة جيدة بالمستعمر الذي كان يصعب الفصل وقتها بينه و الدولة ,  و في أحسن الأحوال تم النظر إلى الدولة كإرث استعماري يجب التروي في التعامل معه ,  ولكن بعد الانقلابات المتلاحقة التي مرت بها الدولة بدأت حتى هيبتها كجسم مغاير تصبح أكثر تلاؤما مع الواقع المحلي ,  و أنها ليست بتلك المنعة المتصورة عنها فمع حكم الرئيس معاوية ولد سيد احمد الطائع تحولت القبيلة إلى جزء من النظام السياسي و أصبحت عبارة عن خزانات انتخابية و مؤسسة سياسية , ولكن من نوع خاص و خاصة في ما يخص التصاقها بقواعدها الشعبية و باتت جزء من المنظومة السياسية للبلاد و حجر زاوية في أي إستراتيجية سياسية و مهما كانت منطلقاتها حداثية .
الحربائية الواعية
بعد أن تعددت الانقلابات العسكرية و أصبح الاستقرار السياسي مطلبا شبه مفقود , كان لابد من واجهات للمصالح و تكتلات لها من الدينامية ما يسمح لها بالحفاظ على مصالح أعضائها مهما كان التحول و طبيعته , و بالتالي كان من الطبيعي أن تنتج الميكانزمان المجتماعية مخرجا أكثر قدرة على مواجهة التحولات العنيفة في المشهد السياسي المتقلب , و بغياب قبيلة المقومات التقليدية كان من الضروري إنتاج تجمعات مصلحية لا تعد الجينالوجيا عاملا حاسما فيها فولد ما يمكن أن يطلق عليه قبيلة المصالح التي أصبحت أكثر مرونة و حركيّة و مطاطية  للأعضاء الجدد , حيث إن ما يوحد أعضاءها هو المصلحة التي توفرها بل بات الجسم القبلي اقرب ما يكون إلى الطبقة التي تجمعها مصالح عملية و هدف معين قد تنفك بانتفاء هذه المصلحة أو بعدم تحقيقها ما هو مطلوب .
 مقارنة مخيفة
 إذا أردنا أن نقيم واقع القبيلة في المجتمع مقارنة بمجتمعات أخرى نجد أنها من أكثر أنواع القبيلة ديمقراطية (مصادرة لمفهوم الديمقراطية) من حيث أنها استطاعت التغلغل في الجسم الدولاتي و اثبتت كومبرادورية الدولة و عدم ملامستها للواقع في كثير الأحيان, و من نتائج هذا الذوبان في جسم الدولة بات طبيعيا أن يكون للقبيلة مثقفوها و نصيبها من الوظائف الحكومية و إعلامها و مهرجاناتها و حتى ممثلوها في البرلمان كما أن لها نصيب في الوزراء و السفراء إلى غير ذلك  من مظاهر المؤسسية التي استطاعت القبلية التلبس بها حتى أكثر من الدولة نفسها .
المهادنة خوفا ...
 أصبحت القبيلة مرجعية ذات بال في مختلف الميادين السياسية و الاجتماعية ليس للأدوار المسندة , إليها بل من خلال قدرتها الكبيرة على الحشد و التجييش و أخطبوطية علاقاتها داخل مفاصل الجهاز الإداري للدولة و هو ما يجعلها وجهة محببة لعديد الشباب الباحثين عن العمل و الأحزاب السياسية التي تريد نفسها مكانا في المعادلة,  فحتى الدولة نفسها تأخذ جزءا من مشروعيتها من القبيلة فلا يمكن أن نتجاهل المشاكل العقارية المحتدمة بين الدولة كسلطة زمنية و القبيلة ككيان اجتماعي ما زال يتملك و يمنح و كان الدولة لم تمر من هنا في أي يوم من الأيام .
بلد المائة جهة ...

يبد أن القبيلة فعلت فعلتها و أحكمت قبضتها على مفاصل المجتمع , فإن كانت الدولة تحكم إلى حد ما مدينة نواكشوط فان القبيلة بدورها تحكم باقي الجهات الأخرى للبلاد و باتت مختلف الفعاليات تقام من خلال جسم قبلي  سواء القبيلة كمكون تقليدي أو في شكل قبيلة المصالح المحكومة بالزبونية و قليل من الجينالوجيا , و هو ما يشكل شللا تاما لمشروع الدولة في موريتانيا , الذي حٌين منذ أزيد من خمسين عام إلى اليوم بسبب مزاحمة القبائلية له حتى في اكبر مفاصله البيروقراطية الإدارية . 

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More