الأحد، 18 ديسمبر، 2016

أَزْمَاتٌ فِي مَرْكَبِ الرِّسَالَةِ الدِّيمُقْراطِيَّةِ ... الشيخ الحسن البمباري

يتجه العالم بأسره نحو تجسيد الأنموذج الديمقراطي دونما مراعاة للفوارق التنموية و التاريخية و مستوى الوعي الدولاتي الذي تصل إليه بعض الدول , هذا مع وجود بعض العيوب الخلقية التي تعاني منها الديمقراطية كمنظومة عل أهملها برجوازيتها كمعطى و كونها عملية ناتجة عن ترف اجتماعي و امتداد طبيعي لمستوى التنمية في الدولة أو  الأمة الساعية لممارسة الديمقراطية , هذا مع وجود اختلافات اجتماعية و خاصة في الدول المركبة التي تعد مفاتيحها ذات طبيعة اجتماعية بالدرجة الأولى (دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمريكا الجنوبية "إلى حد ما ").
و تطرح بشكل عام أمام الديمقراطية مجموعة من الأزمات يجعلنا نسمي ما يمارس في العالم الفاشل تنمويا بالديمقراطية المأزومة أو المرتبكة و يمكن تصنيف بعض هذه المشاكل في:
الأنظمة الوقفية : يعد هذا المفهوم من المفاهيم المحورية في نظرية فوكوياما , في ما يخص نمط الحكم في (العالم الثالث ) و هذه  الأنظمة التي تسعى إلى الاستمرار في الحكم هي بالضرورة لا تسعى إلى إقامة ديمقراطية حقيقية بل إلى فرض وجودها من خلال وقف الحكم على نفسها و خلق وسائل استمرارها هي , و مما يضاف إلى ما قاله فوكوياما إن هذه الأنظمة أيضا يمكن تسميتها بأنظمة الأزمة حيث لا تعيش إلا على وقع أزمة معينة بل و تسعى إلى خلق الأزمات من خلا ل ( التأزيم المفتعل ) "التعليم أزمة بحاجة إلى عشر سنوات و الفقر أزمة و التوعية أزمة .... الخ , في حين ترفض هذه الأنظمة أي نوع من الاستراتيجيات و لا تسعى إلى خلق استراتيجيات شاملة للتنمية و إنما إلى أفعال فردية و مرتبكة كون هذا النوع من الأنظمة وسيلة بقائه الوحيدة هي وجود أزمة تجعل من الديمقراطية مطلبا بعيد المنال و غير مطروح للنقاش أو الطلب.
التركيبة الاجتماعية : وكما أن الديمقراطية هي فعل الأفراد الحر و المتجرد من التبعيات الاجتماعية و الثقافية فان دول العالم الثالث مازالت محكومة بنظام السلطة و المخزن و القبيلة الدولة التي تمارس ضغطها على أفرادها من اجل التبعية لها و بالتالي فان الدول في هذا النوع من الدول لا تتواصل مع الأفراد و إنما مع الزعامات القبلية التي تمارس على أفرادها ما يسميه دوركايم القهر الاجتماعي و مخافة الانتحار الاجتماعي يصبح الأفراد مجبرون على التنازل عن رغباتهم الفردية من اجل على المخيال الجمعي و هو ما يعد تجاوزا لنظرية الديمقراطية و بناء نظام مناف (مثلت الرؤوس :النظام  _ القبيلة  _ المصلحة (القرعة)) يصح تسميته [ بالتريبوقراطية ], التي تقوم على هذا الثالوث القاتل لأي مبدأ ديمقراطي و متنافر معه .
الفشل في التنمية : إن الديمقراطية كمنتج بيروقراطي لا تقوى أو تتعزز إلا في البيئات المترفة  تنمويا وعلى عدة صعد (الاقتصادي و الاجتماعي و التربوي  ... الخ ) هذا مع ما تحدثه هذه العوامل من تأثير في الوعي الفردي و الجمعوي , كما أن هذا الفشل في التنمية يؤثر أيضا على مسيرة الحكومة نفسها من خلال التخبط الاستراتيجي و الانتقال من إستراتيجية إلى أخرى دون التقيد بأي آجال محددة و هو ما يطعن أولا في الوقت الذي ينوى النظام بقاءه , خاصة ان اكبر ثابت في الديمقراطية هي الآجال الانتخابية التي باتت اقصر مع ما يسمى بالديمقراطية التشاركية , وهو ما يعني أن الآجال  الديمقراطية تقاس بمدى الانجاز الذي يحققه النظم الحاكم , في ينعدم الانجاز التنموي في العالم الثالث بشكل كبير فان الأنظمة تدفع إلى التمديد بعد المديد لنفسها و هو ما يدفع بالديمقراطية إلى التلاشي شيئا فشيئا مع كل تراكم في الفشل التنموي .  
الفئات الفقيرة : درج التعارف السياسي على تسمية هذه الفئات بحزب الكنبة , أو الأغلبية الصامتة ,إلا أن تعدد المناسبات الانتخابية في دول ما بعد الاستقلال و نظيرتها , دفع بممتهني السمسرة السياسية إلى استغلال هذه الفئات وهو ما أعطاها نوعا من الخبرة المشوه حول المشهد السياسي و الحق الانتخابي فبات بطاقة الناخب مقابل مبلغ مالي مهما كان قدره لان التصويت بضمير غير قابل للطبخ ولكن تلك الدراهم مهما كان حجمها , ففوائدها أكثر(في الوقت الراهن ,الذي يعرف انه هو رهان الفقير ) و هو ما خلق ثقافة سوء تقدير قيمة  الصوت  و إن كانت التيارات الإسلامية نجحت في الحد من هذه الظاهرة إلا أن الاتجار بالأصوات اليوم بات من أكثر وسائل التزوير رواجا خاصة بعد تطور تقنيات التصويت من وجود كاميرات والأكياس الشفافة و غير ذلك من اللوجستيك المتطور في العملية الانتخابية , وهو ما يجعل من الفقراء احد العوائق الكبيرة في وجه العملية الديمقراطية , خاصة مع وجود تيارات تذهب بعيدا بالقول انه من غير اللائق وضع مصير العالم بين مجموعة من الأميين و الفقراء و من على شاكلتهم لتقرير من يحكم (إن كانت هذه النظرية متطرفة و إقصائية جدا إلا أنها تحمل مستوى معين من الصدقية في جانب ضرورة إيجاد أنظمة تعمل على الحد من الفقر و  تحريك التنمية ).
غياب التراكم : من اكبر الأزمات التي تعاني منها الدول الفاشلة تنمويا بل ربما يكون احد عوامل الفشل هو البداية من الصفر في كل نقطة أو تحول  تشهده هذه الدول فهي تقوم على قاعدة أن تلعن كل امة أختها التي جاءت قبلها , و أن يشرح كل نظام فشله بمخلفات الأنظمة التي سبقته و كأنه لم ينتخب أو لم يأتي عنوة ...من اجل التغيير و تحريك عربة التنمية.
إن ما يقول به العديد من علماء الآثروبولوجيا حول كون الشعوب البداية هي مجرد شعوب مختلفة وليست متخلفة , فانه على الدول خاصة في إفريقيا أن تعي  مستوى الاختلاف هذا للتوقف عن استنساخ استراتيجيات هي ناجعة ولكن في أوساط مختلفة تماما و هو ما يفرض أن تكون عمليات البناء على أي مستوى سياسي أو تنموي من الداخل نابعة من المجتمع نفسه وليست قصص نجاح في دول أخرى لن تناسب جميع العالم بالضرورة .


الشيخ الحسن البمباري


0 التعليقات:

إرسال تعليق

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More