الاثنين، 27 فبراير، 2017

كيف دمرت "mad inchina " النظام الاجتماعي الموريتاني

يرى الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت أن الأطر التي يقوم عليها المجتمع و التي تحقق الإشباع لجميع الاحتياجات تبقى تحكم هذا المجتمع إلى أن تصبح عاجزة عن تحقيق الإشباع , فتتم عملية إبدال لهذه  الأطر القديمة بأخرى جديدة تتماشى مع التغيرات التي يعيشها هذا المجتمع , و لكن هذا الإبدال كما يقول كونت من أول شروطه أن يكون إبدالا داخليا من المجتمع نفسه و ليس عملية إدخال خارجي من مستنسخة أو مستجلبة من جهات خارجية .

أ

يعرف عن النظام الاجتماعي الموريتاني قيامه على تراتبية وظيفية تعطي لكل شريحة أدوارها الخاصة و دون منافسة من الشرائح  الأخرى و بقي هذا النظام يحكم هذا الفضاء الذي طبعت القبيلة - كغيره من المجتمعات العربية -  تاريخه إلى اليوم و بقيت هذه الأخيرة توزع أعضاءها حسب الحاجة لهم لسد فراغات في النظام الاجتماعي فكان ثمة "لعرب" و هم أصحاب السلاح  و "الزوايا" و كانت مهمتهم ثقافية دينية و" لحراطين " وكانت مهمتهم فلاحية خدمية ثم "لمعلمين " و كانوا يهتمون بالجانب الحرفي و الصناعي و "إيقاون " وكانوا ذوا الدور الفني...  الخ , وهكذا تقسمت الأدوار في باقي المكونات الاجتماعية بما فيها النخبة (المجتمعية ) و العناصر المكونة الأخرى "اللحمة"  . استطاع هذا النموذج الاستمرار لوقت طويل بالرغم من الاختلالات التي  طبعته سواء في الشكل أو في المضمون .

ب

على الرغم من طول فترة التي صمد فيها هذا النظام الاجتماعي , فانه اظهر حاجته إلى التعديل و هشاشته , إذ إننا لم نتجاوز بعد ستين سنة من الاستقلال حتى نزلت بعض الشرائح المكونة لهذا النظام مطالبة بحقوقها و بدأت الشرائح الأخرى بالنزول تباعا , و هذا ما تسبب فيه بشكل مباشر الانفتاح الذي شهدته البلاد في  المجال الاقتصادي بشكل خاص و هو ما اثر كثير في الانتقال السلس و التحول من مركزية القبيلة إلى مركزية الدولة  كحالة اجتماعية تتيح فرصا أمام جميع أعضاء النظام الاجتماعي , وتعيد تقسيم الأدوار  وظيفيا وبالاعتماد على إبدال أكثر ملاءمة و تناسبا من سابقه الذي تم تجاوزه لاعتبارات أهمها فقدان القبيلة لأهم خصائصها وهو المجال الترابي و سلطة الرعاية العسكرية و السياسية لأعضائها.

ج

يظهر الخلل الكبير الذي أصاب النظام الاجتماعي بعد مرحلة التحول , إن البلاد لم تستطع في عهد الدولة الأمة أن تحافظ لجميع الشرائح على ادوار داخل النسق الوظيفي للمجتمع و هو ما جعلها عرضة لظروف اقتصادية قاسية دفعتها للمطالبة بحقها ليس فقط في التنمية و بل في المشاركة الفاعلة في صنع التنمية كوسيلة  للتمكين , و لكن شيئا كهذا كان عصي الحدوث في بلد لا يملك أي قوة إنتاجية ,  ولم يستطع التحول إلى مجتمع صناعي منتج و إنما انتقل مباشرة إلى مجتمع مورد لكل شيء حتى ابسط الحاجات , فأصبحت غالبية الشرائح الاجتماعية التي بدأت تصل مرحلة الوعي بذاتها , تطالب بشكل علني بحقوق اقتصادية بالدرجة الأولى إلا أن هذه المطالبة تحولت إلى مطالب أخرى سياسية و ثقافية و إثنية و دخلت في مواجهة مباشرة مع النظام السياسي الذي مهد برأيها لهذا التهميش و الإقصاء الذي أنتج جيوشا من العاطلين و الفقراء  مع الانعدام الكبير لفرص عمل في وجه الوفرة القادمة من الصين .

د

كان من الطبيعي أن يكون لحراطين أول من ينزل الشارع , نظرا لاعتمادهم على الفلاحة وما يرتبط بها من أنشطة , و الهجرة من الريف إلى مدن لا مصانع فيها وتعيش على الاستيراد,  جعلهم عرضة للإقصاء سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي , و ذلك لان الدور الذي كانوا يقومون به بات الآن من نصيب إبدال خارجي هو ماركة (صنع في الصين ) , التي سيطرت على كل شيء و حلت محل إحدى مكونات النسق الاجتماعي , و في المرحلة الموالية نزلت شريحة لمعلمين بعد ما تحول التهديد إلى مصدر رزقهم ( الصناعات التقليدية ) التي باتت السوق الصينية منافسا فيها أيضا خاصة بسبب الوفرة و البضائع الرخيصة , دفعت هذه الشريحة أيضا إلى الشارع من اجل الحفاظ على دورها و مكانتها داخل النسق الاجتماعي كممارسة للصناعة وبعض الفنون الجميلة , و لا يستبعد أن تنزل الشرائع الأخرى تباعا كلما تم تهديد أدوارها التي تتسلمها من قبل النسق الاجتماعي والعكس صحيح , و بالتالي من غير المحتمل في المدى المنظور أن نجد حراكا مشابها لما يحدث في كل من لحراطين و لمعلمين في شريحة كايقاون على اعتبار احتكارها لمهنة الفن (الغناء دون أي منافس ) " ولنا في برنامج النغمة الذهبية اكبر دليل على سيطرة هذه المجموعة على هذا المجال الذي يصنف ملكية خاصة و يحظر اجتماعيا وفقهيا على غير المنحدرين جينالوجيا من هذه الأسر [ وان كانت تجدر الإشارة إلى أن الشرائح الفقيرة بدأت تخلق فنانيها  و  لذلك في ردة فعل على ارتفاع أجور النخبة من الفنانين المنحدرين من اسر إيقاون التقليدين].

هـ

إن مسالة الإبدال الاجتماعي هي عملية معقدة خاصة في مرحلة ما بعد التحولات الكبيرة كالجفاف و الاستقلال أو ما يسمى بالتحولات الاجتماعية و الانزياحات التاريخية التي تحدث ما يشبه التحول في مجرى التاريخ الاجتماعي , و مع ذلك تبقى مسألة مراعاة جميع مكونات النسق الاجتماعي هي الضمان الوحيد أن لا تخرج بعض أجزاء هذا النسق معترضة عليه , و محتجة على أنها لم تعد تلعب أي دور داخل النسق العام للمجتمع و هو ما يدفعا إلى المواجهة المباشرة , فمن الحكمة أن تكون الدولة ما بعد الاستقلال كانت مدركة لمدى تعقيد عمليات الانتقال في النسق الاجتماعي , و هو ما يجعل منها حريصة على أن تحتفظ جميع المكونات الاجتماعية بمكان لها في الأدوار التي يوزعه المجتمع , فلو دفع بأبناء الشرائح الصناعية والعاملة في الأنساق القديمة إلى المصانع و المشاريع الخدمية لما كانت البلاد عرضة لعديد الحركات المطالبة بالعدالة الاجتماعية و المشتكية من الظلم و التهميش , و التي تقول ببساطة إنها ملت العيش عالة على النسق الاجتماعي و البقاء متطفلة,  و الآن تريد أدوارا تقوم بها داخل هذا النسق كما كان الأمر في السابق لا أكثر و لا اقل .

و

من المعروف ان الظاهرة الاجتماعية لها عدو جوانب و أبعاد و لكن المطالب التي رفعها هذه الشرائح من قبيل (العدالة الاجتماعية و الإشراك الاقتصادي و التمكين و حق الحياة الكريمة ... الخ ) كلها مؤشرات تؤكد محورية التحليل الاقتصادي في دراسة النسق الاجتماعي سواء بالنسبة لموريتانيا أو غيرها .


يقول وينستون اتشريشل ( إن أي إنسان في مرحلة الشباب يجب أن يكون شيوعيا إلا إذا كان  ليس له قلب و في مرحلة الكهولة يجب أن يصبح رأسماليا  إلا إذا كان ليس له عقل )

الجمعة، 24 فبراير، 2017

الشيخ الحسن الوالد: من باريس إلى سيناء وصولا إلى شارل ديجول والسوخوي

http://www.raialyoum.com/?p=350481






تمثل ظاهرة داعش المبرر الجديد للإسلاموفوبيا حسب البعض و ما هي إلا امتداد لوحشية الإسلام المتطرف حسب الآخرين .

وان كان الواقع انه ليس ثمة إسلام معتل ليكون هناك إسلام متطرف( فالإسلام كله اعتدال) إلا أن مسالة الأطراف في الإسلام كانت نظرية تفتيتية صاغها الغرب و ابتلعها المسلمون بكل سذاجة  و لبسوا التصنيف على أساس انه المقاس المناسب لهم فانقسموا (يمينا ويسارا داخل الجبة الدينية الواحدة).

هذه الوحشية الداعشية عاشها العالم من إفريقيا الى الشرق الأوسط مرورا بآسيا, إلا أن العالم لم يشعر بوحشيتها  إلا بعد أن استيقظت باريس وعلى مرتين على وقع صفير إنذار دخول داعش إلى القارة العجوز و كلها في باريس وبين ضربتي باريس أسقطت طائرة روسية في سيناء “العالمية”.

وما هي إلا أيام حتى أصبحت “السوخوي” الروسية تصب حممها في ربوع سوريا,  ولم يحتج العالم إلا أيام أخر حتى احتلت البوارج الحربية الروسية  بحر قزوين و تعطل الطيار المدني في المنطقة , ثم تجلت ملامح الحرب الحقيقية بتحرك فخر الصناعة العسكرية الفرنسية “شارل ديجول” إلى شرق المتوسط وعلى متنها ستين طائرة عسكرية فرنسية .

ونتيجة هذا الحشد الأوروبي عُرفت طريق الرقة للمخابرات العالمية بعد قرابة الشهر من القصف الروسي الذي لم تصب قذيفة واحدة منه مدينة الرقة (عاصمة دولة الدولة الإسلامية “المزعومة”).

 الأسئلة المطروحة للمرحلة لماذا تأخر الغرب هكذا؟ و كيف تحولت روسيا من الشيطان الأكبر إلى الملاك الحارس للعام من الإرهاب ؟و هل نحن أمام حلف روسي مع أمريكا وحلفائها ؟. وهل كان الغرب جاد في حرب داعش قبل هجمات باريس وسيناء؟. ولما تتجاهل الولايات المتحدة الحرب الدائرة ضد داعش هكذا؟ وهل ستكرر فرنسا خطأ الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ؟ و ما هو دور تركيا و الجزيرة في هذه المرحلة خاصة بعد قيام الأولى من كراسي التفرج إلى الاشتراك في تقويض الحرب على الإرهاب (و الكلام لبوتين) واستمرار الأخرى في المواكبة ؟

من العدل القول أن داعش قد فاجأت العالم في وقت كان الكل يعتقد أنها في طور العمل الداخلي على تثبيت أركان الدولة الوليدة المترامية الأطراف, و الغرب يعتقد انه آخر أهداف التنظيم الغارق في معمعان الشرق الأوسط ,فان داعش كان أكثر وعيا بالظروف و مرونة في الحركة حيث نجح في ما فشل فيه التنظيم الأم القاعدة ” خلق حلف بين الأعداء الأوروبيين” بعدما تأكد للغرب انه ليس بأمان .

هذا التحول في أسلوب الحركات الجهادية هو ما دفع الغرب إلى التخلي عن تقاعسه عن حروب الشرق الأوسط بل و التنازل عن عقوباته على روسيا و تجاهل أزمة أوكرانيا و بالتالي تغيير النظرة إلى روسيا بشكل كلي بل بات التقارب الفرنسي الروسي يُملي التواصل بين أمريكا و روسيا ,التي تملك ثقلا استراتيجيا في المنطقة (سواء في علاقاتها بالأسد أو قواعدها الساحلية في سوريا). ثم إن هذه الحرب على الإرهاب المزعوم تضع إشكالا أكثر تعقيدا أليس ما يحدث في نيجريا و الكامرون و اختطاف مئتي طالبة من مدرسة في نيجيريا منذ العامين من طرف “بوكو حرام” إرهاب ؟ فلما لم تذهب شارل ديجول أو “السوخوي “لإيقاف القتل و التقتيل في إفريقيا بالرغم من إعلان هذه الحركة ولاءها لداعش و مبايعتها للبغدادي.

إذا فالحرب على الإرهاب هي حرب مصالح ومنافع إستراتيجية وليست حرب تحرير للمنطقة كما يروج الغرب فلو كانت كذالك لما وصلنا إلى هنا لأن (روسيا كانت فعلا في سوريا و أمريكا كانت في العراق و فرنسا كانت في الشمال الإفريقي) ومع ذالك هذه هي اكبر مصانع الجهاديين الجدد فهل من الصدفة أن يلبس هؤلاء والإرهاب و نفس اللحاف و يفترشون نفس الحصير ؟ أم أن هؤلاء مبرر ولوجود أولائك (و بالتالي الإرهاب طينة في يد رسام يفعل بها ما يشاء).

و إن كان الشعب الأمريكي بعد العراق ليس صاحب مزاج حربي فان وجود قوات من النخبة الأمريكية مع المعارضة السورية المسلحة و برنامج تدريب أمريكا لقوات من مما فضلت تسميتها بالمعارضة المعتدلة ينفي حقيقة عدم جديتها باتجاه داعش و لكن الحقيقة تقول أن المصالح الروسية في القضاء نهائيا على داعش اكبر بكثير ,فالتنظيم الذي يشمل المئات من القوقازيين و الشيشان … الخ هو تهديد حقيقي للأمن القومي لروسيا في حال رجوع كتائب كاملة للدفاع عن حقوقها في شرق أوروبا. وان كان هذا الخوف مبررا فان الروس فيما يبدو أكثر قلقا على مصير الرئيس السوري بشار الأسد الذي مثلت هجمات فرنسا و الطائرة الروسية فرصة له لينسى العالم خمس سنوات من القتل و التهجير ضد الشعب السوري الذي يمثل الآن القلق الأكبر للغرب وسواء بما يمثله من تحول اجتماعي في أوروبا و كفرصة لتمرير مجاهدين كما حدث مع فرنسا وبلجيكا.

حلف الأطلسي بالرغم من كونه صقر على الحدود التركية فلم يكن يوما ذا بال في الصراع إلا يوم قررت تركيا إسقاط طائرة روسية فهل هو تذمر تركي من احتلال واضح لمياه الشرق الأوسط المحيطة بالجمهورية التركية أم أن تركيا تقلد إيران في عدم التخلي عن الحلفاء, و إن بررت تركيا باختراق مجالها الجوي فان ردها بالتأكيد ذو دلالة اكبر بكثير .و بدى في الوقت الراهن موقف الجزيرة هو الأكثر ترثيا و فضلت المواكبة على الريادة (فهجمات باريس في عيونها “توصف بالإرهابية”و داعش “تنظيم الدولة” وسوريا “تحت القصف الروسي” و”شارل ديجول خبر هامشي “.

أطراف أخرى و جدت لها مكان على في ساحة الحرب هذه وان كان أبرزها حزب الله الذي دخل لحماية المراقد الشيعية وه اليوم يحمي الرئيس السوري الذي لم يعد بحاجة لبعث الجيش –العربي- -السوري- إلى الجنوب على اعتبار انه لم يعد عربيا صرفا بوجود كتائب إيرانية و أفغانية … و لم يعد سوريا أيضا إن أضيف إلى الأسباب السابقة وجود حزب الله اللبناني .

الساحة إذا اتضحت معالمها العالم في حرب على الإرهاب ولكن العالم اليوم أصبح روسيا و فرنسا و إيران وحزب الله و الرئيس السوري و الإرهاب هو داعش السورية و تفجيرات في أوروبا أو إسقاط طائرة تحمل ركاب غربيين أو حتى طيارين.

إن المبدأ دائما التجريم لأي ترويع للإنسان فالصدقية تفرض القول أن حرب الإرهاب و التهليل و التطبيل المرافق لها ما هو إلا ترسيخ لفوبيا الآخر المضاد و مرحلة ما بعد صراع الحضارات و دخول في صراع الاستراتيجيات و دليل أننا حقا خرجنا من الحرب الباردة إلى حرب من نوع جديد تماما.