الجمعة، 18 أغسطس، 2017

يوم اخترتك حبيبة ...


منذ وقت طويل لم تمر على محمد حالات الشرود الطويلة التي تتخللها ابتسامات كلما خطرت تلك الذكرى بباله ، ذلك اليوم الصيفي الذي اعتاد منذ زمن التأريخ به حتى في الأحداث التي سبقته بكثير ، إذ لا يتورع عن القول اعتقد انه قبل يوم لقائنا بسنة أو سنتين كان ذلك اليوم مركز حياته بكل ما تعين الكلمة من معنى ، فيه عرف أن له قلب و أدرك فعلا أن الرجال كائنات من ورق أي نسمة هوء تسحب أحدهم معها إلى الأبد .
لكن لقاء عابرا رد تلك الأيام التي عمل جاهدا طوال السنوات الخمس من زواجه أن لا يتذكرها على الإطلاق كان يعمل جاهدا على دفع نفسه إلى ابعد نقطة من الانهماك في حب زوجته و أحيانا في العمل ، "إلا أن الدنيا صغيرة حقا ". في ذلك اليوم دخل مكتبه في شركة تصدير المواد البحرية ، كان من المفروض أن يكون يوما عاديا ، و لكن الملف الأحمر على طاولته التي اعتاد ترتيبها بشكل دقيق بنفسه مخافة أن يفسد أي شيء طقوسه في شرب "أتاي الصبح " قد انذر بيوم حافل ، فتح الملف على عجل كانت موافقة من المدير على تعيين سكرتيرة لمحمد تكريما لجهوده السنوات الماضية و تفانيه منقطع النظير ، لاحت على وجهه ابتسامة الانتصار ثم  أعد في رأسه سريعا قائمة من المطالب التي على سكرتيرته تحقيقها وله شخصيا فقط ، و لكن المدير لم يكتف بالموافقة فحسب بل عين له سكرتيرة بنفسه و في آخر الملف كتب ملاحظة قصيرة ستحضر السكرتيرة غدا إن شاء الله" المدير عبد الله محمد.
كعادته لا يتأخر محمد الشيخ عن البيت إطلاقا يتحرك دائما كالساعة ، الساعة الخامسة مساء يُفتح الباب إيذانا بوصوله ، زوجته و التي لم تكن سوى ابنة عمته و صديقة طفولته مليكة الأمين كانت فعلا تستحق الاحترام ، سيدة محبة لا تتذمر إطلاقا و لا تطلب عصامية بطريقة معينة و تتولى إدارة الأزمات في كل الظروف ، في ذلك اليوم دخل محمد الخامسة إلا الربع ثم تطوع بالمساعدة في المطبخ ، يبدو أنه خطط لما سيشغل به وقت فراغه الذي سيسببه حضور السكرتيرة ، كانت مليكة متفاجئة ، لم يكن محمد شخصا مرحا و لكنه يلقي بعض النكات بين الحين و الأخر و لكن في ذلك اليوم كان شخصا مختلفا بدا فاتحا ذراعيه  للدنيا مستعد لكل شيء، بل حتى تحدث عن مديره على غير العادة مثنيا عليه ، كان أشبه بطفل حصل على هدية جديدة أمضى ذلك المساء مبتسما تعتقد مليكة انه حتى نام بنفس الابتسامة ، في تلك الليلة التي كانت الأخيرة التي رأته فيها .
في صباح اليوم التالي استيقظ محمد مبكرا جدا لم يوقظ زوجته إنما جهز كل شيء و انطلق صوب الشركة، حتى الحارس تفاجأ بالرغم من أن محمد لم يتأخر يوما واحدا و كان دائما أول موظف يصل و لكن ذلك اليوم كانت المرة الأولى التي يصل فيها موظف في ذلك التوقيت للشركة ، فتح له الحارس على مضض بسبب سمعة محمد و مكانته في الشركة ، سارع إلى مكتبه و جلس يحسب الساعات التي مرت أطول من الليلة التي قضاها مبتسما أو آخر ما يذكر منها على الأقل .
حضر الموظفون تباعا ولكن السكرتيرة لم تصل بعد ، بعدما يئس الانتظار ،بدأ في تنظيف مكتبه و قام بنفسه بالنزول من اجل جلب  اتاي من الكافيتريا التي هاجمه المشرف عليها بالأسئلة بسبب تأخره سال عن صحته ، محاولا فتح بعض الأحاديث ، اخذ محمد السينية بعد ما أجاب عن كل الأسئلة تقريبا بعبارتي "لا أو نعم" على غي العادة .
دخل المكتب كانت المرة الأولى التي يصدر فيها كل ذلك الضجيج من مكتب المهندس محمد الشيخ ، الذي حرص دائما على أن يكون السيد المثالي في الشركة كانت السينية قد سقطت من يده على الطاولة الزجاجية التي تتوسط كراسي الضيوف بالبط أمام أرجل السكرتيرة التي لم تحرك ساكنا تجمدت في مكانها و كنها رأت أهوال الآخرة بأم عينيها ، بقي محمد واقفا دون حراك كل شيء فيه غاب عن هذا العالم ،  إلا ذاكرته كسرت إحدى القواعد التي رسم في حياته السنوات الماضية ، لا يجب أن يتذكر ابد ذلك اليوم أو ذاك الوجه ، كان قد ألزم نفسه نسيان  كل شيء عن تلك المرأة و قتلها في ذاكرته و كأنها لم تكن يوما .

ولكن تلك السكرتيرة التي اختار المدير لم تكن سوى السالكة محمد التي عرف محمد الشيخ ذات يوم الطريق إلى قلبها كما عرفت هي طريقها إلى قلبه ، كانت ما تزال شابة يافعة و مفعمة بالحياة و كأن الأيام لم تتحرك بها قيد أنملة ، لم تنطق بكلمة حتى بعد خمسة عشرة دقيقة ، سحبها من ملحفتها و خرج بها مسرعا من الشركة الباب تلو الباب كان الكل ينظر إليهما إلى أن وصلا إلى سيارته ثم ركباها معا ، كانت تلك المرة الأخيرة التي يعرف فيها أي شخص شيئا عن محمد أو السالكة كأنهما قطعة ملح رميت في نهر ، زوجة محمد و أهله و حتى أسرة السالكة الكل استسلم و يئس البحث ولكن تلك القصة التي عملت الأسرتان على قتلها طوال تلك السنوات يبد أن لها نهاية تكتب في مكان ما من ضواحي الكرة الأرضية 

بعض سوء الفهم ... و شيء من عدم التوفيق


"من الغريب أن موريتانيا البلد الوحيد الذي يصف الأشخاص باللون الأخضر ، هذا في حد ذاته تصور مثير للتساؤل "
الدكتور محمد سيد أحمد فال الوداني .
******
لا خلاف على أن موريتانيا بلد اثني أعراقي و متداخل و لكنها على مر التاريخ فشلت في إدارة هذا التنوع ، و لم تكن قادرة في وقت من تاريخا القصير في تجربة الدولة على الاستثمار فيه بشكل مبارك، حتى أن القبيلة كانت أكثر قدرة على إدارة هذا التنوع في المجتمع من خلال  خلق نظام وظيفي و طبقي محكم يجعل الأفراد يتحركون في دوائر خاصة و انشغالات خاصة بعيدا عن الشأن العام الذي بقي شأن شيوخ القبيلة بامتياز (جماعة الحل والعقد).
في موريتانيا الدولة طفت إلى السطح  الكثير من الصراعات و النزاعات التي كان بالأساس الهدف من ورائها حسب - التفسير الأولي – هو تغليب حلف المستعمر السابق للبلاد و إعطائه مكانة في الدولة الوليدة ، لكن هذه الصراعات و التي كانت في غالبها ذات مظهر اجتماعي و اقتصادي و ثقافي ، قد أنتجت أثرا عميقا مازالت الجيل الثاني بعد الاستقلال يتخبط في مخلفاته ( الإرث الإنساني ، العبودية ، الملكية العقارية ، توزيع الثروة ، الانتقال الريفي الحضري ، التعريب ، اللغة الرسمية ، هوية الدولة التائهة بين العربي و الإفريقي ، التحول الديمقراطي ...) ، الثابت الوحيد الذي استطاعت موريتانيا حسمه هو الهوية الدينية للمجتمع ، ولكن غير ذلك من مفاتيح الصراع انضاف إليها سوء حكامة المجال الموريتاني على مختلف المستويات ، إذ لم يتقدم أي من هذه الملفات باتجاه الحل ، و بقي دائما في إطار التحيين ، فموريتانيا التي تتقاسمها النزعات الإفريقية و العربية و حتى البربرية ، فشلت كل الفشل في حسم ثابت الهوية، الذي يعد الأهم من اجل إطلاق قاطرة البلاد ، و الإشكال بالنسبة لموريتانيا أن دولا أكثر تعمقا في أفريقيا كالسودان استطاعت حسم هويتها بسهولة ، و تجاوز أزمة الهوية ، فيما يمكن النظر إلى نماذج  افريقية – جنوب إفريقيا ...- أخرى استطاعت حل نزاعات أعمق و أكثر خطورة من ما هو كائن في موريتانيا . و إن كانت مسألة التحول السياسي في البلاد هي الأكثر دينامية (سرعة) بل قد تصنف الأحسن في البلاد  ، فان الانتقالات العسكرية أثرت كثيرا على هوية البلاد السياسية التي بقيت دائما في ظل حكم الاليغيرشية "العسكرية طبقة ، و الاثنية شريحة " و هو أيضا ما زاد في لبس سوء الفهم لتصور مسار مشترك لدولة عمرها لم يصل الستين بعد.
هذه البلاد التي  أساءت فهم الكثير من تاريخها أو على الأقل تحليله بشكل فعال ، يبد الآن شبابها في اغلبه بمعزل عن السياق العام ، خاصة مع تنامي أصوات الاشتراك ومحاولة  تجاوز  منطق التفسير القديم لميكانزمات المجال ، فلم يصبح دور الشباب أكثر فعالية فحسب من بل و مؤثرا جدا من خلال فتح قنوات للتواصل بين مختلف الشرائح و الطبقات الاجتماعية و هو ما جعله الآن في مواجهة مباشرة ، مع النظامين الاجتماعي و السياسي بسبب هذه المطالب التي تبدو متقدمة جدا بالنسبة لعقلية سياسية في القرن الخامس العشر و مطالب من القرن العشرين .

لن تكون أزمة التباعد بين الأجيال الحالية و من في مركب الأجيال السابقة و حدها هي الأزمة التي تواجه التفسير البناء لوضع البلاد من اجل تجاوز تلك الأزمات و البناء على المشترك ، فان البلد التي مازالت تصف الأسود ، بالأخضر ، و القمحي ، بالأبيض ، و البربري ، بالعربي ، و السمسار ، بالسياسي ، و السياسة ، بالمكر ، و الكرم ، بالسذاجة ، و البخل ، بالرشاد ، و النفاق بسبيل الوفاق ، والسرقة باتفكريش (الشجاعة) ... ، فان هذا  النوع من الفهم له الكثير من التأثير السلبي على محاولة بناء دولة الحقوق و المواطنة و العدل و تسمية الأشياء بمسمياتها .

الثلاثاء، 25 يوليو، 2017

#و_يسألونك ... عن التسريبات


قل ... فيها خير كثير و معارف  لدهماء الناس ، أثبتت الحلقة التي أجريت مع السيناتور محمد ولد غدة أن الضربة التي لا تقصم الظهر تقويه ، و أن الأسد إذا جرح أصبح أكثر شراسة و جرأة .
موجة التسريبات الأخيرة التي كان ضيفها الدائم الشيخ محمد ولد غدة و التي مثلت سابقة في تاريخ الجمهورية ، إن لم ننسى ما سمي تسريبات أكرا ، إلا أن الظروف التي جاءت فيها تسريبات السيناتور هي ظروف خاصة بعد حادث صودرت بعده هواتفه و كانت في يد جهة أمنية معروفة ، التسريبات أريدها لها أن تكون قاتلة لولد غدة  و مؤسسة الشيوخ "على وشك الحل "، حيث تم اقتطاع مناطق بعينها و أفراد بعينهم خاصة المعلومة بنت الميداح التي عارضت التعديلات المقترحة من قبل حزبها و أغلبيتها الرئاسية ، في سياق سابقة تشريعية في موريتانيا ، أن تسقط الغرفة العليا مشروع قرار مهما كان خاصة بهذا الحجم .
التسريبات فعلت مفعولها في الساحة الوطنية و كانت تشويشا مناسبا على بداية الحملات الدعائية  للتعديلات الدستورية ، و كانت أيضا فرصة ليتلقف الفيسبوك الموريتاني الشيخ ، بتطرفه المعهود موالي يراه خائنا ، و معارض لا يريد الكلام خوف أن يكون هو الأخر ضحية للتصنت، و قد نجحت بالفعل ربط شخصية president  المتكررة في الحديث برجل الأعمال ولد بوعماتو لكن الحقيقة كشفت انه لم يكن سوى الرئيس الأسبق اعل ولد محمد فال ، التسريبات و ما فيها حالة موريتانية عادية رجلان يتكلمان عن امرأة لا تستغرب أن توصف بنقص العقل و التعجل و عدم الحكمة سيما إن هذه المرأة ليست إلا المعلومة بينت (الميداح ) و هذه الأخيرة في المخيال الموريتاني العتيق "ما تنشاف أعليها "(و انتم بذلك أعلم ) .
بعد ما لاكت الأفواه التسريب وحان وقت النسخة الحقيقية للعرض ، قناة المرابطون ظفرت بالكعكة ، و التي تحول فيها الغزال إلى أسد و انتقل من وضعية الطريدة إلى الصياد ، الرجل سدد و مباشرة و على مناطق قاتلة ، بالاسم و الرقم و التفاصيل و حتى بتحمله للمسؤولية ، حيث تحدث كمكلف رسميا بتابعة ملفات الفساد ، الذي أرادت السلطات إظهاره من خلال التسريب فرد ولد غدة أن الفساد هناك في مكتب القصر الرمادي ، صفقات بالجملة حصلت عليها المعلومة بنت الميداح ، و شيخ جكني ، و أفيل و لد اللهاه و ولد الصحراوي و آخرون كثرن .
في ليلة النسخة الأصلية لعرض (يوم صوك ولد غدة ) هكذا يمكن تسميته ، لم يبق شيء لم يقل و لم يبقى إلا أن يتحرك القضاء في المحاكم الموريتانية المستقلة كاملة الاستقلالية، ليحصلوا على إجابات و تفسيرات لكلام و لد غدة الذي فتح أبواب جهنم على وزير الاقتصادية و المالية و بعض من حاشية الرئيس .
بين التسريبات و ما قاله ولد غدة الأمر لا يعدو أن يكون "لكزانة" ما كذبناها و لا صدقناها، و الفيصل الآن بين الحق و الباطل الخطوات القادمة من القضاء الموريتاني الذي وجد نفسه أمام وجبة دسمة ، من التسريبات كانتهاك للخصوصية إلى اتهامات ولد غدة للجهات العليا في الدولة و بالدليل المشهود كما كان صوته دليلا عليه هو نفسه .

و إن كان سؤالهم عن التسريبات ، ها نحن اليوم نسألك عن العدل و الحكم في اثنين تخاصما ، فهل نجد من يقول لنا للإجابة و يضع الموازين القسط ؟ أم نستمر في انتظار نفخة الصور و يومها لا محيد عن العدل .

الأربعاء، 7 يونيو، 2017

المشهد الخليجي ... الواقع و المآلات ...

منطقة الخليج في الوقت الحالي على وقع أزمة حقيقية بسبب الصراع على إدارة الشرق الأوسط و السعي من مختلف دول المنطقة إلى التقدم لمركز صناعة القرار ، و يبد هذا الدور كما تفهمه دول الخليج مرهون بالقرب من الولايات المتحدة الأمريكية و السيطرة على خيوط إدارة لعبة الشرق الأوسط ،سواء من خلال ملكية مفاتيح الحركات المسلحة ،  أو التصدي لمواجهة ما يسمى بالإرهاب "السني منه و الشيعي " إضافة إلى القدرة  على تجفيف مصادره (الإخوان المسلمون والمذهب الوهابي ... وغيرها مما يسميها اليمين الغربي الراديكالية الإسلامية) .
عاشت منطقة غرب آسيا في غضون اقل من شهر على حدثين رئيسيين الأول منهما (قرصنة وكالة الأنباء القطرية و بث رسائل معادية للجوار الخليجي ، و ثانيهما تسريب محتوى بريد سفير الإمارات بواشنطن في حادثة من المتوقع أن تعصف بتقارب مجلس التعاون الخليجي "وهو ما حدث بالفعل"، هذا بالإضافة بعض الأحداث ذات العلاقة المباشرة بما يسمى سنيا المشروع الإيراني .
كانت التصريحات المنسوبة إلى أمير دولة قطر بعد ما قال البلد خليجي أنه قرصنة لوكالته أنبائه الرسمية ، موجهة شكلا و منهجا درجة أن حُدد المسؤول عن الجهة المقرصِنة ، و كشف التعامل الإعلامي القاسي من بعض المؤسسات التي سُهر على أن تكون مستقلة ، عن مدى الشرخ الذي تعيشه الدول الخليجية و مدى هشاشة العلاقة في هذا الفضاء "الاقتصادي" و احتدام التنافس بين مجموعة مجلس التعاون الخليجي على النفوذ ، وتصدر قائمة أصدقاء أمريكا في المنطقة ،  و إن كان الصف الخليجي حرص دائما على الظهور بوجه المتآلف ، خاصة في ما يتعلق بالقضية الإيرانية (كما حدث في القمة الخليجية الأمريكية في الرياض ) ،إلا أن قرصنة حساب السفير الإماراتي في أمريكا غيرت هذه الصورة تماما و أظهرت أن "ما خفي أعظم " و مع أن القرصنة لحساب السفير ممولة هي الأخرى و ثمة من ينتظر منها الكثير ، فإنها عكست وجها آخر لدولة الإمارات و طرحت تساؤلات حرجة حول مستقبل التحالف و الجيرة في الخليج ، خاصة مع ظهور معلومات سابقة تقول بمشاركة الأجهزة الأمنية الإماراتية في اغتيال قيادي حماس (المبحوح ) في دبي و وصول العلاقات الخليجية إلى نهايتها مع تكون حلفين بارزين في الجزيرة العربية (حلف العربية السعودية و الإمارات و حلف قطر و الكويت ) و هو ما يجعل عملية عاصفة الحزم في مهب الريح ، إلا إذا فرض على مصر (السيسي )ما  كانت أعلنت عن رفضها له سابقا و هو المشاركة الميدانية على الأرض في اليمن – الذي يجب التذكير باستعصاء حله عسكريا ليس لأن الحوثيين أغلبية شعبية فحسب بل لأن الدعم الذي يوفه الإعلام القطري (للشرعية اليمنية ) في مواجهة الإعلام الموالي للحوثيين يعني أن هذه الحرب ستصبح أكثر توازنا ، خاصة مع التخلي غير المبرر لحكومة (هادي) (المشردة )عن قطر ،و بالتالي خسارة الدعم المالي و الإنساني و الإعلامي القطري ، مشكل آخر سيدفع له الصف العربي وهو أنه على دول "الأطراف" العربية أن تحدد مكانها في الصراع الذي لا يبد اللون الرمادي الذي اختارت الجزائر مناسبا ، فدول المغرب العربي و السودان و القرن الإفريقي كلها مطالبة بالتموقع في صراع الأحلاف الأشقاء و لا مجال لكتلة عدم انحياز بسبب الهشاشة الاقتصادية للكتلة العربية من خارج المجموعة الخليجية إذا استثنينا المغرب الذي يعد حالة خاصة .
العامل الإيراني الذي كان السبب الرئيس في قطع العلاقات الخليجية سيعود بسرعة إلى الواجهة في حال كانت غالبية الدول العربية في الحلف السعودي الإماراتي ، فان قطر التي تضمن المساندة التركية و الأمريكية ستجد نفسها على طاولة مليئة بالخيارات المريحة التي لن يغيب عنها الجار الإيراني المستعد لدفع أي ثمن مقابل إسكات الجزيرة بنسختيها العربية و الانجليزية ، عن مسألة التغلغل في العراق و سوريا و لبنان ووضع برنامج إيران النووي .
الدولة الإسلامية (داعش سابقا) التي حاولت الدول المقاطعة لقطر إقحامها في بياناتها التي أعلنت من خلالها التخلي الكلي عن الإمارة الخليجية ،ليست قضية ذات بال سواء مع التحالف الدولي الذي يتقدم في محاربة التنظيم ، أو الدعم السخي من ترامب لأكراد الشرق الأوسط (قوات سوريا الديمقراطية ) للقضاء عليه ، و حتى عالمية المشروع الذي تعمل داعش على تجسيده .دون نسيان الصدمة الكبرى التي سببها التوجه الإعلامي المضحك من التنظيم  و يكفينا في هذا المقام لمقياس  جدية هذه الدول نموذج (مسلسل غرابيب سود).
 الصراع الخليجي على اللاشيء هو الخيار الوحيد في المدى المنظور ، فان كان من المستحيل أن تخضع الإمارات و السعودية لقطر و تعلن فتح العلاقات التي أغلقت من جانب واحد ، -و هو ما يعني انتصارا معنويا لقطر –فإن مسألة الصراع على صداقة أمريكا  لن تنتهي بنتائج محمودة للدول المتنافسة ، إذا علمنا أن  هذه الأخيرة في عهد  ترامب ليست بحاجة إلى أصدقاء و  إنما إلى عائدات واستثمارات ، وحاضنات جيوستراتيجية في وجه التوسع الروسي، كما أكدت من أول يوم (للنكسة_الخليجية) ، هذا دون نسيان أن التباعد العلني في البيت الخليجي يعني أن الخليج العربي كمفهوم سياسي و جيوستراتيجي ،قد انتهى سيتحول إلى الخليج الفارسي "الذي تتعمد الكثير من دوائر القرار و الإعلام الأمريكي استخدامه في السنوات الماضية).و تبقى مفاتيح الحل بين مجموعة الوجوه الشابة التي تتسيد المشهد حاليا "محمد بن سالمان ، محمد بن زايد ، محمد دحلان ، تميم بن حمد ، ثم أصغرهم سنا الجزيرة "

الاثنين، 5 يونيو، 2017

خمـــسة وجـــــوه

كانت من المرات القلائل بل حتى المرة الوحيدة التي أذكر فيها هذا الوداع الحار من أخي الأصغر ، دائما ما تجاهلنا مسألة المشاعر و العواطف أو على الأقل التعبير عنها بهذه الطريقة ، كنت اركب التاكسي من عند "شتدو" بالميناء بالرغم من أن الساعة تشير إلى العاشرة مساء لم يكن الوضع مقلقا لدرجة ذلك الوداع الفريد ، قاطع صاحب التاكسي اللحظة بكل فجاجة أسرع نحن في وسط الطريق ، قلت في نفسي متى كانت السيارات في موريتانيا تحترم تعليمات المرور .
دخل على ذلك الشد العصبي الذي ركبت به السيارة مبادرة الرجل ذو القبعة الذي كان يجلس في الكرسي الأمامي ، كان يتأفف من هذه العاصمة التي تحتفظ بكل شيء ، عبر باقتضاب و بلاغة منقطعة النظير عن كرهه لنواكشوط  (إنها مدينة لا تمت إلي بصلة أنا أحب ذلك الفضاء الريفي ) يقول الرجل الذي عبر عن اشتياقي لزوجته و أبنائه. بدا الرجل كارها للعاصمة وكل ما فيها حتى انه أبدى اشتياقه لبعض الأموات ، في أثناء حديثه كان الرجل يعدل قبعته التي كانت تختزل كل ما قال ، تلك القبعة التي تجعل من هذا الرجل بالرغم من  تغير كل شيء في حياته و أنه يجد نفسه الآن في الكرسي الأمامي لسيارة متمسكا بكونه مجرد راعي بقر و لا يريد التنازل عن ذلك الجزء منه ، في إحدى المرات التي كان يرفع فيها يده لتعديل وضعية القبعة رن الهاتف ، دخل الرجل ذو القبعة في محادثة باللغة البلارية لم افهم كل شيء ولكن يبد أن احد أبنائه قد أصيب بوعكة صحية و هو قادم إلى نواكشوط  ، سيطر الجمود على السيارة و لكن توقف صاحب السيارة بضغط الفرامل فجأة عاد ليضفي روحا جديدة على تلك الوجوه التي بدأ التأثر يظهر عليها .
ركب شاب في بداية عمره السيارة اخذ وقتا في تعديل وضعية البنطلون الذي أضناه الضيق ، استطعت رؤية ملامحه بوضوح لأنني كنت قد انسحب إلى أقصى الكرسي الخلفي للسيارة ،لو لم يبدأ  الشاب في الحديث على "الواتساب" لعجزنا عن تصنيف إلى أي صنف بشري ينتمي فعدى عن طريقة اللبس كان قد اتخذ من شعره حقل اختبار  لمختلف الجلات أما الأحذية لوحدها تعتبر حمولة للسيارة كان شكله مضحك بقدر ما هو غريب ، ثم بدأ يسرد معاناته لأحد أصدقائه (تعرف putt  هذا الكرد تكاو ابروكسنا الليلة) و الله إنهم كارثة في كل مرة اخرج يجب أن يعتقلوني ، لا ادري اشعر أنهم وجودا لمطاردتي كان الحديث موغلا في الشكوى من الحرس ولكن لم يكن حديثه ذا بال خاصة مع وجود رجل يبد أن ابنه بحاجة إلى النقل للمستشفى .
توقف آخر للسيارة هذه المرة كان رجلا ضخم الجثة ،جندي آخر ينضم إلى السيارة فاندفعت إلى أقصى الكرسي  وكأني  أخاف أن يحطمني الرجل الذي كان يرتدي زيا رسميا ، ولكن مميزا بسبب السكين الذي كان يتدلى إلى جانبه الأيسر  و الذي يتعامل معه وكأنه غير موجود غير الشاب وضعية جلوسه بالكامل تجنبا للسكين الذي اخذ تقريبا مكان جلوس على مقياس التاكسي في موريتانيا ، حيث على أربعة أفراد أن يحشروا في الكرسي الخلفي ، لم يكثر الرجل الحديث و لكنه تضايق كثير من محاولة صاحب التاكسي الحصول على راكب جديد ، كاد الرجل يخنق ساعته من كثرة ما نظر إليها ، و مع ذلك حاول سرد بعض يوميات الجزارين و لكن الشكوى صاحبت لكل ما قال ، كنا في الفترات الماضية لدينا الكثير من الزبناء خاصة نهاية الأسبوع ولكن الآن الأمر تبدل تماما ، الأعياد لم تعد بذلك النشاط  هذه الأيام تتميز عن غيرها ...) ، قاطع السائق صديقنا المستعجل  قبل إنهاء جملته هذه (الداية الرابعة ). نزل الرجل و ركضا باتجاه السوق ثم اختفى في ظلام انقطاع الكهرباء .

كعادتهم سائقوا التاكسي يجدون الفرصة للتذمر ، و خاصة من زبون مزعج كالجزار ذو السكين الكبير ، انثناء تذمر صاحب التاكسي عاد هاتف الرجل ذو القبعة إلى الرنين لم يكن الخبر سارا ولكن أحدا لم يسأل ماذا حدث ، تجنبا لأمن الطرق طلب السائق مني النزول قبل الوصول لمتقى طر (الداية الساته )،  ما إن فتحت نافذة السيارة حتى وقف رجل آخر ، متحدثا إلى السائق ، ( الرابع و العشرين) و سأحجز الكرسي الأمامي ، انسحب الرجل ذو القبعة إلى الكرسي الخلفي دون كلام ، وقتها كنت قد أدرت ظهري مغادرا السيارة مغادرا مع أن الخبر الذي تلقاه الرجل ذو القبعة بقي معي ، ولكن التاكسي فرصة لتبادل  بعض الأشياء فقط وليس كل شيء.

قوة الورقة البيضاء في التعديلات الدستورية

تدخل موريتانيا في تعديلات دستورية وشيكة ، بعد الصعقة التي مثلها رفض الغرفة العليا في البرلمان الموريتاني -التي تسير إلى الحل بسبب التعديلات التي أسقطت- ، مما دفع إلى المادة 38 من الدستور و 
بالتالي إلى الخيار الشعبي ، و مع ذلك فان هذه التعديلات القادمة تضع الكثير من الأوراق الحرجة على الطاولة ، فعدى أنها استفتاء على ولد عبد العزيز مشروعا و شخصا و أن كلفتها المالية أكبر من انعكاساتها على  داعميها ، فإنها تعطي الفرصة للضغط في ملفات أرقت البلاد في الفترة الماضية ، من قبيل إعدام كاتب المقال المسيء و إعادة ترتيب التوازن بين الخزانات الانتخابية إضافة إلى حسم خلافة ولد عبد العزيز أو الاستمرار مأمورية ثالثة ، هذا الجدل يأتي على صوت مجموعة ثالثة تطالب بالوجود على اللوائح الانتخابية ولكن من اجل التصويت الأبيض.
1 – زمن المشاركة السلبية
تهدد الكثير من التيارات التي أعلنت رفضها للتعديلات بإفشال مشروع التصويت و لكن المنتدى و بعض الأحزاب المعارضة الأخرى اثبتوا جميعا فشلهم أمام ولد عبد العزيز منذ أول انتخابات إلى اليوم ،  إلا أن هذه القوى انضافت إليها قوة داعمة في محاولة للي ذراع الحكومة خاصة حين أعلنت بعض الجهات عن ما سمته المشاركة بالحياد إن لم يتم إعدام ولد امخيطير ، هذه الأخيرة و التي اثبت قدرتها على الحشد من خلال ما عرف بتيار النصرة قد تغير الكثير في التوازنات إذا لم تستجب لها الحكومة الساعية إلى تمرير التعديلات بأي ثمن .رجال النصرة والذين يمرون بأول اختبار حقيقي لشعبيتهم وقدرتهم على الوفاء بوعودهم فإنهم مضرون إلى الحفاظ على مصداقيتهم الشعبية من خلال الحفاظ على وسم #الإعدام_للمسيء ، بالرغم من عدم وعيهم بحجم قدرته الشعبية فإنهم يدركون تمام الإدراك أن تحقيق هذا المطلب سيعزز من رصيدهم السياسي و يعطيهم فرصة حقيقية للمساومة على خزانات شعبية كبيرة-على بعد سنة من فتح الباب للرئاسيات- ، هذه الموازنة من الطبيعي أن يركبها التيار الإسلامي أو يستغلها على الأقل كعامل لزيادة مصداقية دعوى رفض التعديلات الدستورية ، هذا التيار قادر على التحول إلى قوة شعبية كبيرة خاصة في حال استطاعت  بعض المشيخيات الصاعدة سياسيا و ذات الرصيد الشعبي في الاستمرار بتهديدها.
فيما يبد لن تكون الحكومة أمام تحدي (لا –نعم) في التعديلات الدستورية بل هي أمام قوة ستتوجه إلى الصندوق ولكن لوضع أوراق بيضاء (ليس إلا) ، كما سيظهر حلف جديد من مختلف التيارات يخدم المصالح الإسلامية واليسارية و حتى التيارات السياسية الأكثر راديكالية ، و إن كانت أقطاب التحالف البارزة الآن هي (المندى و التكتل و بعض الأحزاب المعارضة ) فان المنتدى العالمي لنصرة النبي ذو الشعبية الكبيرة و بعض التنظيمات المشابهة مضطرة إلى الوقوف مع هذه التيارات – بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي و السياسي- ضد التعديلات الدستورية إن أرادت إثبات رسالتها الأم وهي نصرة الرسول"ص".
2 الخليفة المحتوم و الخلاف المزعوم
على ولد عبد العزيز إن أراد الخروج بطريقة "أنيقة" وآمنة سياسيا بل و تليق بحجم الانجازات التي يتحدث عنها أنصاره ،أن يحترم الدستور بكل بساطة (أي الاكتفاء بمأموريتين " ولكن هذه الأخيرة تبد محفوفة بالمخاطر خاصة بسبب الصراع البادي للعيان على خليفة ولد عبد العزيز و كذا التراجع الكبيرة للضغط الذي يمثله الحزب الحاكم ، والذي تحول إلى مؤسسة مجنحة لكل فرد من أفرادها له شعبيته الخاصة يديرها ويحرك حسب الظروف و هو ما يجعله هذه الشعبية (الخزانات الانتخابية )  غير مضمونة إن لم يحصل جميع رجالات الأغلبية على ما يريدون .
و تعد حادثة فشل اجتماع النعمة و خروج بعض المقربين للرئيس في وقت مفاجئ ، والحركة الكبيرة لشخصيات أخرى كلها مؤشرات على الارتباك الذي تعيشه الجبهة الداعمة للرئيس بسبب صعوبة الإجابة على من سيكون الرئيس القادم ؟ ، في وقت لا يخفى فيه أن الحزب الحاكم لم يعد (لم يكن ) المؤسسة المحددة للرئيس القادمة ، وقد وصل هذا الارتباك حتى إلى مدراء الصالونات الاجتماعية التي تتصرف على  [طريقة تبركوا من كل مكان عسى أن يكون فيه السر القادم].
خليفة الرئيس يجب أن تحدد هويته ، ولكن يجب أيضا أن نعرف أن هذا الرئيس يصعب تحديد خصائصه ليس بسبب تعقيد عملية التحول السياسي في العالم الثالث فحسب بل أيضا بسبب بعض التوازنات القبلية و الاجتماعية التي تعني اجتثاثا تاما و كاملا في حال كان الرئيس القادم من خارج الصدوق (على الطريقة الروسية ) ، و هي خصائص يصعب وجودها إلا في أفراد و جماعات بعينها و حتى إن كان دخول هذه القصر الرمادي يعني نهاية مرحلة من تاريخ الجمهورية وبداية عصر جديد بالرغم من ... (سهولة عودة حليمة لعاداتها القديمة ).
قد يكون أصحاب المصالح الآنية و المطالب الملحة هم أكثر من سيستفيد من التعديلات الدستورية – ن استطاعوا الانتظام في تحالف واحد - ، إلا أن فئات أخرى تعيش على دخل يومي ومهما كان قدره تكون أي انتخابات ومهما كان مضمونها فرصة لهم لتحقيق بعض الكسب المادي ، فالفقراء كما هو معلوم ليس لديهم الوقت لاختيار البرامج الأحسن ،لان المراجل الفارغة تريد أي شيء ولكن الآن.


الخميس، 27 أبريل، 2017

تريف السياسة

"الحداثة مشروع لم يكتمل بعد " يورغن هابرماس

يكثر الجدل في علم الاجتماع الحضري حول ظاهرة من قبيل تريف المدينة أو بدونة الحضر  ، و لكن هذه الظاهرة يبد أنها استطاعت أن تمتد إلى السياسة هي الأخرى ،خاصة في جزء العالم الذي تستحكم فيه الديمقراطية الإستدرارية أو ما يمكن الاصطلاح عليه بديمقراطية المصالح الآنية ، هذه الظاهرة و التي كان يعد العالم الثالث هو مركزها بدأت تصعد بعض الشيء في الغرب خاصة مع الحركات الشعبوية و الخطابات العرقية و الفئوية المتعصبة التي اجتاحت الغرب من أمريكا إلى أوروبا و صولا إلى الهند في أقاصي أسيا .
بما أن العالم الثالث بمفهومه الآفروعربي يشار إليه دائما كمعقل لديمقراطيات الممكن ذلك الممكن الذي تسيطر فيه القبيلة على المجال و تصارع فيه الدولة في ابسط أدوارها ، فان تريف السياسة برز بشكل كبير في هذا الفضاء أكثر من غيره حيث تمثل سيطرة القبائل و التحالفات الأولية  على المجال الترابي و الحياتي للناس ملمحا مميزا لهذا الفضاء الذي بدأ بخطوات متسارعة إلى ممارسة الديمقراطية دون تحقيق المناط ، خاصة في جوانب الوعي و توفر الآليات الكفيلة بممارسة سياسية شفافة كحد ادني للفعل الديمقراطي ، هذه السيطرة أتاحت للقبيلة أن تكون مرجعية سياسية و مركز لصنع القرار السياسي بل و فرضت عدم الاتصال بين الأحزاب و القواعد الشعبية التي كان رضا شيخ القبيلة أو المجموعة  يكفي للتعبير عن أصواتها مجتمعة ، بل وتعد كلمته مخزنا انتخابيا بحد ذاتها ، و ذلك للسلطة التي يتمتع بها و هو ما جعل الأحزاب السياسية تميل إلى التعامل مع القبائل ، كفعل اقل صعوبة من التعامل مع عموم المواطنين كنوع من تركيز المصالح على الطريقة الآنجلو_أمريكية .
لا يبد جدل تريف السياسة بعيد عن حالة العودة إلى الجذور التي يمر بها الغرب ، سواء في انتخاب ترامب أو تريزا ماي في انجلترا و التقدم الكبير الذي حققه روته في هلندا و حالة الفشل التي يمر بها اليسار الفرنسي في لحظة تقول الأيام الأخيرة للسباق أن يمينيا(ة) متطرفا (ة) قد يكون الرئيس القادم ، كما أن حالة البداوة أو الهمجية التي تعيشها السياسية تبد حتى أكثر وعيا في العالم الثالث الذي يفضل الغرق في حروب داخلية و مخاضات عسيرة تنتهي عادة بانقلابات عسكرية أو تفويضات شعبية لعساكر جدد ، هذه الحالة تبدو متقدمة بالمقارنة مع الاعتداءات الموجهة ضد المهاجرين أو على أسس دينية في الغرب و سواء من الاعتداء على المساجد و قوانين حظر الحجاب و المظاهر الدينية ، كلها أشكال لبداوة تختلف باختلاف الأمكنة و الثقافات ، حيث يمثل الراهب الهندوسي يوغي أديتياناث.  الذي أصبح يدير حكومة أوتار براديش، أكبر ولاية هندية والتي يعيش فيها 40 مليون مسلم ، وجها آخر لهذه البدونة التي تمر بها السياسة حول العالم  .
بنظرة بسيطة إلى خارطة السياسة العالمية يظهر أن عصر الأذرع  المفتوحة قد ولى في كثير أنحاء العالم ، إذا  استثنينا كندا و دول كانت دائما هامشية في صناعة القرار العالمي ، و بالعودة إلى السياق الموريتاني كنوع من الهروب من أنموذج الاغتراب الفكري ، فإن مسالة تريف السياسة أو حتى ظاهرة الساسة البداة تظهر بقوة ليس في الفعل السياسي فحسب بل في المنطوق الشعبي و الخطاب السياسي ، حيث أن الأحزاب و الجمعيات  هي ملك للأفراد و العمل فيها نمط تداول (الشيخ و المريد) ، و هو ما يجعلها مؤسسات _مع وقف التنفيذ _ مناطقية جهوية و ، في أحسن الأحوال أحزاب تيارات جماعات مصالح ، دون أن يغيب أن القبيلة هي المرجعية الوحيدة للحزب كخزانات شعبية و ورمزية ، بل القبيلة نفسها كمتغير ريفي بدوي تسيطر على الفضاء حتى أصبح دور الدولة متلخص في سد الفراغات التي تعجز القبيلة عنها كالمرافق العمومية و الأمن ... كما يقول البروفسور عبد الودود الشيخ .

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More