الاثنين، 5 يونيو، 2017

خمـــسة وجـــــوه

كانت من المرات القلائل بل حتى المرة الوحيدة التي أذكر فيها هذا الوداع الحار من أخي الأصغر ، دائما ما تجاهلنا مسألة المشاعر و العواطف أو على الأقل التعبير عنها بهذه الطريقة ، كنت اركب التاكسي من عند "شتدو" بالميناء بالرغم من أن الساعة تشير إلى العاشرة مساء لم يكن الوضع مقلقا لدرجة ذلك الوداع الفريد ، قاطع صاحب التاكسي اللحظة بكل فجاجة أسرع نحن في وسط الطريق ، قلت في نفسي متى كانت السيارات في موريتانيا تحترم تعليمات المرور .
دخل على ذلك الشد العصبي الذي ركبت به السيارة مبادرة الرجل ذو القبعة الذي كان يجلس في الكرسي الأمامي ، كان يتأفف من هذه العاصمة التي تحتفظ بكل شيء ، عبر باقتضاب و بلاغة منقطعة النظير عن كرهه لنواكشوط  (إنها مدينة لا تمت إلي بصلة أنا أحب ذلك الفضاء الريفي ) يقول الرجل الذي عبر عن اشتياقي لزوجته و أبنائه. بدا الرجل كارها للعاصمة وكل ما فيها حتى انه أبدى اشتياقه لبعض الأموات ، في أثناء حديثه كان الرجل يعدل قبعته التي كانت تختزل كل ما قال ، تلك القبعة التي تجعل من هذا الرجل بالرغم من  تغير كل شيء في حياته و أنه يجد نفسه الآن في الكرسي الأمامي لسيارة متمسكا بكونه مجرد راعي بقر و لا يريد التنازل عن ذلك الجزء منه ، في إحدى المرات التي كان يرفع فيها يده لتعديل وضعية القبعة رن الهاتف ، دخل الرجل ذو القبعة في محادثة باللغة البلارية لم افهم كل شيء ولكن يبد أن احد أبنائه قد أصيب بوعكة صحية و هو قادم إلى نواكشوط  ، سيطر الجمود على السيارة و لكن توقف صاحب السيارة بضغط الفرامل فجأة عاد ليضفي روحا جديدة على تلك الوجوه التي بدأ التأثر يظهر عليها .
ركب شاب في بداية عمره السيارة اخذ وقتا في تعديل وضعية البنطلون الذي أضناه الضيق ، استطعت رؤية ملامحه بوضوح لأنني كنت قد انسحب إلى أقصى الكرسي الخلفي للسيارة ،لو لم يبدأ  الشاب في الحديث على "الواتساب" لعجزنا عن تصنيف إلى أي صنف بشري ينتمي فعدى عن طريقة اللبس كان قد اتخذ من شعره حقل اختبار  لمختلف الجلات أما الأحذية لوحدها تعتبر حمولة للسيارة كان شكله مضحك بقدر ما هو غريب ، ثم بدأ يسرد معاناته لأحد أصدقائه (تعرف putt  هذا الكرد تكاو ابروكسنا الليلة) و الله إنهم كارثة في كل مرة اخرج يجب أن يعتقلوني ، لا ادري اشعر أنهم وجودا لمطاردتي كان الحديث موغلا في الشكوى من الحرس ولكن لم يكن حديثه ذا بال خاصة مع وجود رجل يبد أن ابنه بحاجة إلى النقل للمستشفى .
توقف آخر للسيارة هذه المرة كان رجلا ضخم الجثة ،جندي آخر ينضم إلى السيارة فاندفعت إلى أقصى الكرسي  وكأني  أخاف أن يحطمني الرجل الذي كان يرتدي زيا رسميا ، ولكن مميزا بسبب السكين الذي كان يتدلى إلى جانبه الأيسر  و الذي يتعامل معه وكأنه غير موجود غير الشاب وضعية جلوسه بالكامل تجنبا للسكين الذي اخذ تقريبا مكان جلوس على مقياس التاكسي في موريتانيا ، حيث على أربعة أفراد أن يحشروا في الكرسي الخلفي ، لم يكثر الرجل الحديث و لكنه تضايق كثير من محاولة صاحب التاكسي الحصول على راكب جديد ، كاد الرجل يخنق ساعته من كثرة ما نظر إليها ، و مع ذلك حاول سرد بعض يوميات الجزارين و لكن الشكوى صاحبت لكل ما قال ، كنا في الفترات الماضية لدينا الكثير من الزبناء خاصة نهاية الأسبوع ولكن الآن الأمر تبدل تماما ، الأعياد لم تعد بذلك النشاط  هذه الأيام تتميز عن غيرها ...) ، قاطع السائق صديقنا المستعجل  قبل إنهاء جملته هذه (الداية الرابعة ). نزل الرجل و ركضا باتجاه السوق ثم اختفى في ظلام انقطاع الكهرباء .

كعادتهم سائقوا التاكسي يجدون الفرصة للتذمر ، و خاصة من زبون مزعج كالجزار ذو السكين الكبير ، انثناء تذمر صاحب التاكسي عاد هاتف الرجل ذو القبعة إلى الرنين لم يكن الخبر سارا ولكن أحدا لم يسأل ماذا حدث ، تجنبا لأمن الطرق طلب السائق مني النزول قبل الوصول لمتقى طر (الداية الساته )،  ما إن فتحت نافذة السيارة حتى وقف رجل آخر ، متحدثا إلى السائق ، ( الرابع و العشرين) و سأحجز الكرسي الأمامي ، انسحب الرجل ذو القبعة إلى الكرسي الخلفي دون كلام ، وقتها كنت قد أدرت ظهري مغادرا السيارة مغادرا مع أن الخبر الذي تلقاه الرجل ذو القبعة بقي معي ، ولكن التاكسي فرصة لتبادل  بعض الأشياء فقط وليس كل شيء.

0 التعليقات:

إرسال تعليق