الأربعاء، 30 أغسطس، 2017

الهويات الفرعية في موريتانيا (1) مجتمع أتبلات


"من لم يعبر النهر بعد لا يجوز له الضحك من الغريق"
 mousiwa taw lom ba de fotanie jalde julido) )
مثل بولاري
----
في التصنيف الثاني من مجتمع "هليبة " أو البولار تقع شريحة "أتبلات " أي ملوك البحر بكل امتياز  ( الذين ينتمي بعضهم لمجتمع هليبة ) متقدمين بذلك على الصناع التقليدين في نفس المجتمع (وايلوبه) و كذلك العبيد (ماتوبه ) و الفنانين (آولوبه) و الحرفيين (لاوبه)و غيرهم من الطبقات الهليبية و حتى من المجتمع غير هليبة الذي يتواجد فيه أتبلات.
هذه الشريحة التي تسرد أسطورتها التاريخية ملكيتهم التامة للبحار و الأنهار فأتبلاوي الحقيقي لا يجوز له أن يغرق في البحر أو النهر "انه شبل من ذاك الأسد" و أتبلاوي الأصيل لا يكتم في نفسه و إنما يصارح مباشرة و بدون تردد ، و إذا أحب أي إنسان عشق من قلبه و إذا كره لا يتردد في إظهار كرهه للشخص الذي لا يطيق (في حالة تجلي واضحة لابن الماء الذي ورث منه الصفاء ) ، أتبلاوي إذا لم تحترم وجبة السمك أمامه ، بمجرد قيظ في داخله تعلق زعنفة منه في الحلق في إشارة إلهية على عدم رضاه .
 هذا المجتمع إذا غضب أو حزن لا يغسل حزنه إلا ضفة نهر أو شاطئ بحر يغسل روحه هناك و بطقوسه الخاصة يتهادى إليه السمك من تلقاء نفسه و دون سابق إنذار ، إنها حالة الحب التي ترسمها الثقافة الاجتماعية لمكانة الماء في قلب أتبلاوي الذي إن صنف الطارقي ابن للريح فهو ابن للماء حتى أكثر موسي "ابن اليم" .
في هذا المجتمع العريق و الذي امتهن الماء لا يستغرب من المنتمي لشريحة أتبلات   إلا أن يكون لا يعرف كيفية التعامل مع الماء ، فهم  رجال الإنقاذ و الحماية المدنية للمجتمع فكما يقال "لا رجال إلا رجال البحر" ، و على الرغم من قوة الشرائحية (الطبقية المغلقة ) و التي تمنع  أي امتزاج حقيقي في  هذا المجتمع مع الطبقات العليا آو الدنيا في المجتمعات الموجود فيها أتبلات ، فان ثقافتهم و تاريخهم  العريق بدأ يتلاشى شيئا فشيئا و بدأت هذه الثقافة الضاربة في التاريخ تنطوي على نفسها في شواطئ و ضفاف فوتا العريقة ، و مع آن مبررات ذلك واضحة سواء من خلال امتهان مختلف الشرائح و المكونات الموريتانية و السنغالية للبحر و الصيد البحري ، أو دخول مجتمع أتبلات مجال العمل الأخر من قبيل الوظائف الإدارية الرسمية و وغيرها  ، فان هذه الثقافة لا زالت لها  دوائرها  الخاصة و من هم مؤمن بالحفاظ عليها حتى آخر يوم في حياتهم ، و حتى مع بعض الثورات و التحركات في مجتمع هليبة و غيره و التي بدأت تنفتح على بعضها البعض و ترفض هذا الانغلاق ، فان فرحة أن نشعر أننا في أمة  يذوب فيها الجليد الفاصل بين الشرائح المكونة للمجتمع ، فان هذه الفرحة قد لا تضاهيها فكرة أن ثقافة لها من العراقة ما لها تختفي هكذا و دون سابق إنذار .
-----
<<ثمة العديد من الهويات الناشئة التي على الموريتانيين أن يتعاملوا معها و أن يدركوا مدى التحول الكبير و السريع الذي يعيشه المجتمع>>

د . محمد سيد أحمد فال الوداني (بوياتي) 

الأحد، 27 أغسطس، 2017

بين الحزب و الخيمة أي ديمقراطية في موريتانيا


منذ نكسة حوار داكار و ما أعقبها من ارتدادات عنيفة على المشهد السياسي الموريتاني دخلت المعارضة و الموالاة في موريتانيا مواجهة حادة و صلت بعض الأحيان حد القطيعة و إن تخللتها فترات حوار عدى عن موراثونيته لم تحدد له أي أهداف واضحة ليطلب منه الخروج بنتائج ملموسة ، و مع ذلك استمرت حرب الشعارات و المواجهة التي نزلت للميدان بعد توجه الرئيس إلى تعديلات في دستور البلاد ، و صفتها المعارضة " بالمساس بالمقدسات " و استطاعت إفشالها على مستوى الغرفة العليا للبرلمان ، و حشد عام لا باس به على مستوى الشارع ، دون أن يمنع ذلك مرور التعديلات التي طالت النشيد و العلم و بنسبة مريحة عل مستوى النتيجة و المشاركة ، و إن شاب هذه الفرحة حديث المعارضة عن عمليات تزوير و تصويت أموات و أطفال ، ولكن التاريخ يقول إن المعارضة العالم ثالثية و خاصة إفريقيا لم تترف يوما بفشلها و لا بأي نتائج على الإطلاق إلا إذا كانت في مصلحتها ، - دون أن يكون ذلك طعنا في مصداقية ما تقول- .
من المؤكد أن ثنائية الشفافية و النزاهة في إفريقيا قد بات بينهما شرخ كبير ، فان كانت الشفافية قد تحققت سواء من خلال شكل الصندوق و اللوائح الآلية و بعثات المراقبة و سهولة المطابقة ، فان النزاهة بقيت متعذرة في الفضاء الموريتاني كما هو حال جل دول القارة ، و ذلك في حالة تعبير مباشرة عن مستوى الفقر و الأمية،  إذ يصبح الفقراء وقودا للمعارك السياسية و يتم استغلال بشكل كبير بسبب حاجتهم المادية الملحة ، و مع أزمة الشفافية و النزاهة في ديمقراطية  يمكن الاصطلاح عليها "بالديمقراطية ذات الصندوقين" صدوق أولي هو جيوب المواطنين الفقراء الذين تبيع غالبيتهم  ذممها ، و صودق الانتخابات و الذي لا يعبر فيه عن الإرادة الحرة بقدر ما يدفع الفقراء الدين المستحق عليهم و مهما كان المشروع السياسي المنتخب ، فان أزمات في بنية الحزب السياسي الموريتاني هي عائق كبير أمام أي تقدم في الشكل الديمقراطي "الأشبه بحالة العربة التي يراد منها جر الحصان " فهذا الحزب لم يستطع يوما الخروج من جبة المخيلة القبلية و استنساخ نظرية الشيخ و المريد في مؤسسة يتوخى منها أن تكون تعاقدية عملية و بعيدة عن القبلية و الروابط الأولية (على لغة اميل دوركايم) ، ولكن الحقيقة تقول إن الأحزاب المطالبة بالديمقراطية هي نفسها غير ديمقراطية حيث لم تشهد أي عملية انتقال على مستوى الرئاسة في الظروف الطبيعية ، فساسة محنكون من حجم (مسعود ولد بلخير و احمد ولد داداه و و بيجل ولد هميد ... كلهم يحتفظون بمناصبهم منذ تأسيس أحزابهم إلى اليوم ) و هو ما رسخ الهوية الفردية و الانفرادية للحزب بل حتى اقتصاره على الشخص الواحد "لذلك في موريتانيا دارج القول حزب فلان نسبة إلى شخص رئيسه ، أو حزب أهل فلان نسبة إلى قبيلته " فيما يتصدر ما يصطلح عليه محليا في موريتانيا بالحزب الحاكم أو الحزب الداعم للرئيس المشهد  بتصرفه كأنه وزارة في الحكومة و ليس مؤسسة حزبية خاضعة لقوانين و ضوابط العمل الحزبي ، و حتى إن تخط الأمر الحزب الحاكم (الموالي) أو الحزب المعارض فان منطق الحزب السياسي في موريتانيا ظل دائما لصيقا بفكرة الخيمة التي تضرب حيث اعشوشبت الأرض و ما إن يبدي الجفاف وجهه حتى تقوض الخيمة استعدادا  للارتحال إلى مكان آخر أكثر كلأ و أحسن مرعى (وهو ما دفع البلاد إلى سن قانون ما عرف بالترحال السياسي و الذي لم يتم احترامه و لا التقيد به).
إن كانت التجارب الديمقراطية تقاس بالكثرة الحزبية فان موريتانيا هي الأكثر ديمقراطية على الإطلاق و بدون بمنازع ، و إن كانت تقاس بالحريات و حرية التعبير فستحصل على مكان متقدم أيضا في هذا المضمار ، و لكن ما إن يوضع كل ذلك أمام مجهر الحكامة و منطق دولة المواطنة و المساواة ، حتى تعود موريتانيا سيرتها الأولى ، في تجل واضح لحالة تصور الدولة في نسختها العالم ثالثية تحولات سياسية سريعة و  عنيفة ، يلعن أخرها كل ما جاء به  سابقها ، بل ويحمله وزر أخطائه حتى إن جلس في الحكم ما شاء له الله لا شعبه، في استنساخ حقيقي لتصور فهم الدولة في المخيال اللغوي العربي و المردود  إلى (دال أو دالت) بمعنى الانتقال و التحول إلى آخرين ، عكس التسلسل اللغوي الانجليزي أو اللاتيني بشكل عام والذي يحيل (إلى أستيت – استاتيكو ) أي الثبات .
في جميع الأحوال قد يقال إن التجربة الموريتانية قصيرة جدا على التقييم ، ولكن هذا لا ينفي ضرورة التقويم المطلوب في أي مشروع ، خاصة إن مشروع الدولة الموريتانية وصل عامه الستين و بالتالي بات مطلوبا منه أن يخرج بنتائج على ارض الواقع أكثر مما هو موجود الآن و أن يكون أكثر مرونة لاستيعاب التنوع السياسي و الاجتماعي و الثقافي ، و منطلق كل ذلك ضرورة بناء أحزاب سياسية وطنية و ليس جعل القبيلة أكثر مرونة و دمجها في شكل أحزاب ، أو تلميع وجه المشيخيات التقليدية و إدخالها من الباب السياسي كواجهة للبلد ، فمثل هذه الأساليب لن تساهم قطعا في بناء دولة الحق و المواطنة و لا ديمقراطية تضمن بناء دولة مباركة و يجد فيها الجميع نفسه .


باحث بالمركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية (مبدأ)

الاثنين، 21 أغسطس، 2017

الإخوان من السلفية الحركية إلى ضرورات التجديد


يبدو أن سنوات الطرد والجلد التي يمر بها الإخوان المسلمون من المحيط إلى الخليج و صلت أخيرا إلى تركيا التي مثل فيها رجب طيب  أردغان - مالئ الدنيا وشاغل الناس بالديمقراطية التي  صنعها والتحول الاجتماعي والاقتصادي الذي أوجده بعد زمن من العَلمنة الأتاتوركية – رجل كل العصور ، بديمقراطية أشاد بها الغرب ومولها ماديا ومعنويا وباتت أنموذجا على الإسلام السياسي ، مجنبا بذلك تركيا أزمة اجتماعية وسياسية كبيرة ، إلا أن الربيع العربي وما أعقبه من تحولات سياسية و اجتماعية في المنطقة اثر بشكل مباشر على سياسات أردغان مما جعله يتجه إلى اتخاذ مواقف من اتجاهات الربيع العربي ، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة و الضغط الكبير الذي بات يشكله تواجد قيادات الإخوان في تركيا  التي تعقد مجموعة من التحالفات المعقدة تمتد بين روسيا و أمريكا و صولا إلى إيران و الخليج - الذي يتخبط حاليا في أزمة مقاطعة غيرت موازين للعبة في الشرق الوسط و حولت مسار التحالفات - ، خاصة بعد إعلان شبه توافق بين إسرائيل و العرب المقاطعون ضد اليد الضاربة للإخوان و قطر قناة الجزيرة ، بل حتى العمل المشترك للقضاء على آخر شرعية للإخوان على الإطلاق و هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس ) ، و التي لو لم تعين إسماعيل هنية في رئاسة مكتبها السياسي خلفا لخالد مشعل لكانت سابقة على خروج النهضة التونسية  الكامل من ما سمي مدرسة قطب الإسلامية (الإسلام الحركي "السلفية الحركية ").
من أبرز ما يمكن الوقوف عليه في خيارات الإخوان  الإسلاميين الأتراك جنسية و ملجأ ، (خاصة بعد توجه المهادنة و التجديد الذي تبناه الإخوان في المغرب العربي ) فإما أن تستمر موجة تغيير الجلد على شاكلة النهضة و حماس ، أو إعادة مرحلة التجديد من خلال نظرية " دعاة لا قضاة " الصادرة عن المرشد الثاني للإخوان حسن إسماعيل الهضيبي في وقت اسودت فيه الخطوب بالحركة الإسلامية الأكثر توسعا منذ ستينيات القرن الماضي ، فيما يبد خيار الشتات و الذي يفرض النأي بالنفس عن المنهج القطبي (نسبة إلى سيد قطب ) السلفية الحركية التي لا ترى مانعا من استخدام القوة للوصول إلى السلطة هو الأكثر تفضيلا بين قيادات و أتباع الحركة الأوسع انتشارا و التي لها قبول لا باس به في بعض الدول الأوروبية المركزية في صناعة القرار العالمي ، و يحظى هذا التوجه بقبول من بعض الدول التي رفضت قطع علاقاتها مع الجماعة بالرغم محاولات العديد من الأنظمة التأثير و السعي إلى استئصالها نهائيا .
قد يكون من العدل القول أن سمعة أردغان -كنسخة محدثة من الحركة الإخوانية- الآن باتت تتخطى ما حققه حسن البنا و سيد قطب ، بل حتى باتت تركيا قريبة جدا من وضع "معسكرات الشيوخ " بالنسبة للإخوان و الفضل يعود في ذلك إلى تجربة أردغان و قدرته كسياسي إسلاموي لا يمارس الفتوى كما يقول هو بنفسه.
و إن كانت محاولة الانقلاب التي واجهها و ما جسدته من قوة يملكها الإخوان الأتراك في الشارع ، خاصة مع تجاوزه كل التحديات السياسية التي دخل فيها ( الانتخابات البرلمانية ، و تحويل نظام الحكم باتجاه الرئاسي ، إضافة إلى موقفه من الأزمة الخليجية  ،
النزاع مع جماعة فتح الله غولون  الناشطة من قلب الغرب (ودلالة ذالك واضحة)) مع ذلك على أردغان رجل الإسلام السياسي القوي أن يدرك أن الشعب الذي أوقف الدبابات على جسر البوسفور لن يقبل تحول الرئيس إلى مرشد و مركزية لجامعته "الإخوان المسلمون" وهو يعني  أن أردغان السياسي المحنك و مهندس للنجاح الكامل للتجربة الإسلامية في تركيا أن يتجنب ما يسميه فوكوياما "الأنظمة الوقفية"  أي التخلي عن  خلق وسائل الاستمرار للمشروع الإخواني الذي يظهر نفسه الآن كابر حارس له إلى جانب قطر مقارنة مع سياسة النأي بالنفس المتبعة من بن كيران و الغنوشي و حتى مشعل.
قد يكون من عدم الحكمة لفهم حركة عربية المنشأ ،لاتحليلها من خارج سياقها خاصة مع وجود تجربة قوية في المغرب يقودها الداهية السياسي بن كيران الذي أحاط مشروعه  بمجموعة من الرجال يتحركون في تناسق تام ، تجسد من خلال خلافة العثماني لبن كيران في رئاسة الوزراء دون أي خلخلة في الحزب الذي تسيد المشهد السياسي  مغربيا ، و لكن الواقع الآن يقول إن الأنموذج التركي أصبح هو مركز  التجربة السياسية للإخوان المسلمين، ليس لنجاحه فقط بل إن أردغان أصبح واجهة إسلامية عالمية و تركيا مركزا لجميع المشردين من الإخوان ، ثقافيا و سياسيا و حتى اقتصاديا .
 من العدل القول إن الإخوان المسلمين من بين الجماعات الإسلامية الأكثر نشاطا آنيا و تنظيما على مختلف المستويات ، من حيث الانتشار و القدرة على الحشد في أقدم معاقلها (مصر)بالرغم من التضييق الأمني و السياسي و اعتقال أي شخص يظهر ميولا إسلامية أو مؤيدة للإسلام السياسي بشكل عام ، هذا مع استمرار الإخوان في فضاء المغرب العربي في نهجهم العقلاني سواء بصعودهم البارز في موريتانيا أو استمرارهم في الحكم بالمغرب ، مع أن شكل النهضة قبل 2014 تغير كثيرا مع أنها ظلت في فلك الإخوان المسلين و هو ما يجعل تيار الإخوان قادرا على هيكلة نفسه على عدة مستويات و إعادة ترتيب ياقته سواء بإخراج قياداته من السجون بتقديم الكثير من التنازلات السياسية ، و إن كان موقف الإمارات و السعودية المعادي لكل ما هو إسلام سياسي قد يؤجل هذا الحل، فان الصمود لبعض الوقت  مطلوب من الإخوان كي يستطيعوا إعادة ترتيب صفوفهم و نقل أنفسهم إما بالتجديد على طريقة النهضة و حماس أو مراجعة المشروع و العودة إلى نظرية الدعاة ، في إعلان عن التخلي عن المشروع السياسي إلى حين و إن الإخوان في تركيا و المغرب و ماليزيا استثناء من الخيار الأخير.


الشيخ الحسن البمباري

باحث في المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية (مبدأ)

الجمعة، 18 أغسطس، 2017

يوم اخترتك حبيبة ...


منذ وقت طويل لم تمر على محمد حالات الشرود الطويلة التي تتخللها ابتسامات كلما خطرت تلك الذكرى بباله ، ذلك اليوم الصيفي الذي اعتاد منذ زمن التأريخ به حتى في الأحداث التي سبقته بكثير ، إذ لا يتورع عن القول اعتقد انه قبل يوم لقائنا بسنة أو سنتين كان ذلك اليوم مركز حياته بكل ما تعين الكلمة من معنى ، فيه عرف أن له قلب و أدرك فعلا أن الرجال كائنات من ورق أي نسمة هوء تسحب أحدهم معها إلى الأبد .
لكن لقاء عابرا رد تلك الأيام التي عمل جاهدا طوال السنوات الخمس من زواجه أن لا يتذكرها على الإطلاق كان يعمل جاهدا على دفع نفسه إلى ابعد نقطة من الانهماك في حب زوجته و أحيانا في العمل ، "إلا أن الدنيا صغيرة حقا ". في ذلك اليوم دخل مكتبه في شركة تصدير المواد البحرية ، كان من المفروض أن يكون يوما عاديا ، و لكن الملف الأحمر على طاولته التي اعتاد ترتيبها بشكل دقيق بنفسه مخافة أن يفسد أي شيء طقوسه في شرب "أتاي الصبح " قد انذر بيوم حافل ، فتح الملف على عجل كانت موافقة من المدير على تعيين سكرتيرة لمحمد تكريما لجهوده السنوات الماضية و تفانيه منقطع النظير ، لاحت على وجهه ابتسامة الانتصار ثم  أعد في رأسه سريعا قائمة من المطالب التي على سكرتيرته تحقيقها وله شخصيا فقط ، و لكن المدير لم يكتف بالموافقة فحسب بل عين له سكرتيرة بنفسه و في آخر الملف كتب ملاحظة قصيرة ستحضر السكرتيرة غدا إن شاء الله" المدير عبد الله محمد.
كعادته لا يتأخر محمد الشيخ عن البيت إطلاقا يتحرك دائما كالساعة ، الساعة الخامسة مساء يُفتح الباب إيذانا بوصوله ، زوجته و التي لم تكن سوى ابنة عمته و صديقة طفولته مليكة الأمين كانت فعلا تستحق الاحترام ، سيدة محبة لا تتذمر إطلاقا و لا تطلب عصامية بطريقة معينة و تتولى إدارة الأزمات في كل الظروف ، في ذلك اليوم دخل محمد الخامسة إلا الربع ثم تطوع بالمساعدة في المطبخ ، يبدو أنه خطط لما سيشغل به وقت فراغه الذي سيسببه حضور السكرتيرة ، كانت مليكة متفاجئة ، لم يكن محمد شخصا مرحا و لكنه يلقي بعض النكات بين الحين و الأخر و لكن في ذلك اليوم كان شخصا مختلفا بدا فاتحا ذراعيه  للدنيا مستعد لكل شيء، بل حتى تحدث عن مديره على غير العادة مثنيا عليه ، كان أشبه بطفل حصل على هدية جديدة أمضى ذلك المساء مبتسما تعتقد مليكة انه حتى نام بنفس الابتسامة ، في تلك الليلة التي كانت الأخيرة التي رأته فيها .
في صباح اليوم التالي استيقظ محمد مبكرا جدا لم يوقظ زوجته إنما جهز كل شيء و انطلق صوب الشركة، حتى الحارس تفاجأ بالرغم من أن محمد لم يتأخر يوما واحدا و كان دائما أول موظف يصل و لكن ذلك اليوم كانت المرة الأولى التي يصل فيها موظف في ذلك التوقيت للشركة ، فتح له الحارس على مضض بسبب سمعة محمد و مكانته في الشركة ، سارع إلى مكتبه و جلس يحسب الساعات التي مرت أطول من الليلة التي قضاها مبتسما أو آخر ما يذكر منها على الأقل .
حضر الموظفون تباعا ولكن السكرتيرة لم تصل بعد ، بعدما يئس الانتظار ،بدأ في تنظيف مكتبه و قام بنفسه بالنزول من اجل جلب  اتاي من الكافيتريا التي هاجمه المشرف عليها بالأسئلة بسبب تأخره سال عن صحته ، محاولا فتح بعض الأحاديث ، اخذ محمد السينية بعد ما أجاب عن كل الأسئلة تقريبا بعبارتي "لا أو نعم" على غي العادة .
دخل المكتب كانت المرة الأولى التي يصدر فيها كل ذلك الضجيج من مكتب المهندس محمد الشيخ ، الذي حرص دائما على أن يكون السيد المثالي في الشركة كانت السينية قد سقطت من يده على الطاولة الزجاجية التي تتوسط كراسي الضيوف بالبط أمام أرجل السكرتيرة التي لم تحرك ساكنا تجمدت في مكانها و كنها رأت أهوال الآخرة بأم عينيها ، بقي محمد واقفا دون حراك كل شيء فيه غاب عن هذا العالم ،  إلا ذاكرته كسرت إحدى القواعد التي رسم في حياته السنوات الماضية ، لا يجب أن يتذكر ابد ذلك اليوم أو ذاك الوجه ، كان قد ألزم نفسه نسيان  كل شيء عن تلك المرأة و قتلها في ذاكرته و كأنها لم تكن يوما .

ولكن تلك السكرتيرة التي اختار المدير لم تكن سوى السالكة محمد التي عرف محمد الشيخ ذات يوم الطريق إلى قلبها كما عرفت هي طريقها إلى قلبه ، كانت ما تزال شابة يافعة و مفعمة بالحياة و كأن الأيام لم تتحرك بها قيد أنملة ، لم تنطق بكلمة حتى بعد خمسة عشرة دقيقة ، سحبها من ملحفتها و خرج بها مسرعا من الشركة الباب تلو الباب كان الكل ينظر إليهما إلى أن وصلا إلى سيارته ثم ركباها معا ، كانت تلك المرة الأخيرة التي يعرف فيها أي شخص شيئا عن محمد أو السالكة كأنهما قطعة ملح رميت في نهر ، زوجة محمد و أهله و حتى أسرة السالكة الكل استسلم و يئس البحث ولكن تلك القصة التي عملت الأسرتان على قتلها طوال تلك السنوات يبد أن لها نهاية تكتب في مكان ما من ضواحي الكرة الأرضية 

بعض سوء الفهم ... و شيء من عدم التوفيق


"من الغريب أن موريتانيا البلد الوحيد الذي يصف الأشخاص باللون الأخضر ، هذا في حد ذاته تصور مثير للتساؤل "
الدكتور محمد سيد أحمد فال الوداني .
******
لا خلاف على أن موريتانيا بلد اثني أعراقي و متداخل و لكنها على مر التاريخ فشلت في إدارة هذا التنوع ، و لم تكن قادرة في وقت من تاريخا القصير في تجربة الدولة على الاستثمار فيه بشكل مبارك، حتى أن القبيلة كانت أكثر قدرة على إدارة هذا التنوع في المجتمع من خلال  خلق نظام وظيفي و طبقي محكم يجعل الأفراد يتحركون في دوائر خاصة و انشغالات خاصة بعيدا عن الشأن العام الذي بقي شأن شيوخ القبيلة بامتياز (جماعة الحل والعقد).
في موريتانيا الدولة طفت إلى السطح  الكثير من الصراعات و النزاعات التي كان بالأساس الهدف من ورائها حسب - التفسير الأولي – هو تغليب حلف المستعمر السابق للبلاد و إعطائه مكانة في الدولة الوليدة ، لكن هذه الصراعات و التي كانت في غالبها ذات مظهر اجتماعي و اقتصادي و ثقافي ، قد أنتجت أثرا عميقا مازالت الجيل الثاني بعد الاستقلال يتخبط في مخلفاته ( الإرث الإنساني ، العبودية ، الملكية العقارية ، توزيع الثروة ، الانتقال الريفي الحضري ، التعريب ، اللغة الرسمية ، هوية الدولة التائهة بين العربي و الإفريقي ، التحول الديمقراطي ...) ، الثابت الوحيد الذي استطاعت موريتانيا حسمه هو الهوية الدينية للمجتمع ، ولكن غير ذلك من مفاتيح الصراع انضاف إليها سوء حكامة المجال الموريتاني على مختلف المستويات ، إذ لم يتقدم أي من هذه الملفات باتجاه الحل ، و بقي دائما في إطار التحيين ، فموريتانيا التي تتقاسمها النزعات الإفريقية و العربية و حتى البربرية ، فشلت كل الفشل في حسم ثابت الهوية، الذي يعد الأهم من اجل إطلاق قاطرة البلاد ، و الإشكال بالنسبة لموريتانيا أن دولا أكثر تعمقا في أفريقيا كالسودان استطاعت حسم هويتها بسهولة ، و تجاوز أزمة الهوية ، فيما يمكن النظر إلى نماذج  افريقية – جنوب إفريقيا ...- أخرى استطاعت حل نزاعات أعمق و أكثر خطورة من ما هو كائن في موريتانيا . و إن كانت مسألة التحول السياسي في البلاد هي الأكثر دينامية (سرعة) بل قد تصنف الأحسن في البلاد  ، فان الانتقالات العسكرية أثرت كثيرا على هوية البلاد السياسية التي بقيت دائما في ظل حكم الاليغيرشية "العسكرية طبقة ، و الاثنية شريحة " و هو أيضا ما زاد في لبس سوء الفهم لتصور مسار مشترك لدولة عمرها لم يصل الستين بعد.
هذه البلاد التي  أساءت فهم الكثير من تاريخها أو على الأقل تحليله بشكل فعال ، يبد الآن شبابها في اغلبه بمعزل عن السياق العام ، خاصة مع تنامي أصوات الاشتراك ومحاولة  تجاوز  منطق التفسير القديم لميكانزمات المجال ، فلم يصبح دور الشباب أكثر فعالية فحسب من بل و مؤثرا جدا من خلال فتح قنوات للتواصل بين مختلف الشرائح و الطبقات الاجتماعية و هو ما جعله الآن في مواجهة مباشرة ، مع النظامين الاجتماعي و السياسي بسبب هذه المطالب التي تبدو متقدمة جدا بالنسبة لعقلية سياسية في القرن الخامس العشر و مطالب من القرن العشرين .

لن تكون أزمة التباعد بين الأجيال الحالية و من في مركب الأجيال السابقة و حدها هي الأزمة التي تواجه التفسير البناء لوضع البلاد من اجل تجاوز تلك الأزمات و البناء على المشترك ، فان البلد التي مازالت تصف الأسود ، بالأخضر ، و القمحي ، بالأبيض ، و البربري ، بالعربي ، و السمسار ، بالسياسي ، و السياسة ، بالمكر ، و الكرم ، بالسذاجة ، و البخل ، بالرشاد ، و النفاق بسبيل الوفاق ، والسرقة باتفكريش (الشجاعة) ... ، فان هذا  النوع من الفهم له الكثير من التأثير السلبي على محاولة بناء دولة الحقوق و المواطنة و العدل و تسمية الأشياء بمسمياتها .

الثلاثاء، 25 يوليو، 2017

#و_يسألونك ... عن التسريبات


قل ... فيها خير كثير و معارف  لدهماء الناس ، أثبتت الحلقة التي أجريت مع السيناتور محمد ولد غدة أن الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه ، و أن الأسد إذا جرح أصبح أكثر شراسة و جرأة .
موجة التسريبات الأخيرة التي كان ضيفها الدائم الشيخ محمد ولد غدة و التي مثلت سابقة في تاريخ الجمهورية ، إن لم ننسى ما سمي تسريبات أكرا ، إلا أن الظروف التي جاءت فيها تسريبات السيناتور هي ظروف خاصة بعد حادث صودرت بعده هواتفه و كانت في يد جهة أمنية معروفة ، التسريبات أريدها لها أن تكون قاتلة لولد غدة  و مؤسسة الشيوخ "على وشك الحل "، حيث تم اقتطاع مناطق بعينها و أفراد بعينهم خاصة المعلومة بنت الميداح التي عارضت التعديلات المقترحة من قبل حزبها و أغلبيتها الرئاسية ، في سياق سابقة تشريعية في موريتانيا ، أن تسقط الغرفة العليا مشروع قرار مهما كان خاصة بهذا الحجم .
التسريبات فعلت مفعولها في الساحة الوطنية و كانت تشويشا مناسبا على بداية الحملات الدعائية  للتعديلات الدستورية ، و كانت أيضا فرصة ليتلقف الفيسبوك الموريتاني الشيخ ، بتطرفه المعهود موالي يراه خائنا ، و معارض لا يريد الكلام خوف أن يكون هو الأخر ضحية للتصنت، و قد نجحت بالفعل ربط شخصية president  المتكررة في الحديث برجل الأعمال ولد بوعماتو لكن الحقيقة كشفت انه لم يكن سوى الرئيس الأسبق اعل ولد محمد فال ، التسريبات و ما فيها حالة موريتانية عادية رجلان يتكلمان عن امرأة لا تستغرب أن توصف بنقص العقل و التعجل و عدم الحكمة سيما إن هذه المرأة ليست إلا المعلومة بينت (الميداح ) و هذه الأخيرة في المخيال الموريتاني العتيق "ما تنشاف أعليها "(و انتم بذلك أعلم ) .
بعد ما لاكت الأفواه التسريب وحان وقت النسخة الحقيقية للعرض ، قناة المرابطون ظفرت بالكعكة ، و التي تحول فيها الغزال إلى أسد و انتقل من وضعية الطريدة إلى الصياد ، الرجل سدد و مباشرة و على مناطق قاتلة ، بالاسم و الرقم و التفاصيل و حتى بتحمله للمسؤولية ، حيث تحدث كمكلف رسميا بتابعة ملفات الفساد ، الذي أرادت السلطات إظهاره من خلال التسريب فرد ولد غدة أن الفساد هناك في مكتب القصر الرمادي ، صفقات بالجملة حصلت عليها المعلومة بنت الميداح ، و شيخ جكني ، و أفيل و لد اللهاه و ولد الصحراوي و آخرون كثرن .
في ليلة النسخة الأصلية لعرض (يوم صوك ولد غدة ) هكذا يمكن تسميته ، لم يبق شيء لم يقل و لم يبقى إلا أن يتحرك القضاء في المحاكم الموريتانية المستقلة كاملة الاستقلالية، ليحصلوا على إجابات و تفسيرات لكلام و لد غدة الذي فتح أبواب جهنم على وزير الاقتصادية و المالية و بعض من حاشية الرئيس .
بين التسريبات و ما قاله ولد غدة الأمر لا يعدو أن يكون "لكزانة" ما كذبناها و لا صدقناها، و الفيصل الآن بين الحق و الباطل الخطوات القادمة من القضاء الموريتاني الذي وجد نفسه أمام وجبة دسمة ، من التسريبات كانتهاك للخصوصية إلى اتهامات ولد غدة للجهات العليا في الدولة و بالدليل المشهود كما كان صوته دليلا عليه هو نفسه .

و إن كان سؤالهم عن التسريبات ، ها نحن اليوم نسألك عن العدل و الحكم في اثنين تخاصما ، فهل نجد من يقول لنا للإجابة و يضع الموازين القسط ؟ أم نستمر في انتظار نفخة الصور و يومها لا محيد عن العدل .

الأربعاء، 7 يونيو، 2017

المشهد الخليجي ... الواقع و المآلات ...

منطقة الخليج في الوقت الحالي على وقع أزمة حقيقية بسبب الصراع على إدارة الشرق الأوسط و السعي من مختلف دول المنطقة إلى التقدم لمركز صناعة القرار ، و يبد هذا الدور كما تفهمه دول الخليج مرهون بالقرب من الولايات المتحدة الأمريكية و السيطرة على خيوط إدارة لعبة الشرق الأوسط ،سواء من خلال ملكية مفاتيح الحركات المسلحة ،  أو التصدي لمواجهة ما يسمى بالإرهاب "السني منه و الشيعي " إضافة إلى القدرة  على تجفيف مصادره (الإخوان المسلمون والمذهب الوهابي ... وغيرها مما يسميها اليمين الغربي الراديكالية الإسلامية) .
عاشت منطقة غرب آسيا في غضون اقل من شهر على حدثين رئيسيين الأول منهما (قرصنة وكالة الأنباء القطرية و بث رسائل معادية للجوار الخليجي ، و ثانيهما تسريب محتوى بريد سفير الإمارات بواشنطن في حادثة من المتوقع أن تعصف بتقارب مجلس التعاون الخليجي "وهو ما حدث بالفعل"، هذا بالإضافة بعض الأحداث ذات العلاقة المباشرة بما يسمى سنيا المشروع الإيراني .
كانت التصريحات المنسوبة إلى أمير دولة قطر بعد ما قال البلد خليجي أنه قرصنة لوكالته أنبائه الرسمية ، موجهة شكلا و منهجا درجة أن حُدد المسؤول عن الجهة المقرصِنة ، و كشف التعامل الإعلامي القاسي من بعض المؤسسات التي سُهر على أن تكون مستقلة ، عن مدى الشرخ الذي تعيشه الدول الخليجية و مدى هشاشة العلاقة في هذا الفضاء "الاقتصادي" و احتدام التنافس بين مجموعة مجلس التعاون الخليجي على النفوذ ، وتصدر قائمة أصدقاء أمريكا في المنطقة ،  و إن كان الصف الخليجي حرص دائما على الظهور بوجه المتآلف ، خاصة في ما يتعلق بالقضية الإيرانية (كما حدث في القمة الخليجية الأمريكية في الرياض ) ،إلا أن قرصنة حساب السفير الإماراتي في أمريكا غيرت هذه الصورة تماما و أظهرت أن "ما خفي أعظم " و مع أن القرصنة لحساب السفير ممولة هي الأخرى و ثمة من ينتظر منها الكثير ، فإنها عكست وجها آخر لدولة الإمارات و طرحت تساؤلات حرجة حول مستقبل التحالف و الجيرة في الخليج ، خاصة مع ظهور معلومات سابقة تقول بمشاركة الأجهزة الأمنية الإماراتية في اغتيال قيادي حماس (المبحوح ) في دبي و وصول العلاقات الخليجية إلى نهايتها مع تكون حلفين بارزين في الجزيرة العربية (حلف العربية السعودية و الإمارات و حلف قطر و الكويت ) و هو ما يجعل عملية عاصفة الحزم في مهب الريح ، إلا إذا فرض على مصر (السيسي )ما  كانت أعلنت عن رفضها له سابقا و هو المشاركة الميدانية على الأرض في اليمن – الذي يجب التذكير باستعصاء حله عسكريا ليس لأن الحوثيين أغلبية شعبية فحسب بل لأن الدعم الذي يوفه الإعلام القطري (للشرعية اليمنية ) في مواجهة الإعلام الموالي للحوثيين يعني أن هذه الحرب ستصبح أكثر توازنا ، خاصة مع التخلي غير المبرر لحكومة (هادي) (المشردة )عن قطر ،و بالتالي خسارة الدعم المالي و الإنساني و الإعلامي القطري ، مشكل آخر سيدفع له الصف العربي وهو أنه على دول "الأطراف" العربية أن تحدد مكانها في الصراع الذي لا يبد اللون الرمادي الذي اختارت الجزائر مناسبا ، فدول المغرب العربي و السودان و القرن الإفريقي كلها مطالبة بالتموقع في صراع الأحلاف الأشقاء و لا مجال لكتلة عدم انحياز بسبب الهشاشة الاقتصادية للكتلة العربية من خارج المجموعة الخليجية إذا استثنينا المغرب الذي يعد حالة خاصة .
العامل الإيراني الذي كان السبب الرئيس في قطع العلاقات الخليجية سيعود بسرعة إلى الواجهة في حال كانت غالبية الدول العربية في الحلف السعودي الإماراتي ، فان قطر التي تضمن المساندة التركية و الأمريكية ستجد نفسها على طاولة مليئة بالخيارات المريحة التي لن يغيب عنها الجار الإيراني المستعد لدفع أي ثمن مقابل إسكات الجزيرة بنسختيها العربية و الانجليزية ، عن مسألة التغلغل في العراق و سوريا و لبنان ووضع برنامج إيران النووي .
الدولة الإسلامية (داعش سابقا) التي حاولت الدول المقاطعة لقطر إقحامها في بياناتها التي أعلنت من خلالها التخلي الكلي عن الإمارة الخليجية ،ليست قضية ذات بال سواء مع التحالف الدولي الذي يتقدم في محاربة التنظيم ، أو الدعم السخي من ترامب لأكراد الشرق الأوسط (قوات سوريا الديمقراطية ) للقضاء عليه ، و حتى عالمية المشروع الذي تعمل داعش على تجسيده .دون نسيان الصدمة الكبرى التي سببها التوجه الإعلامي المضحك من التنظيم  و يكفينا في هذا المقام لمقياس  جدية هذه الدول نموذج (مسلسل غرابيب سود).
 الصراع الخليجي على اللاشيء هو الخيار الوحيد في المدى المنظور ، فان كان من المستحيل أن تخضع الإمارات و السعودية لقطر و تعلن فتح العلاقات التي أغلقت من جانب واحد ، -و هو ما يعني انتصارا معنويا لقطر –فإن مسألة الصراع على صداقة أمريكا  لن تنتهي بنتائج محمودة للدول المتنافسة ، إذا علمنا أن  هذه الأخيرة في عهد  ترامب ليست بحاجة إلى أصدقاء و  إنما إلى عائدات واستثمارات ، وحاضنات جيوستراتيجية في وجه التوسع الروسي، كما أكدت من أول يوم (للنكسة_الخليجية) ، هذا دون نسيان أن التباعد العلني في البيت الخليجي يعني أن الخليج العربي كمفهوم سياسي و جيوستراتيجي ،قد انتهى سيتحول إلى الخليج الفارسي "الذي تتعمد الكثير من دوائر القرار و الإعلام الأمريكي استخدامه في السنوات الماضية).و تبقى مفاتيح الحل بين مجموعة الوجوه الشابة التي تتسيد المشهد حاليا "محمد بن سالمان ، محمد بن زايد ، محمد دحلان ، تميم بن حمد ، ثم أصغرهم سنا الجزيرة "

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More