الاثنين، 4 ديسمبر 2017

رسالة "السي آي أي " و تمنع سليماني ... هل اعترفت أمريكا بالفشل في المنطقة ؟



تظهر الإحداثيات الأولى لرسالة يناير من وكالة الاستخبارات الأمريكية لقائد فيلق القدس التفوق الذي تملكه إيران تفوق الأخيرة على حساب على حساب الولايات المتحدة ، في الشرق الأوسط و خاصة في المنطقة الخطيرة نسبيا على مئات الجنود الأمريكيين ، فالرسالة التي بعثت إلى القائد الإيراني الذي كان وقتها في (البوكمال السورية) و لم يكن في مكتبه بطهران ، كما أن وكالة الاستخبارات تدرك أن الرجل يعتبر أمريكيا الأكثر إرهابا بعد أسامة بن لادن ، كما لا يمكن نسيان متغير العلاقات الخليجية الإيرانية التي تدخل منحنا خطيرا باعتبار ما يوصف بالتقارب الأمريكي السعودي و الانفجار المخيف في البيت الخليجي .
دون حديث عن التفاصيل التي سيكنها الشيطان عادة و تكون عرضة للتأويل و التحليل فان مجرد تأكيد بومبيو رأس CIA على بعث رسالة لقائد ميداني يعكس مدى التخبط الذي وصلت إليه الولايات المتحدة في العراق و سورية (الشرق الأوسط بشكل عام)  ، و مع أن "السي آي أي" تقول إنها بعثت بتحذير إلى قاسم سليماني بعدم المساس أو تعريض  الجنود الأمريكيين في العراق للخطر  ، فان الوقائع تقول إن الرسالة لم تكن استجداء لسليماني - الذي استطاع بسط سيطرة كبيرة لإيران في معارك الشرق الأوسط التي تأبى الانتهاء - بل هي اقرب إلى الرجاء و خاصة أنها بعثت إلى سليماني نفسه و بشكل شخصي كما أنها بعثت خطيا ، و هو ما يعني أن المسألة لم تتعلق بفتح خط تنسيق بين البلدين بل خدمة مباشرة من قائد الجناح الخارجي للحرس الثوري الإيراني.
إعلان رفض سليماني استقبال رسالة بومبيو و طلبه الحديث مع المركز في طهران ، لا يعكس فقط التنظيم الهرمي الدقيق لإدارة الإيرانية و إنما أيضا تناسق مختلف هذه المفاصل التي تسعى إلى فرض تسوية جيدة في برنامجها النووي ، مع استمرار تذمر ترامب من الاتفاق المبرم في هذا الشأن ، و ردة فعل سليماني هذه تعني وضع إدارة ترامب تحت الضغط الخارجي و هي التي تضيق عليها الدائرة المحلية بسبب اعترافات مايكل افلين  و قرب سقوط جاريد كوشنير مستشار الرئيس في الشرق الأوسط ، و ما يمكن تلخيصه بالفشل الخارجي الكبير الإدارة الأمريكية في عهد ترامب .
رسالة وكالات الاستخبارات الأمريكية لم تأت حتما من فراغ ، فالوكالة التي تعد مهمتها الأولى جمع المعلومات عن كل كبيرة و صغيرة في العالم ، لن تخاطب الرجل الذي تحمله الولايات المتحدة كل جريمة قتل تقريبا تحدث في لبنان و سورية و العراق منذ العام 2004 إلى الآن ، و تعتبره التهديد الأكبر للكيان الصهيوني ، فان مخاطبة رجل من هذا النوع و بشكل خاص و مباشر يعني أن الوكالة لديها مخاوف حقيقية من الدور الذي يلعبه سليماني نفسه و اعتراف أيضا بتأثيره في المجال حيث يبعد عنه الجنود الأمريكيون بضعة كيلومترات .
ليس من المتوقع أن وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت تريد من رجل كسليماني عميلا لها أو شخصا يبيعها المعلومات ، و من غير المحتمل أن لا يكون سليماني قرأ الرسالة قبل رفضها ، و لكن وجوده الرسالة وحده كان فعلا كافيا للسؤال عن مدى قدرة الولايا المتحدة الأمريكية الخروج من مستنقع الدماء في العراق و سوريا حتى بعد القضاء على تنظيم و الدولة ، في ظل بوادر استمرار الصراع السني الشيعي في المنطقة و استمرار مسلسل كيد الإخوة في الخليج .

الإخوان المسلمون في موريتانيا بين الحالة المحلية و المرجعية العالمية



لا يخفى على المتابع للمشهد السياسي و الاجتماعي الموريتاني الصعود الكبير لحركة الإخوان المسلمين ، التي أخذت لنفسها مكانة معتبرة في المجالات السياسية و الاجتماعية خاصة من خلال قدرتها التنظيمية هذا مع الانكماش الذي تشهده التيارات الراديكالية البعثية و القومية وحتى اليسارية ، إضافة إلى حالة السأم السياسي التي يمر بها الشباب الموريتاني ، هذه الظروف تفرض على حركة الإخوان المسلمين في موريتانيا رفع التحدي و ان تعمل خارج الصندوق و لا تكتفي بالتفكير فقط من خارج نطاق الخزانات الانتخابية ، و ترشيحات المحسوبية ، و أن تعمل على ملئ الفراغ الناتج عن كومبرادورية الدولة و ضعف المشاريع السياسية القائمة حاليا في الساحة الموريتانية .
على مستوى المرجعية
تتأثر كثيرا الحركة الإسلامية في موريتانيا بفكرة الحركة الأم في مصر و غيرها إلا أن الإخوان في موريتانيا باتوا مطالبين بصياغة مشروعهم بعيدا عن المرجعية الاخوانية العالمية ، خاصة أن حسن البنا و سيد قطب لم يعودا بتلك الجاذبية بسبب التشويه الإعلامي الكبير الذي لحق لصورة الرجلين و الحركة بشكل عام و الربط بينها و كثير من الحركات الجهادية الأخرى ، التي و ان كانت قد احتكت بها  في مرحلة ما (صاحب كتاب الفريضة الغائبة الذي كان مسجونا مع قطب ، صاحب جماعة الهجرة و التكفير ...) و غيرهما من الأشخاص و الحركات التي جمعها في وقت ما طريق كره النظام القائم في مصر و غيره ، فكما فعلت التجربة التركية التي بنت أنموذجا تركيا اقرب الى العلمانية الإسلامية (إن صح التعبير) ، و حركة التحديث التي بدأت في ماليزيا و المغرب و النهضة و حماس مؤخرا ، على الإخوان في موريتانيا التعامل مع مشروع محلي بالاعتماد على المبدأ السياسي (التنظير بشكل عالمي و التصرف بشكل محلي ) ، فالظروف القائمة الآن اثبت أن المشروع الاخواني الموحد لم يعد قادرا على الاستمرار خاصة بعد ما وضع تحت الاختبار و الذي اثبت سطحية الفهم لمقولة "الإسلام هو الحل " فتجارب الإخوان القصيرة  نسبيا في الحكم عربيا  لم تستطع تقديم إجابات علمية حلو طبيعة الدولة التي يريدون مدنية أم دينية و أي مدى يأملون للشريعة هل يتعاملون معها في كليتها أم جانب الحدود و الأحكام ؟.
على الحركة الإسلامية في موريتانيا الاستثمار في مشاريع موريتانية و مرجعية ذات طابع محلي خاصة لأنها أكثر جاذبية محلية و حتى عالمية ، و بالرغم من التقارب  في الرؤى بل التماهي بين الإخوان المسلمون و الشيخ محمد الحسن ولد الددو و الشيخ محفوظ ولد الوالد (المفتي السابق للقاعدة) فإن الحركة الاسبلامية مجبرة على تكييف مشروعها ليشمل مدرسة الشيخ عبد الله  بن  بيه بالرغم من الاختلاف الكبير بين المسارين و لكن الإخوان في موريتانيا لديهم القدرة أن يكونوا أول جناح للإخوان المسلمين يتفاعل بشكل مباشر مع محور السعودية و الإمارات  ، و هو ما يجعل مشروع الإخوان الموريتانيين أكثر قدرة على الصمود خاصة في بلد بقيت ديمقراطيته مزاجية جدا و متقلبة إلى حد كبير .
على المستوى السياسي
الإخوان المسلمون في موريتانيا و من خلال حزب التواصل مجبرون على التفكير خارج الصندوق السياسي الموريتاني الذي ملئ تكرارا و تقليدا إما أحزاب في السلطة تتغير أسماؤها دون أن يعني ذلك تغييرا في الأشخاص و الوسائل و الأسلوب و معارضة راديكالية استبدت بها موضة المقاطعة و الممانعة في السنوات الأخيرة ، إضافة إلى حراك شبابي لم يجد بعد النصير السياسي و الاجتماعي المطلوب ، في سياق كهذا على الإخوان المسلمين أن يتجنبوا موضة المقاطعة السياسية و المشاركة إلى حد كبير في أي فرصة انتخابية  ، و لكن الأهم انه عليهم الابتعاد عن الترشيح على طريقة الشيخ و المريد ، فالحركات التي تحمل مشاريع تسعى للاستدامة عليها الابتعاد عن أسلوب الخزانات السياسية الذي عادة ما تنتهجه الأحزاب الحاكمة في البلاد ، فعلى الإخوان أن يتيحوا الفرص كاملة أمام الشباب و غيرهم مع العلم أن الحركة الإسلامية كانت أول مشروع سياسي ينفتح بشكل مباشر على لكور (ساكني الحضر ) و هو ما يعني أنهم مجبرون على تشكيل حزب بالمعنى التنظيمي و ليس جماعة دينية ، بأمير و رعية و هو الخطأ الذي حرك الثورة المضادة في مصر تحت  شعار "أخونة الدولة " .
على المستوى الاجتماعي
[قبل أن تقنعني أنني لست قمحا اقنع الديك أولا  أنني لست كذلك].
على الإخوان المسلمين العمل على إقناع الموريتانيين أنهم ليسوا القاعدة و لا داعش و أنهم حركة مختلفة تماما فهذا الخلط يؤثر كثيرا على القاعدة الشعبية للإخوان ليس في موريتانيا وحسب ، حيث كثرا ما ربط بين الإخوان و الحركات المسلحة الأخرى في المخيال المجتمعي الغير قادر على التمييز كثيرا في غبار الريات السود و الخضر .
و  إن تميزت الحركات الإسلامية في العالم العربي بقدرتها التنظيمية الكبيرة و لكن التدبير السياسي يختلف كثيرا عن التنظير الديني الدعوي ، و هو ما يعني أن الإخوان الذين يستثمرون كثيرا في التنظيمات الاجتماعية كواجهة لنشاطاتهم ، عليهم أن تدركوا أن الشباب ليس مستعدا أن يبقى فاعلا خيريا إلى الأبد ، و إن كان من المعلوم أن التنظيمات المجتمعية و الدينية للحركات الإسلامية هي الطريق إلى التنظيمات السياسية ، فان المسؤولية المجتمعية التي تحملها الإخوان في موريتانيا كبيرة جدا ، خاصة إذا علمنا أن سد الفجوة حيث فشلت الدولة و عجز المجتمع في بلد كموريتانيا يبد أمرا متعذرا ، لكن الفخ الحقيقي أن الذين يتلقون هذا الدعم ليس من المحتوم أن يكونوا مصوتين للمشروع الاخواني في أول انتخابات لان الميكانيزم المجتمعي في موريتانيا أقوى بكثير من الإرادة السياسية ، و حتى بطاقة التصويت كإرادة فردية حرة  لا قيمة لها في مواجهة الضغط الجينالوجي و القبلي .
سيحظى الإخوان حتما بدعم من القوى الشبابية المعارضة  و اليسارية في موريتانيا و حتى المعارضة التقليدية في حال دخلوا في مواجهة سياسية مع الحكومة القائمة ، ولكن الواقع يقول إن الإجماع السياسي متعذر إلى حد كبير خاصة في بلد مازال ينظر إلى السياسية كممارسة يتوخى من المبادئ و المواقف الثابتة في زمن الواقعي القول فيه أن سياسته المثلى إما أن تكون ميكيافلي على طريقة (ترامب ) أو استدراري على طريقة جميع دول العالم الثالث و إما أن تبقى متمسكا بمشروع صمم على مقاس لن يخدم جميع المجتمعات حتما عندها يمكن التساؤل أينهم ابرز قادة الحركة الإسلامية في مصر الذين أقدموا على هذه الخطوة في زمن وجب فيه التجديد و الاستماع إلى جميع الفاعلين الواقعي منهم و الافتراضي  .

الخميس، 30 نوفمبر 2017

شباب الحراطين و ضرورة بناء مشروع أمة


استهلال 
تركت نخب الحراطين إرثا كبيرا بالرغم من اختلاف مشاريعها و توجهاتها و حتى طبيعة تعاملها مع ميراث القضية و حتى نوعية التحالفات التي عقدتها لاحقا.
شباب الحراطين الذي اعنيه ليس ضرورة المنحدر جينالوجيا من الحراطين بل المؤمنون و الداعمون لهذه القضية قد يختلف معي البعض ولكن الاتفاق ليس ضرورة "ولكن هذا لا ينسينا أن القضايا لا يهتم بها إلا أصحابها ".
--- 
بالرغم من اختلافي الكبير مع الميراث الذي تركته نخب الحراطين إلا أنها تركت فعلا سندا حقيقيا لبداية جديدة لعمل جاد من اجل تغيير واقع شريحة الحراطين في موريتانيا ، و هو ما يفرض على الشباب الآن العمل بشكل جاد على صياغة مشروع جديد في نضال الحراطين و تقديم رؤية أكثر نضجا و وضوحا ، من الحكمة القول إن هذا هو الوقت المناسب لهذا التحول و انه حان وقت تحرك جميع المؤمنين بهذه القضية ، سؤاء كان هذا المشروع يستلهم من تجارب سابقة كما هو حال المصالحة في إفريقيا أو مشاريع أكثر دينامية أو خصوصية سواء من خلال مؤتمر للشباب أو منتديات عصف ذهني ... إلخ من فرص العمل الجمعي المشترك ، فانه على شباب الحراطين العمل بشكل جاد على صياغة مشروع شامل لمشاكل شريحة الحراطين و مختلف تشعباتها و طموحاتها ، و بعدها رمي كرة اللهب هذه في حضن الدولة التي تشغل نفسها في مشاريع وطنية شاملة و هو ما يفرض على أصحاب المشاريع الخاصة (الحراطين ، لمعلمين ... الخ) الاهتمام بمشاريعهم و تقديمها جاهزة للدولة التي عليها التعامل مع هذه المشاريع بجدية ، إذ من غير المتوقع أن تترك الدولة كرة النار هذه تحترق ، له من المعلوم أنها لن تحترق لوحدها بل ستحرق معها أشياء أخرى ، - آخر ما أفكر فيه أن أكون منظرا لثورة خاصة مع نتائج الربيع العربي - ، هذا دون نسيان أن الدولة لم تكن في يوم من الأيام موفقة في صياغة مشاريع وطنية بتلك النجاعة أي أن الاعتماد عليها أو انتظار ردة فعها في ظل مشاكل عامة تعاني منها منذ قيامها . سيضيع الكثير من الوقت في سبيل حل جذري للمشاكل التي تعاني شريحة الحراطين و غيرها .
العمل المطلوب اليوم من شباب شريحة الحراطين هو صياغة مشروع واعي أشمل و أكثر تفصيلا بل ومتجاوزا لميثاق الحقوق السياسية و الاجتماعية للحراطين و أكثر دقة من إيرا و أجرا من مشروع الحر نجدة العبيد و أكثر واقعية و شمولية من مشروع هيئة الساحل ، و لكن المهم في هذا المشروع أن يستقي من جميع المصادر و المرجعيات و التوجهات ، و يكون النواة الأولى لليافطة التي تجتمع فيها كل القوى النضالية التي ترى أن قضية الحراطين مسألة وجب حلها بشكل سريع و شامل .
مع العلم أن هذا الدمج على مستوى الأفراد سيكون صعبا بل مستحيلا بالمنطق السياسي ، و لكن الجمع بين هذه المشاريع كرؤية عملية سهلة و سلسلة ، و فوق كل ذلك ضرورية لبناء مشروع يرى الجميع فيه نفسه .
مثل هذه المهمة على شباب الحراطين التصدي لها و القيام بها معا و التنظير و التنظيم لها على أعلى المستويات لان صياغة مشروع كبير و شامل ، يعني حتما وضع الحكومة في حرج التجاوب الفعال مع هذا المشروع و دمجه في خططها القريبة ، أو يدرك القائمون عليه أن المسالة الآن باتت تتعلق بفعل ممنهج ومقصود "وقد أثبت التاريخ البعيد منه و القريب أن جميع أنواع الدول قابلة للاستمرار إلا دولة الظلم و الحيف و الإقصاء ".
الكرة الآن ما زالت في ملعب شباب الحراطين و هم المسؤولون عن تحديد حاجاتهم وسقف مطالبهم بأنفسهم و تأسيس كتلتهم الحرجة بأنفسهم ، و صياغة مشروعهم المتكامل و بحضور الجميع من فاعلين و مهتمين و شركاء في الوطن و الوضعية ...إلخ دون أن ينسوا توفير ما استطاعوا وسائل الجمع الضرورية لبناء مشروع أمة موريتانية و الذي ينطلق حتما من مشاريع ذات رؤية و مستقبلية و تشاركية و فوق كل ذلك مؤمنة كل الإيمان بالحق في دولة المواطنة .

الخميس، 23 نوفمبر 2017

إني أتحدث عن إيكيون كوظيفة اجتماعية


طالعت مقالا للزميل و الصديق أحمد سالم عابدين ، وقد كان المقال رائعا بما تعنيه الكلمة من معنى سواء من حيث زاوية المعالجة أو الاطلاع على حيث النقاش التي تقيد بكل أسس الموضوعية ، السطور التي اكتبها اليوم ليست ردا على مقال صديقي بل هي محاولة ليكون النصف الثاني للمقال الذي كتبه أحمد سالم عابدين ، مع أن كتابات هاو مثلي لن تصل بأي حال مستوى كتابات الأستاذ ولد عابدين و بالرغم من هذا الاعتراف فاني مصر على المحاولة .
*******
[إهاب أشرع لخلي الركبة ] مثل حساني .
تكرس التقسيمة الاجتماعية المبنية على ما يعرف في علم الاجتماع بالدور الاجتماعي ، (و هو الوظيفة التي يوكلها المجتمع لمختلف عناصره كل على حدة خدمة للنسق الاجتماعي العام) ، يكرس هذا التقسيم تراتبية اجتماعية في المجتمع الحساني (نسبة إلى للهجة الحسانية) ، حيث يوجد في القبيلة أو الجهة تقسيم شبه نمطي من قبيلة إلى أخرى و من جهة إلى أخرى ، فإلى جانب الزاوي الذي كان يقوم بالعملية التربوية و العربي الذي كان يتولى العملية الأمنية و الحرطاني الذي كان يهتم بالعملية الاقتصادية وجد إيكيو كفاعل في هذا المجتمع ولم يكن دوره مجرد تنفيس ثقل الحياة عن البقية الأخرى بقدر ما كان مخلدا للتاريخ و جزء من ماضي هذا المجتمع و حاضره ، و مع ما يسميه أوغيست كونت عمليات الإبدال في النسق الاجتماعي للعناصر التي لم تعد قادرة على القيام بدورها الاجتماعي بشكل صحيح فان هذا الإبدال طال عدة أدوار ، فلم يعد (أستعريب) اليوم غاية في حد ذاته (بوجود مؤسسة عسكرية ومن المفارقة أن قائدها وقت كتابة هذه السطور زاوي من الطريقة القظفية ) ، كما أن (أستزوي) هو الآخر بات ينحصر بشكل كبير (باعتبار وجود المدارس كإبدال له ) بل حتى تغير المفهوم إلى مجموعة من الممارسات الطقوسية و التابوهات أكثر من كونها شيئا على ارض الواقع ، فيما أصبح دور لمعلم كجهة صانعة مهددا بسبب (ماركة صنع في الصين) و التي كانت الإبدال الخارجي الذي فرض نفسيه على موريتانيا الدولة .
في هذا المجتمع بقيت مكانة إيكاون بعيدا عن الجدل الديني و لم تكن هذه المكانة مثارا للنقاش فقد بقي الفنانون بمفهومهم الموسيقي على الأقل ضمن التركيبة الاجتماعية ، فاعتقد أن ليس في موريتانيا احد لم يسمع (توبي من ذ الفن عذبت لحرار هذ النحية من موجبات النار ) ، و يعرف القائل و لمن قيلت له أيضا ، فعدى عن التهجم الواضع على المادة الفنية فان هذا القول يضع حدودا غابت في بعض الخطابات الدينية بين الفعل و الفاعل ، هذا دون نسيان أقوال و إن كانت من خارج المالكية ترى أن الموسيقى (حلالها حلال )، وهنا معروف ما الذي غناه ايكاون في موريتانيا ، و نوع المجالس التي يحضرون و دورهم الاجتماعي الراسخ ، و هو ما يفسر عدم اندماجهم في سوق الفيديو أكليب و شركات البيع و الشراء الموسيقي الذي أمها عدد من غير المنحدرين من سلالة ايكاون في مفارقة واضحة "أن الأسر الفنية الموريتانية لا تمارس فنها من أجل المال و إنما وظيفة اجتماعية) على ما يحيط النظام الاجتماعي به هذه الوظائف فكما هو شائن على الزاوي أن يكون فنانا فإن (أستعريب) كذلك كان في عيون الآخرين مجرد بطش و حرابة و هكذا ... .
إن إيكيو  الموريتاني اليوم ( سليل الأسر الفنية المعروفة) ينظر إليه كجزء من ذلك التاريخ الرمزي للظواهر الاجتماعية  لهذا البلد و تزداد قيمته تاريخيا مع امتداد عمرها ، لأنه كمعلم ثقافي لا يختلف بشيء عن ذاك التاريخ الذي يثر جدلا في مختلف الحضارات فكما المزارات و المتاحف و الخيام و المدن التاريخية يجب احترام "إيكاون" ليس كقيمة تاريخية ذات بعد إنساني و وليس كردة فعل لتلبية حاجة اجتماعية في وقت ما و إنما كقيمة أخلاقية أيضا ،" فلا فضل لعربي على عجمي الا بالتقوى " و توزيع صكوك الغفران عدى انه ليس فعلا في إطار المنظومة الإسلامية ، فانه كذلك ليس لعبد من سبيل على عبد آخر .

الاثنين، 20 نوفمبر 2017

قضية الحراطين بين النضال و منزلقات الضلال



أسالت مجموعة الحراطين في موريتانيا الكثير من الحبر على مستويات عدة خاصة في يتعلق بمخلفات الرق و انعكاساته على هذا المكون المجتمعي المحوري في التركيبة الاجتماعية بموريتانيا ، و مع قيام الدولة الحديثة بإصدار عدة تعميمات و قوانين و فتاوى حرمت مسألة العبودية ، فان الشكل الذي جاءت فيه هذه التحريمات تطرح من الأسئلة و الاستشكالات أكثر مما تقدم من الإجابات ، في ظل سعي تحرري دب في جسم الشريحة بكاملها (في حالة وعي بذاتها على لغة كارل ماركس ) . وقد تكون بعض الأسئلة الاستفزازية من الضروري أن تطرح دون أن يعني ذلك تقديم إجابات لها ضرورة ، فهل يعيش كل الحراطين (العبيد سابقا) نفس الوضع و لديهم نفس الخلفية أو على الأقل خلفيات متشابهة ؟؟ و ما مدى صدقية وجود نسق ثقافي يجعل هذه المجموعة تتسم بصفات مشتركة ليطلق عليها نفس الحكم و تعمم عليها نفس الوضعية ؟ أي دلالة لحجم الاختلاف الثقافي داخل شريحة –إن لم نقل شرائح -  الحراطين أنفسهم ؟ أي فاعلية لنضالهم قديمه جديده ما لم ينجح في توحيد الغالبية حول مشروع واحد ؟ (هذا المشروع الذي مازال غائبا أيضا هو الآخر ) و أي دور للنخب في هذا النضال؟
تجاوزت المسألة التشميت لعطاس تكرر كثيرا في السنوات الأخيرة و بات مطية شهرة للبعض و عذاب للبعض الأخر ، ففي ما يتعلق بالحراطين كمجموعة عرقية فان مخلفات الرق بالرغم من ضعف عمل الدولة على حل المسألة بشكل جذري ، قد انتهى عمرها المنطقي ، وركوب موجة المخلفات بات عملية متجاوزة إلى حد كبير ، فحالات العبودية المسجلة لا تقارب مهما تفاءلنا عشرة في المئة من نسبة الشريحة في المجتمع ، و هو ما يجعل عملية لبس عباءة المخلفات فيه الكثير من الردم على المشكل الحقيقي ، الذي يعانيه المجتمع بشكل عام ، و هو ضعف التعاطي الرسمي مع قضايا كالتعليم  و الصحة و الإسكان و توزيع الثروة ... الخ من أساسيات بناء دولة المواطنة ، و مع ذلك لا يمكن تجاهل أن ثمة نخبة من الحراطين استطاعت الوصول إلى بناء رأسمال و تجاوز هذه المخلفات في وقت لم تجد غالبية الشريحة أي طريق للتنمية ، و هو ما يحيلنا إلى السؤال حول الفوارق السوسيواقتصادية في الشريحة السوداء الناطقة بالحسانية ، التي تبد أكثر تلاؤما ثقافيا على الأقل في محيطها الثقافي الذي توجد فيه ، فلعب الدبوس كتقليد خاص بالحراطين أكثر تجذرا في غرب البلاد منه في شرقها ، ونفس الشيء على ما يعرف ب(الخالفة الخظرة ) ، فغياب هذين العنصرين و غيرها كثير عن نفس المجموعة في مناطق شرق البلاد ، يدفع بالسؤال إلى أعمق مما هو ظاهر فما مدى شرعية العبودية كفعل مرفوض دينيا ؟-حسب بعض الفتاوى الحديثة- و من الذي كان له الحق في التقرير من هو العبد والسيد ؟ ، و مع ذلك يمكن الوقوف على تقاطعات مهمة تشمل جميع مكونات الشريحة كالمديح النبوي – الذي لم يأخذ حقه في تدوين المقدس إذا ما قورن بمتون أخرى – و الذي إن كان عنصرا جامعا فقد تمايز في طرق الإنشاد حتى بات معروف كل لحن على حدة وما هي الجهة التي قدم منها .
يبد الإشكال الجينالوجي في الحراطين لكثر تعقيدا من سابقه ، فيحاول البعض التأصيل للحراطين كمجموعة و عرق ممتد ، فيرد البعض الحراطين إلى المصطلح الأمازيغي [إيحراطن] و الذي يعني الخلساء أو المولدون من بين الأحباش و البربر ، و يعتمد البعض الآخر مرجع [الحراثين] و هي كلمة تطلق على ممارسي الزراعة في المغرب و الثاء أبدل طاء بسبب النطق ، و بالتالي الحديث عن امتداد مجالي للشريحة . فيما يبد ثمة رأي آخر و خاصة في الجنوب يؤصل للشريحة على أنها من أصل زنجي و هي متشكلة نتيجة الاتجار بالبشر بين تجار الملح (البيظان) من الشمال و تجار الحبوب من الجنوب (السواد الإفريقي) ،و بالتالي هم يتكلمون الحسانية بالتعود و ليس بالأصل .
و دونما نسيان للتقسيم الوظيفي الذي عرفه مجتمع هذا المجال (أعرب ، امعلمين ، إيقاون ، أزواية ، حراطين ...) فان هذا الترتيب الوظيفي تحول مع الوقت إلى تقسيم اجتماعي و أدوار تحولت مع الوقت إلى هوية ، و لم تعمل الدولة على تخطيه بشكل فعال و هو ما تجسد في شكل مطالب نزلت مع الوقت شيئا فشيئا إلى الشارع . النزول إلى الشارع الذي يتطلب شعارات أكثر سهولة جعل كلمات [حر طاري] (الشخص الذي حصل على حريته حديثا) و جامبور (الخارج على العبودية ) كلها شعارات ضرورية لعملية الحشد للميدان لتغيير واقع الحراطين في حالة اعتماد ظاهرة على التغير من الخارج و ليس من الداخل. 
إن مسالة الجمع بين مجتمع الحراطين كشريحة عانت من ظروف متشابهة هي عملية لها الكثير من المنطقية من خلال وجود الكثير من المعلومات حول هجرة غالبية سكان ، كما أن فعل العبودية (المشين ) الذي عانى منه مكون في هذا المجتمع يجعل من هؤلاء ملاك للأرض أكثر من غيرهم ، و إن كانت عوامل تفتيت الرؤى السابقة كلها تعيد مركز الأزمة و هي البنية القبلية في موريتانيا التي تتأسس على أسطورة جينالوجية يستحيل الوقوف عليها ، خاصة إذا عرفنا أن القبيلة الواحدة تضم مختلف الشرائح الوطنية و من المضحك القول أن جميع هؤلاء يتوقفون عند الجد الثاني عشر نفسه .
بعيدا عن الجدل التاريخي الذي يتحكم فيه أموات بوصفهم من أتاحت لهم الظروف كتابة التاريخ ، فان الحكومات الموريتانية استطاعت دائما أن تؤجل الحديث الجاد حول ملف الحراطين ، إلا أن السنوات الأخيرة أفرزت حراكا أكثر أندفا و حسما  تمثل في بروز حركة إيرا التي كسرت العديد من الحواجز في سنوات ظهورها الأولى ،  حتى أصبحت بداية حقبة جدية كتجاوز لأدباي كرمز نضالي و تجمعات جامبور و حركة الحر لا حقا و أخوك الحرطاني و غيرها من الحركات التي لم تسعفها الظروف في أن تجد صداها المأمول ، فإيرا كانت محظوظة بشكل كبير بوجودها في زمن ثورة رقمية كبيرة خاصة في منصات التواصل الاجتماعي ، الجدل الذي أثاره الرئيس الموريتاني الثامن محمد ولد عبد العزيز حول حبس اثنين من ابرز وجوه النضال في قضية الحراطين بعد قضية الملكية العقارية ، و إطلاق سراحهما بعد أزيد من سنة - بتعليق سوء تقدير من المحكمة - ، نفس الرئيس دفع بيرام الرجل الصاعد وقتها في نضال شريحة الحراطين إلى أن يكون مرشحا رئاسيا ، خاصة بعد حادثة المحرقة التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بين ماضي و حاضر نضال شريحة الحراطين.
مسألة نضال الحراطين الآن هي مسالة نخبة و مرهون بمدى قدرة النخبة على تجنب الضلال عن الطريق الذين تم التمهيد له منذ أدباي و ما لحقه ، فهذه النخبة التي يتبجح البعض منهم بالتضحيات التي قدموا لشريحة الحراطين مع انه لم يطلب منهم أحد التضحية فإنهم استطاعوا تحويل هذه التضحيات إلى رأسمال مادي ورمزي ، دون أن ينعكس ذلك على وضع الشريحة ضرورة ، هي النخبة نفسها التي اختارت اليوم مشاريع شتى من اجل خدمة ما يلخصه النشطاء الشباب بالقضية ، فهذه المشاريع المختلفة عدى عن صعوبة الأرضيات التي تقام عليها فإنها تبقى المحك الحقيقي لمدى جدية النضال في بسبيل تحقيق مبدأ المشاركة النشطة في الحياة الوطنية و الحصول على مكانة في طابور الحقوق لعشرات الآلاف من الحراطين الذين يزدادون نسيانا كلما زاد بريق بعض نخبهم ، و إن صح القول إن التحول إلى نخبة مسألة معقدة فالمشكلة التي تعاني منها نخب الحراطين تتفق مع ما قدمه ابن خلدون أن "المغلوب مولع بتقليد الغالب " فنخب الحراطين غالبا ما يتحلون إلى نخب على نمط النخب البيظانية أول ما يصلون إلى مركب القوة المالية و الاجتماعية و بعض السلطة ، ومع ذلك تبقى الطاقات الشابة في هذه الشريحة و المتحمسة جدا للوصول إلى حقوقها غير منقوصة و الآن العامل المهم في المرحلة القادمة ، مهما كانت طريقة كتابة التاريخ و حقيقة تشكل هذه الشريحة و فاعلية ادوار الدولة أو التزام النخب بقضية الحقوق حتى ولو ضرب ذلك بمصالحهم الشخصية حائط المصالح الذي تحدده الحكومات المتعاقبة في سبيل بقائها. 

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017

السعودية في عهد آل سلمان : أي مصير لملكها غير المتوج


محمد بن سلمان تحرك كثيرا في ظل أحداث اقليمية مؤثرة فقد أزال ولي العهد في ظل أزمة قطر ، و حبس أمراء في ظل أزمة اليمن و لبنان فما الحدث الذي يليق بتوليه العرش ؟
*** *** *** *** ***
 منذ تولي الملك سلمان بن عبد العزيز ال سعود كان واضحا انه سيكون آخر الاخوة في العرش من خلال اتباعه سياسة الفصل الكاملة مع ماضي المملكة التي حرصت على وصية الوالد بتوريث الاخوة بدل الابناء ، و لكن ولي ولي العهد الذي تحول سريعا إلى ولي للعهد يبد مستعجلا للوصول إلى سدة الحكم ، إلا أن هذا الاستعجال لم يقتصر فقط على  تصدره المشهد في اللملكة وخارجها حيث بات الامر الناهي بين عشية وضحاها ، و خرج سريعا من الظل إلى واجهة الاحداث بمؤازرة من أحد اكثر الشخصيات نفوذا دبلوماسيا في المنطقة محمد بن زايد الذي يملك اذرعا قد يكون  اضعفها محمد دحلان الذي تحول من مارق على القضية الفلسطينية إلى واجهة لبن زايد في العديد من الملفات الشائكة .
محمد بن سلمان تزامن استعداده لاعتلاء العرش مع أحداث كبيرة ، فالولايات المتحدة الامريكية التي نعرفها تغيرت رأسا على عقب بعد حكم دونالد ترامب الذي لا يبحث عن اصدقاء لأمريكا و إنما يبحث عن استثمارات و تجسد ذلك من خلال حساب نتائج زياراته بعدد المليارات التي يعود بها من لكل زيارة ، و للمتابع لحسابه على تويتر معرفة ردة فعله على زيارته للرياض التي شهدت الكثير من الاحداث التي كانت من بوادر التحول المنظور في المملكة في عهد آل سلمان ، فأيام بعد زيارة ترامب تم قطع العلاقات مع قطر في حدت قضى على وحدة البيت الخليجي ، و بوقت وجيز قبل ذاك كان الملك سلمان يدخل في مخاطرة تتحمل السعودية الان كل سيئاتها و هي الحرب على اليمن التي بدت في شكل تحالف عربي إسلامي و لكن الواقع يقول انها حرب سعودية على اليمن كان الامير الشاب هو عرابها الاول ، و ان جنى امير أبوظبي ذو النفوذ الواسع نتائجها الابرز ، على الاقل هذا ما تقوله السيطرة على الارض و الانتشار العسكري ، في وقت دفعت السعودية إلى مواجهة حرب حقيقية كان اخرها صاروخ الرياض  والذي سبقته مخططات احرى ضد امن المملكة التي تعد اليمن خاصرتها الحرجة ، و هو ما جعل أي غبار قادم من اليمن تشم فيه السعودية رائحة العدو الجغرافي و الازلي الجمهورية الاسلامية الايرانية .
فيما يستمر الامير الشاب بتثبيت قدميه بالإعلان عن ما سمي رؤية المملكة 2030 في انقلاب اقتصادي على وضعية الدولة النفطية كان اول ضحاياه رافعة الاقتصاد الاكبر عربيا "أرامكو" ، هذا عدى عن المشاريع الطموحة في البحر الميت و تيران و صنافير و ، كان المشروع الذي شغل به ولي العهد الجديد الناس هو التوجه الديني الذي اعلن و بالحرف الواحد القضاء على التطرف ،  والعمل على تجديد الفهم و الخط التديني للملكة ، و كان من بوادر ذلك حبس المئات من  الائمة و رجال الدين - و بين و قوسين الموقف الذي كان مثار تهكم ضد المملكة-  السماح للمراة بقيادة السيارة ، هذا التوجه الديني الجديد مثل انقلابا بحد ذاته على عقيدة المللكة التي قال اخر من ملوكها انه الكتاب  و السنة هم دستورها ، و هو ما يطرح اشكالات حقيقية عن طبيعة التحول الذي يسعى اليه الامير الشاب في مشروعه الديني الجديد الذي لم يتضح منه سوى السعي الى التخلص من سلطة النص الديني لصالح سلط اخرى لم يتم بلورتها بعد ، هذا مع الاعلان الصريح من الامير محمد بن سلمان للحرب على الاسرة الحاكمة فإزالة ولي العهد السابق كانت البداية فقط ، ففي يوم واحد من الاعلان عن لجنة لمكافحة الفساد تم اعتقال ابرز وجوه الاسرة الحاكمة و اقوى رجال المال في المملكة من وزراء و امراء تتبع لهم مؤسسات كبيرة مالية و اعلامية ، بل حتى تم تسجيل اموال الجميع في عهدة الدولة السعودية ، و هو ما فسر ان الامير دخل المرحلة الاخيرة من عملية تحييد الخصوم و الاعداء في سبيل للكرسي الملكي .
و مع أن الوضع الداخلي للملكة بقي دائما ورقة فاشلة للضغط على ملوك السعودية التي لم تعرف ما قد يوصف بالانفراجة السياسية و الحرياتية على الاطلاق ، و ذلك بسبب علاقات المصالح التي تربطها بالقوى العظمى و المبنية بشكل كبير على مصالح اقتصادية و استراتيجية (النفط و المواجهة مع ايران النووية ) ، فان الوضع الاقليمي يقود السعودية إلى  الزاوية الحرجة ، حيث ان الحرب على اليمن تزداد تعقيدا و تطول مدتها و بالتالي تثقل أعباؤها المالية على كاهل المملكة ، فيما يمثل صمود امارة قطر في وجه الحصار ضغطا على الرياض التي تقود أيضا جبهة ثانية ضد جارتها بتهم ابرزها الارهاب ، الذي تحاكم به المملكة نفسها في محاكم الولايات المتحدة ، و تستعد لمواجهة مساءلة حول جرائم حرب في اليمن الذي دمرته عاصفة الحزم و سلاح الحوثيين ، كما أن الحليف الاول لمشروع أل سلمان الجديد و هو الامارات يعيش تحت ضغط الهجوم الاعلامي المتواصل من قناة الجزيرة القطرية و هو ما يدفع بالإمارات إلى الحرص على ستر عورتها بدل العمل على دعم حليفها السعودي ، خاصة أن البلد الخليجي اصبح مضطرا للإجابة عن اسئلة حرجة حول العلاقة مع اسرائيل ووضع حقوق الانسان في الدولة و الدور الذي تلعبه في الصراعات  التي تشهدها المنطقة .
بن سلمان الامير الشاب لا يسعى  إلى الحكم فحسب بل و يريد خلق تغير قد يكون منافيا للجغرافيا و التاريخ في عاصمة الاسلام التي باتت فيها هيئة الترفيه بديلا حقيقيا عن هيئة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر-ذات السمعة المخيفة- التي اصبحت مؤسسة هامشية في العهد الجيد ، هذا دون نسيان ان السعودية الجدية دفعت بنفسها إلى برميل البارود اللبناني الذي يعد الحالة  الدينية و الاجتماعية الاكثر تركيبا و تعقيدا في المنطقة ، فالدولة مسلحة و الشيعة مسلحون و السنة في طور العمل على جيشهم الخاص ايضا ، إلا ان دفع الحريري إلى خطاب مطابق لخطاب المملكة و مضاد لحليفه حزب الله يعد وجها للحرب بالوكالة الدائرة بين السعودية و ايران في عدة ساحات اخرها لبنا و قبلها اليمن و فلسطين ... ، فالاستقالة المريبة زمكانيا للحريري ، تعني ان السعودية نصبت نفسها فاعلا رئيسيا في دول يشكل الصراع جزء من تاريخها ، فمصر التي عاشت ما سمي من محور الاخوان -الحكام السابقين -الثورة المضادة ، تعتبر اليوم حليفا رئيسيا للمشروع السعودي الجديد ولكن مصر التي عرفها العالم أيام السادات ومنتصف عهد مبارك ليست هي مصر التي نعرفها اليوم في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
محمد بن سلما حتما اذا كتب له الله العمر سيصل سدة الحكم ، و ينصب ملكا و لكن على الملك الجديد  الوفاء بعهود ثقيلة جدا أولها كسب الاحترام للعائلة المالكة التي ظهرت بسبب الاعتقالات الاخيرة في شكل حطم صورتها الذهنية لدى المواطن السعودي ، كما عليه اثبات ان مشروعه قابل للتحقيق و التطبيق ، ثم ان عليه الخروج من اليمن بأقل الاضرار و التي ستكون حتما الاعتراف بالهزيمة عسكريا و محاولة العودة إلى الحل السياسي الذي سيكون انصار الله (حلفاء ايران) جزء لا يتجزأ منه ، كما عليه الحرص أن يكون رئيس الوزراء اللبناني القادم في حلفه مما يضمن له مكانا في الحرب الاقليمية المفترضة ضد إيران –التي يحاول ترامب التملص من الاتفاق النووي معها ، ثم ان المشكلة الاكبر التي على الامير الشاب ان ينجح فيها هي ان يحافظ على الامارات و ان يخرج من الازمة القطرية بإعادة مجلس التعاون الخليجي ، الذي يعيش الان موتا سريريا ، خاصمة ان محمد بن زايد أذا وصل الحكم سيكون له شؤون اخرى غير ارشاد محمد بن سلمان كيف يدير مملكة اجداده .


السبت، 28 أكتوبر 2017

الفضاء الجيوسياسي لموريتانيا [أحجية النفعية] ..الشيخ الحسن البمباري


تعرف موريتانيا انتعاشا دبلوماسيا كبيرا في الفترة الأخيرة خاصة مع إعلان اعتماد سفير المملكة المغربية الجديد بنواكشوط –و العكس-  في الأثناء كان رئيس الدبلوماسية السنغالية يُستقبل بالعاصمة ذاتها، فيما كان وفد وزير الخارجية الجزائري يفرغ من لقاء رئيس البلاد محمد ولد عبد العزيز ، هذا الحراك الذي تفسر الجهات الموريتانية ظاهره بأنها زيارات جيرة و صداقة ، لا يعكس حقيقة العكر الذي يسود فضاء شمال إفريقيا ، فالجزائر التي تعلن إغلاق حدودها مع المغرب هي نفسها التي تسعى لاتفاق فتح معبر حدودي مع  موريتانيا، إضافة سعيها الحثيث للحصول على موقف موريتاني جديد من قضية الصحراء، فيما المغرب الذي أصبح فاعلا قويا في الفضاء الإفريقي ما فتئ يعول على علاقاته التاريخية مع الشناقطة  للحفاظ على موقف البلاد من القضية الصحراوية،  في الوقت الذي  يبد الجهد السنغالي للحفاظ على موريتانيا مصالح اقتصادية ليس آخرها بحر الغاز المكتشف و عشرات رؤوس الأضاحي إضافة إلى فتح الشواطئ الموريتانية .
 في حين تُبْد موريتانيا أكثر واقعية في مطالبها حيث تسعى إلى شُل حركة رجل الأعمال ولد بوعماتو إضافة إلى عرقلة نشاط حركة إيرا التي تتخذ من السنغال مقرا لها ،  و إن  بقيت هواجس الإرهاب و النفط أكثر مؤشرات الاتفاق الموريتاني الجزائري الذي وصل حد إنشاء مجلس وزاري بين البلدين .
ما الذي يريده جيران موريتانيا ؟
تبدو الطموحات مختلفة من جيران الشمال إلى الجنوب ، فمع الدور الفرنسي الكبير في المجال الإفريقي ، فان السنغال ليس لديه الكثير من المطالَب التي تثير اهتمام حكام موريتانيا أو تضغط عليهم مع ضعف الدور الإفريقي للدولة الغرب إفريقية ، و التي تزداد انكماشا بسبب توسع التهديد الإرهابي و مع ذُلك شكل اكتشاف الغاز عامل قوة للسنغال ، و إن كانت هذه المساومة مساوية لحاجة السنغال إلى الصيد في المياه الموريتانية الملف الذي كثيرا ما مثل وسيلة ضغط على السنغال مع كل تحول سياسي في موريتانيا و اجبر السنغال على الاعتراف مبكرا بمختلف الانقلابات و الحكومات في جارها الشمالي. هذا إضافة إلى ملفات جانبية كتقسيم مياه نهر السنغال و الأضاحي التي تصدرها موريتانيا إلى السنغال و المبعدين بين الجانبين مع أزمات أخرى تراجع تأثيرها تدريجيا مع التفاؤل المستمر بمخزونات الغاز التي يملكها البلدين أو من المتوقع أن يملكها في الفترة القادمة .
و بالرغم من بقاء  المغرب خارج القارة لفترة طويلة على الأقل تنظيميا و مؤسساتيا ، فإنها علمت دائما على كسب العديد من الأصدقاء و الحلفاء في القارة السمراء خاصة من خلال أبعاد إسلامية و اقتصادية حيث توسع الاستثمار المغربي في القارة بشكل كبير جدا ،  كما حافظت على  علاقتها  الخاصة بموريتانيا منذ أيام ما يشبه الإقليم الواحد و وصولا إلى دولة المرابطين التي  تحتفظ موريتانيا بجزء من تاريخها القيمي فيما تحتفظ المغرب بقاياها  المادية التاريخية ، ولكن التداخل بين الجمهورية و المملكة يتخطى ذلك بكثير حيث وصل الجيش الملكي إلى مدينة ازويرات عاصمة الشمال الموريتاني للحرب ضد للبوليساريو ، للبوليساريو بالذات التي بقيت محور العلاقة بين البلدين حيث مثل هذا التحالف محور مصالح و مركز قوة العلاقات بين البلدين ، ومع أي تغيير في موقف موريتانيا من القضية الصحراوية تتغير بشكل جذري علاقاتها بالمغرب باتجاه مؤشر ذالك التغير . حساسية العلاقة بين موريتانيا و الصحراء التي أدخلت موريتانيا في حرب ضد قوات البوليساريو قصد استرجاع ما تعتبره جزاء منها ، مما دفع  بالصحراء إلى الجزائر -الداعم الرئيس للاستقلال الإقليم – ومع ذلك فان مسالة الصحراء بقيت دائما هي مركز التحالف الكبير بين البلدين حتى موقف موريتانيا الذي سمته (الحياد الإيجابي )  ظل مهما دائما للمغرب الذي حرص على ود موريتانيا في مجموعة من الأمور عَل أكبرها الموقف من الصحراء فيما بقيت قضايا مكافحة الإرهاب و التهريب -خاصة مع اعتبار البلدين احد الممرات الدولية للمخدرات إلى أوروبا- إضافة إلى الأمن المشترك و المشروع المتمثل في الاتحاد المغاربي كل هذه المشاريع بقيت ثانوية بالمقارنة مع أهمية قضية دعم موريتانيا للموقف المغربي من القضية الصحراوية بل و محكومة  هذه العلاقات بمدى انحياز موريتانيا لما هو مغربي بشأن الصحراء الغربية .
مع أن الجزائر أثناء و بعد العشرية السوداء اختلفت كثيرا عن الجزائر قبل ذلك ، فإنها عملت دائما على الصداقة الموريتانية من اجل القضية الصحراوية التي حولت العلاقات مع جارها المغاربي إلى جحيم و مع محاولات  موريتانيا البقاء دائما قريبة جدا من الموقف المغربي فان علاقتها تحسنت كثيرا مع الجار الجزائري خاصة مع إنشاء مجلس استشاري و تبني نهج شبه محايد من القضية الصحراوية إضافة إلى توتر العلاقات بين الجزائر و المحتل السابق (فرنسا) في قضايا معروفة للكل .
هذا مع ملفات إقليمية أخرى كالإرهاب الذي يؤرق كل من الجزائر و موريتانيا بسبب حدودهما المفتوحة على الشمال المالي و الصحراء الكبرى التي حولت الدول الثلاث إلى اكبر ممر للمخدرات العالمية و مركز مختلف الجماعات المسلحة في المنطقة ، و هو ما فرض مستوى كبير من التنسيق الأمني و الحفاظ على مستوى من التواصل دون أن يؤثر  وجود  موريتانيا بشكل ايجابي  في العلاقة بين الجزائر والمغرب الذين وصل التوتر بينهما حد إغلاق الحدود.

كان حديث الرئيس الفرنسي سهوا عن موريتانيا في لقاء مسجل و استغرابه من مواقفها الإقليمية إشارة إلى أن البلاد تعيش حالة تحول مصالحي مع جوارها الإقليمي و هو ما يعني عمليا مروقا إقليميا لموريتانيا ، و إن كان تحمس فرنسا لمنظمة دول الساحل و الوجود الأوروبي و الأمريكي المكثف في منطقة الغرب و الشمال الإفريقي يجبر دول المنطقة على البقاء خاضعة للإرادة الدولية التي يفرضها التفوق المالي و العسكري لشمال الكرة الأرضية على حساب جنوبها ، هذا مع ملفات تفرض التبعية المطلقة للجنوب الذي أصبح اكبر منابع التطرّف العنيف و بحاجة ماسة إلى المساعدة القادمة من الشمال ، فان أمل تنشيط المنظمات الإقليمية من قبيل المغرب العربي و تحالف دول الساحل و المنظمة الاقتصادية لغرب إفريقيا يزيد من ضغط وقوة هذه الدول للتأثير و الحسم في قراراتها المصيرية و يخلي لها وجه التعامل المحلي مع مشاكلها و أزماتها الداخلية .

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More