الجمعة، 14 أبريل 2017

[وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ]

يثير إشكال تقسيم الإسلام إلى مذاهب و طوائف و شيع وملل بل حتى نحل ، يراد لها أن تكون بمسحة إسلاموية فالدين الذي انزل ليكون رسالة للبشرية جمعاء (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران 85) فدون نقاش عن أي إسلام نتحدث ؟ بسبب الكثرة الفكرية و التعددية المذهبية ، فان ظاهرة الإسلاموية داخل المذهب الواحد تطرح إشكالا أكثر تحديدا بل وحتى يظهر جوانب من التعقيد في فهم الخطاب الإلهي ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة –رضي الله عنهما - و ان طرح مسألة الحجاب (بمفهومه الواسع) و المصافحة  في بلد [إسلامي الدين، سني الجماعة، مالكي المذهب] و بين مكوناته السنية المالكية تفرض هي الاخرى الاعتماد على مقاربتين أساسيتين( 1 إن كان حراما ! 2 إن كان حلالا !).
تثير وضعية الناظر البسيط إلى المجتمع الموريتاني إشكال الحياتين المتوازيتين و الإسلاميين المتوازيين  (في الشرائح الناطقة بالحسانية ) قريب بالمعايير الوسطية من الإسلام كما هو في الكتاب و السنة و إسلام آخر يبد أكثر اختلافا و امتزاجا بالثقافة الشعبية في الشرائح الزنجية ذات الثقافة الإفريقية "لكور"(ساكني الحضر ) , حيث يبرر السفور و المصافحة كمعلمين مميزين لهذا التصور الأخير للإسلام ، و لكن الإشكال إن الحديث عن هذه الظاهرة لا تصل إلى دواليب القرار أو النخبة  الدينية من الشريحتين ، و لا يتم التعامل في هذا الفصل الزمني بين التصورين النابعين من نفس المذهب لنفس الدين، إلا على تفسيرات ثقافية اجتماعية و إن كانت هذه الأخيرة ذات مشروعية سوسيو ثقافية فإن الخطاب الديني كان أكثر صراحة سواء  بالتأكيد على أن الله يُعبد بما حدد هو و ليس بما يتصوره العباد , كما حالة تحريم الخمر و وزواج المحارم و الطواف عريا حول الكعبة و الاختلاط و حتى تولي المرأة شؤون المسلمين ومسح ظاهر الخف و التقصير ... من الشواهد التي تجعل هذا التبرير في مهب الريح ، كما أن الآيات الصريحة في هذا الإطار تجعل هذا السكوت يحتاج أيضا إلى مراجعة أكثر عمقا انطلاقا من براديغمات أخرى ذات علاقة بالميكانيزمات المجتمعية لموريتانيا "كجسر حضاري بين بعديها العربي و الإفريقي" كما يرى د. محمد سيد أحمد فال ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ.. (النور 31)) .
مع أن مسالة السرد في إشكال إن كان حراما ، سواء من السياق الاجتماعي الذي يقر الظاهرة ولا يرى فيها أي خروج على الدين ، أو من السياق الديني الذي يحرم هذه الطريقة باعتبارها طريق الكبائر (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) (الإسراء 32) ، إلا أن الاستشكال تحت طائلة ما لا يدرك كله لا يترك بعضه تبد هي الأخرى ضعيفة جدا أمام ظاهرة اللاحجاب أو اللاحشمة  فمع الآية السابقة و قريناتها هل بات الستر أو المصافحة "بعضا" ؟

1 إن كان حراما

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (الأحزاب 59)
أين الميزان العدل في مجتمع يحلل لهذه الدخول إلى النار و يسمح لها بالخروج على أوامر دينية لا يمكن أن تصنف في إطار (إدراك البعض) ، و متى كانت الثقافة و الخلفية الاجتماعية هي المحدد للسلوك الديني ، و يكيف يطلب من طبقة العوام تقبل التعامل مع عدة مستويات من الخطاب لنفس النص و لنفس المخاطبين (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) ، فان كان كشف الرأس و المصافحة حراما فل يكن حراما على الكل و إن كان معيار الثقافة الموازية و منطق أن المؤمنات لسن على نفس القدر و لسن مخاطبات جميعا بنفس الإلزام فهذا التصور الأخير رد أيضا (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107) .
إن مسألة (الكورية ) السافرة هي قضية اجتماعية ثقافية بالدرجة الأولى ، ليس البعد نقاش إن كان الحجاب فرضا أو سنة أو محببا إلى غير ذلك من مستويات الإلزام في الخطاب الديني ، إلا أن المثير للإشكال أن يكون حلالا عليها و حرام على (الناطقة بالحسانية ) "البيظانية".

2 إن كان حلالا

لن يكابر أحد في العدد الكبير من الموريتانيات الئي لا يرتدين (غطاء) للرأس و لكن معروف من هن و ممن ! من هنا بالذات يجوز السؤال أي فهم للخطاب الديني هذا الذي يحظر على هؤلاء و لا يسمح لهن بالتمتع بما يتيحه من هامش للبعد الثقافي في التدخل في نمط التدين ؟ فان كان حلالا على "الكوريات" أن يخلعن غطاء الرأس و يصافحن فما المانع من أن يكون ذلك متاحا في شرائح مجتمعية أخرى ، إلا إذا كانت المسالة في مضمونها هي كبرياء اجتماعي و تميز ثقافي و ليس تطبيق ديني لذات الدين الحنيف.[  لَيَنْتَهِيّنَ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الّذينَ مَاتُوا إِنّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنّمَ. أَوْ لَيَكُونُنّ أَهْوَنَ عَلَى اللّهِ مِنَ الْجُعَلِ الّذِي يُدَهْدِهُ الْخرءَ بِأَنْفِهِ. إِنّ اللّهَ قد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبّيّةَ الْجَاهِلِيّةِ وَفَخْرَهَا بِالاَبَاءِ. إِنّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقيّ وَفَاجِرٌ شَقيّ. النّاسُ كُلّهُمْ بَنُو آدَمَ. وآدَمُ خُلِقَ مِنَ تُرَابِ ] أخرجه الترمذي وحسنه.
أو حركة في فلك "الكيتوهات الثقافية " التي تشبه الزجاج العازل نستطيع الرأي من خلاله ولكن لا يمكننا سماع الصوت المنبعث من ورائه و بالتالي تكون عملية التأثير و التأثر مشوشة و تغيب فيها (ردود الفعل (التغذية الاسترجاعية ) feed back "
فالحلال ما حلله الله و الحرام أيضا ما حرم ، و التدين كهامش لتدخل العوامل الثقافية ، بقي دائما في حدوده الدنيا ولم يصل إلى أصول الدين ، بل إن الأمور ذات الطابع الاجتهادي كانت مبعدة إلى حد كبير عن مسألة التدين ، فأي ثقافة لها الحق أو أعطي لها في التجاوز على أركان الشرع، مهما كانت تكون العلة إما في فهم الخطاب أو المخاطُب ، و من عدم الحكمة التصديق بأن الشمال الموريتاني يفهم خطابا دون أن يكون الجنوب جزء من ذلك الفهم إلا إذا لم يكن معنيا ثقافيا و اجتماعيا و وضع مبررات أكثر صراحة منطقية من ما هو موجود الآن . و إلا فإن سؤال [ كيف يقبل أن يكون حلال لهذه وحرام على تلك؟ ]سيبقى يطل برأسه دائما في ظل تحولات لا تضمن معها إن كانت الإجابة ستكون نفسها.  

يبد جدل الحشمة كمفهوم أعمق  دلاليا حتى من الحجاب و النقاب و البرقع "كظاهرة أكثر تطرفا" - كمستويات أو مظاهر للحشمة - المفهوم الأكثر دلالة في المجتمع الموريتاني ولكن هذا التبرير أيضا يبد ضعيفا ، لاعتبارات أن الحشمة كمفهوم يتسم بالكثير من المثالية التي من غير المتاح التقيد بها للجميع ، وليس ثمة دليل أن الرجل الزنجي  أكثر حشمة من أخيه العربي و بالتالي هو لن يقترب من [طريق الزنا] إذا صافح أو كانت الفتاة غير محجبة ، و ليست الفتاة مؤمنة مجاليا من الرجل الذي لا حشمة لديه لاعتبار ثقافة الأبواب المشرعة "الظاهرة التي طبعتها الخيمة في هذا المجتمع " و التي تدرج في إطار الكرم و التسامح و الانفتاح الذي تفرضه معايير الجيرة و القرابة في مجتمع من الأسر الممتدة و الإتكالية المتجذرة .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More